تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سيجارتي العزيزة وداعًا

سيجارتي العزيزة وداعًا

كتابة: هدير المهدوي 5 دقيقة قراءة

جو عام

عبر «ديتوكس»، تسرد صديقتنا هدير المهدوي ديتوكسها الخاص حول تخليها عن صداقة طويلة مع التدخين، ونتمنى أن يكون تخليها لا رجعة عنه، وإلى الدليل.

دليل

لا أخفي إعجابي بتسمية «ديتوكس» التي تدفعني للتفكير في الكلمة الإنجليزية Detox والتي لا أجد لها بديلًا في اللغة العربية. في الحقيقة رغم محبتي للغتين، إلا إني أنحاز للعربية دائمًا، مع شعور ببعض الغيرة حين تكون هناك كلمة واحدة معبّرة عن التخلص من السموم في الإنجليزية، مع غياب مرادف في العربية لا يتطلب شرحًا يطول.

حاليًا أنا في «ديتوكس» حرفيًا، ومثلما يحاول هذا الدليل التخلص من أعباء الأسبوع خلال الويك إند، أتخلص الآن من سموم أربعة عشر عامًا مضت عبر التخلي عن صداقة طويلة مع التدخين؛ اليوم أتجاوز الشهر بأيام قليلة منذ قررتُ الإقلاع عن التدخين. لا نية لي أن أكون من دُعاة الإقلاع عن التدخين، لأنني كنتُ أنفر ممَن حاولوا لعب هذا الدور سابقًا. بل أشارك تجربتي عن كيف أقلعتُ عن التدخين في ثلاثين يومًا، دون نصح أو إرشاد، فأنا لا أحب النصيحة عمومًا، فلا أحب منحها أو تلقيها، ولا أشعر أن أيًا منّا، لديه القدرة على فهم خلاصة الحياة أو التجربة بالقدر الذي يجعلنا ننصح غيرنا، كان «الإنسان» نفع نفسه.

في منتصف نوفمبر تقريبًا، قبل دخلة الـ 35، استيقظتُ ذات صباح مقررة -بشكل مفاجئ- التوقف عن التدخين. قرار أتخذه للمرة الأولى في حياتي، لأنني في الحقيقة أحب التدخين، ولطالما كنت منبهرة بالنساء المُدخنات؛ في طفولتي اعتبرتهن رمزًا لـ«الشبحنة»، كأن التدخين ختم لقوة خفية، عدم اهتمام بما يظنه الآخرون، وقد يرقى لدرجة فعل مقاومة صغير للغاية ضد كل المحفوظات من «العيب والغلط».

المهم، قررت التوقف عن التدخين على أمل أن تبقى الشبحنة، ولألزم نفسي بالقرار أعلنت الأمر على أسرتي وأصدقائي، حتى لا أتراجع. وبدأت في تدوين يومياتي إلكترونيًا، خاصة في الأيام العشرة الأولى، فالمرء منّا يحتاج إلى التشجيع أحيانًا.

في يومي الأول قمتُ بأكثر شيء أنا بارعة فيه؛ «الغلوشة». أظن أنني شاهدت ثلاثة مسلسلات ربما في هذا اليوم، وكنت أعد لنفسي مشروبًا كل خمس دقائق، كنت على وشك شرب سيجارة أكثر من مرة في ذلك اليوم، مع القهوة، بعد الطعام، خاصة مع عدم تخلصي من التبغ مع إقلاعي عن التدخين، بل وضعته بعيدًا عن ناظري، وكان تحدٍ كبير ألا أقربه مهما حدث.

في يومي الثاني شعرتُ بملل رهيب دفعني للاتصال بكل أفراد أسرتي وأصدقائي، وأن «أرغي» كثيرًا، هذا الملل منبعه فراغ أو فجوة كأنني فقدت عزيزًا عليّ. الإقلاع عن التدخين هو اختبار جديد لقدرتي على الاستغناء، عن أكثر الأمور/الأشخاص التي/الذين أحبها/أحبهم. تخلي عن صداقة طويلة مع التدخين.

كان الثالث في الإقلاع قاسٍ قليلًا، فلقد كان لسوء حظي أول يوم عمل في الأسبوع؛ العودة إلى الأعباء بعد استرخاء الويك إند. زادت عصبيتي، ومعها رغبتي بالطبع في التدخين. أنظر لكيس التبغ كأنني سوف أكله، وربما لو كان كيس التبغ إنسانًا، لكنت قتلته في ذلك اليوم.

في الرابع قررتُ الخروج مع صديقة لتناول العشاء، وجلستُ بركن المدخنين باعتباري من المدخنين القدامى. لم أنزعج من روائح السجائر في المكان. ولم أنزعج منها لاحقًا بجوار أصدقائي وزملائي المدخنين، وكنت سعيدة أنني لن أحتاج أن أفرض على نفسي عزلة فوق عزلتي الاجتماعية، بأن أمتنع عن مقابلة أصدقائي المدخنين.

مرت الأيام الخامس والسادس والسابع في هدوء نسبي.

***

خلال التجربة بدأتُ في اعادة اكتشاف حواس الشم والتذوق، تذوقتُ القهوة وحيدة دون سيجارة وشممتُ رائحتها غير مختلطة برائحة الدخان. زاولتني كثيرًا كل الروائح التي أصبحت قادرة على شمها، خاصة أنني أصبحت أشمّ رائحة شيء يحترق طيلة الوقت، يدفعني للبحث عنه حول أرجاء البيت.

بعكس خبرات الجميع، احتد مزاجي للغاية في الأسبوع الثاني وليس الأول، كنت أقرب إلى تنين ينفث نيرانًا، لذا قررت الانعزال تجنبًا لإشعال الحرائق، مُنشغلة بالعمل كثيرًا ومشاهدة أفلام ومسلسلات.. هكذا تمكنتُ، مع نهاية الأسبوع الثاني، من القيام بكل الأفعال المرتبطة بالتدخين بدونه. ومرت في سلام نسبي.

توقفت بعد أسبوعين عن التدوين، لأنني أردت التوقف حتى عن التفكير في التدخين، الآن قد يمر يومًا كاملًا بدون أن أتذكر أنني كنتُ مدخنة. اقترح عليّ بعض الأصدقاء أن أستخدم تطبيقًا يعدّ أيام الإقلاع مُفترضًا عدد السجائر التي لم أدخنها والمال الذي وفرته، والأيام التي ستُضاف إلى عُمري بسبب التبطيل، لكني لم استخدمه، لأني أحيانًا أفضّل فعل الأمور التي تبدو راديكالية، دون شيء يذكرني كل دقيقة بالتورط، أظن كلما كان الفعل كبيرًا، كلما كان عليّ الشعور أكثر بعدم التعلق.

خطّر لي أن الصيف ربما كان أنسب للإقلاع، يحتاج الشتاء إلى دفء السجائر، كما أن دخانها يطرد ناموس الشتاء اللعين، أو ربما كان عليّ الانتظار حتى انتهاء الجائحة، فالسيجارة كانت تؤانسني بشكل ما في وحدتي الإجبارية، بل تخفف عني بعض الغيظ هنا وبعض الغضب هناك، وتشاركني كل تفاصيل حياتي أكثر من أي شخص. هي خواطر عابرة تأتي في ذروة مشاعر فقدي لأيام التدخين الخوالي. لكن شعري الآن سعيد لأنه لا يلتقط رائحة السجائر، وملابسي أيضًا سعيدة لأن الدخان لا يعلق بها، ولا يتسبب رماد السجائر في مزيد من الثقوب بها، بل لدي شعور طاغٍ بالخفة والمحبة؛ محبة للنفس جاءت متأخّرة، لأن مساعدة الجسد على التخلص من السموم، هو فعل يعبّر عن محبة.

سلام 

وفي جميع الأحوال، سواء قررت القارئة المدخنة [أو المدخن القارئ] الدخول في تجربة التبطيل أم لا، فإننا نشجع أي محاولة لبدء هدنة مع النفس، رغبة في أن يصل المرء لسلام نفسي في ظل الحياة العصيبة التي نحاول جميعًا التخلص من أعبائها كل ويك إند.

وسلام

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن