في مساء يوم 26 نوفمبر 2019، كانت سولافة مجدي وزوجها حسام الصياد جالسين في مقهاهما المعتاد في حي الدقي، ثم انضم إليهما صديقهما، محمد صلاح، وهو صحفي أيضًا. وبينما كانوا يهمون بمغادرة المكان في وقت بين العاشرة والحادية عشر مساءً، وجدوا أنفسهم فجأة محاطين بعناصر أمن في ثياب مدنية، ألقوا القبض عليهم بسرعة، واقتادوهم في سيارة بعيدًا.
كانت مجدي والصياد يخشيان هذه اللحظة. قبل ستة أسابيع، ألقي القبض على صديقتهما المقربة الصحفية والناشطة، إسراء عبدالفتاح، من سيارتها في الجيزة، وهي في طريقها لمقابلتهما. أخرج رجال أمن في ثياب مدنية إسراء عبدالفتاح من سيارتها ورحلوا بها، فيما نُقل صلاح، الذي كان برفقتها في ذلك الوقت، في سيارة منفصلة، وعُصبت عيناه وضُرب وتعرض للتعذيب قبل أن يُترك على طريق سريع. في غضون ذلك، اقتيدت عبدالفتاح إلى مكان مجهول حيث تعرضت للضرب والتعذيب، قبل أن يصدر أمر بحبسها احتياطيًا بتهمتي «نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية».
جاء حبس عبدالفتاح ضمن حملة اعتقالات واسعة عقب الاحتجاجات المناهضة للحكومة في سبتمبر 2019. حتى قبل اعتقال عبدالفتاح، كانت مجدي والصياد قلقين من إمكانية استهداف السلطات لهما. في معظم الأمسيات، كانا يتركان ابنهما، خالد، البالغ من العمر سبع سنوات، مع جدته، ولا يعودان إلى المنزل إلا في وقت متأخر من الليل، خشية أن تداهم الشرطة منزلهما وتعتقلهما أمامه، وفقًا لما ذكرته صديقة مقربة تحدثت لـ «مدى مصر».
على الرغم من القمع المستمر، أصيبت مجدي والصياد بصدمة جراء حبس صديقتهما إسراء عبدالفتاح.
«قبل ما يتقبض عليهم سولافة مكنتش مستوعبة القبض على إسراء. إنها محبوسة بين أربع حيطان مش عارفة تكلم أهلها»، تضيف الصديقة المقربة، التي فضلت عدم ذكر اسمها. «قبل القبض على سولافة كنا بنتكلم على اللبس الأبيض اللي المفروض نجيبه لإسراء، ولما اتقبض عليها، ودينا جلاليب من اللي كنا مجهزينهم لاسراء يتقصروا عشان نوديهم لسولافة».
اقتاد رجال الأمن مجدي والصياد وصلاح من المقهى إلى قسم شرطة الدقي، وهناك اعتدى أحد الضباط على مجدي بالسباب والضرب لإجبارها على فتح هاتفها المحمول، وفقًا للجنة حماية الصحفيين. لاحقًا، عُصبت أعين الصحفيين الثلاثة واقتيدوا إلى منشأة تابعة لجهاز الأمن الوطني، حيث تم استجوابهم بشأن عملهم الصحفي والمواقع الإخبارية التي يعملون معها. في اليوم التالي مثلت مجدي والصياد أمام نيابة أمن الدولة حيث وجهت إليهما تهم «نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية»، وصدر أمر بحبسهما احتياطيًا لمدة 15 يومًا في القضية رقم 488 لسنة 2019، وهي نفس القضية التي حبست عبدالفتاح على ذمتها.
منذ ذلك الحين، بقى الزوجان خلف القضبان، عالقين، مثل كثيرين غيرهم، في دائرة لا نهائية من الحبس الاحتياطي. تبرز قضية مجدي والصياد المخاطر الصارخة التي يتعرض لها الصحفيون في مصر، والصعوبات التي يواجهها الصحفيون، خاصة المستقلون والمراسلون الميدانيون، الذين يفتقرون إلى الدعم المالي والقانوني من المؤسسات الصحفية أو نقابة الصحفيين، وسط حملة قمع متزايدة على الصحافة المستقلة.
تعد قضية مجدي والصياد كذلك نموذجًا لتمزيق شمل أسرة. لقد تسبب الحبس في انفصال مجدي والصياد عن بعضهما البعض للمرة الأولى منذ أن التقيا لأول مرة قبل عقد من الزمن. وعلى مدى الأشهر الـ 14 الماضية، أُجبر ابنهما خالد على العيش بدون والديه.

ولدت سولافة مجدي عام 1987 ونشأت في القاهرة ودرست القانون في جامعة عين شمس، أما حسام الصياد، الذي يصغرها بثلاث سنوات، ونشأ هو الآخر في القاهرة، فلقد درس العلوم السياسية بجامعة السادس من أكتوبر. التقى الزوجان لأول مرة عام 2010، في مسيرة بمدينة الإسكندرية للاحتجاج ضد مقتل، خالد سعيد، على يد الشرطة. لكن تقاربهما حدث إبان ثورة 2011.
في ذلك الوقت، كانت صحافة المواطن تنتشر على نطاق واسع في مصر. فمع اندلاع الثورة، وثق المتظاهرون والمواطنون الكثير من أحداثها بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو عبر هواتفهم المحمولة ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي. ظهر في ذلك الوقت أيضًا العديد من المنافذ الإعلامية على الإنترنت، ما أتاح بديلًا مستقلاً لوسائل الإعلام الحكومية والخاصة التي غالبًا ما لعبت دور المدافع عن الحكومة.
تزوجت مجدي والصياد عام 2012، ومنذ ذلك الحين لم يفارق أحدهما الآخر، فلقد تشاركا الحياة والعمل الصحفي، بحسب تغريد زهران، والدة مجدي.
أنتج الزوجان معًا قصصًا مطبوعة وتقارير إخبارية متعددة الوسائط، بثتها محطات تليفزيون ومنافذ عبر الإنترنت. «هم علموا نفسهم بنفسهم، وكانوا فريق كويس، دايما بيطوروا من شغلهم. سولافة كانت هي المنتجة بالأساس وحسام كان هو المصور»، وذلك بحسب صديق وزميل للزوجين، تحدث لـ «مدى مصر»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، وهو مصور صحفي مقيم في الخارج.
بدأت مجدي عملها في الصحافة في قناة «25TV»، وهي قناة تأسست عام 2011 وأغلقت بعد ذلك بعامين. ومنذ 2013، بدأت العمل بشكل حر مع وسائل إعلام إقليمية، مثل «ديلي نيوز إيجيبت»، وقناة «الشرقية العراقية»، وصحيفة «الرؤية» الإماراتية، ووسائل إعلام دولية، من بينها «بي بي سي»، و«دويتشه فيله». ركزت في الكثير من تغطيتها على حقوق الإنسان والأقليات والاضطرابات الاجتماعية والتعليم والتحرش الجنسي والهجرة. وبينما عمل الصياد مع مجدي في معظم وسائل الإعلام السابقة، ظل يعمل بالقطعة لصالح موقعي «البديل» و«البداية». كما أعد الزوجان عددًا من تقارير الفيديو لموقع «مدى مصر».
«شغلهم كان متنوع، مش بس موضوعات حساسة، في الفترة الأخيرة كانوا بيروحوا يصوروا قصص في ورشة عواد أو ورشة مراكب»، قالت سارة البنا، صديقة أخرى للزوجين، ومقيمة في الخارج، لـ «مدى مصر».
«هم كان دايمًا عندهم إصرار على ممارسة المهنة، حتى لما كانت بتضيق كانوا بيلاقوا مخرج، كانوا بينشروا الأخبار على صفحاتهم»، بحسب خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «درب» وعضو مجلس نقابة الصحفيين سابقًا.
عقب الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، عام 2013، أصبحت مصر مكانًا أكثر خطورة على الصحفيين. قُتل ستة صحفيين على الأقل في ذلك العام، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، وهو رقم غير مسبوق في البلاد، واعتُقلت العشرات دون توجيه تهم إليهم. قفزت مصر إلى قائمة أسوأ عشر دول تسجن الصحفيين في العالم عام 2013 وصعدت بثبات لتحتل المرتبة الثالثة أو الثانية في القائمة منذ عام 2015، وفقًا للإحصاء السنوي للجنة حماية الصحفيين.
خلال تلك الفترة، انسحب العديد من الصحفيين والمصورين من العمل الميداني بسبب تزايد خطر الاعتقال. ومع ذلك، استمرت مجدي والصياد في إنتاج تقارير من الشوارع، متحديين المخاطر لمواصلة عملهما، وفقًا لأصدقائهما.
«أنا مكنتش أجرؤ أعمل زيهم، وأمشي زيهم بكاميرا على كتفي في الشارع، وأغطي من الشارع. إحنا بقينا زملاء وأصدقاء في وقت صعب جدًا، من 2015 لغاية 2019. كان فيه شغل مكنتش بقبله زي تصوير شخصية سياسية، لأنه ممكن يبقى متراقب، ولو تصوير في الشارع كنت بنقي المواضيع»، أضاف المصور الصحفي «مثلًا تصوير في وسط البلد مستحيل. خطر جدًا.في الوقت ده كنت بشتغل بشكل حر مع مجلات أجنبية. الواحد كان مقلق من كل حاجة. سولافة وحسام فضلوا يشتغلوا من الشارع لغاية النهاية. لو كان فيه ناس تانية زيهم كانت الصحافة في مصر هتبقى أظرف».
يقول المصور الصحفي كذلك إن مجدي والصياد، بصفتيهما مستقلين، كانا يعملان بالقليل من الدعم المالي أو الدعم المؤسسي أو حتى بدونه. «الصحفي الحر بيشتغل لوحده، المعدات بتبقى بالتحويش أو بالسلف، مفيش حاجة متأمن عليها. هاشتغل بمعداتي أو بمعدات زمايلي» قال المصور الصحفي، مضيفًا: «أغلب شغل سولافة وحسام كان مع وسائل إعلام أجنبية، فمعندهمش مكاتب في مصر، وبالتالي معندهمش حماية».
لم يقتصر عمل مجدي والصياد على مدن كبيرة مثل القاهرة والإسكندرية. تقول الصديقة المقربة: «هم كانوا نشطين جدًا ودايمًا عندهم أفكار، وطول الوقت ياخدوا معداتهم ويتحركوا من طنطا لكفر الشيخ للصعيد».
بسبب عملهما، تعرضت مجدي والصياد مرارًا وتكرارًا للاستيقاف والتهديد والمضايقة من قبل الشرطة والمواطنين العاديين لافتقارهما إلى «التصاريح المطلوبة» أو لأنهما يعملان لدى وسائل إعلامية لا تفضلها السلطات، وفقًا لما ذكرته الصديقة المقربة.
أصدقاء وزملاء الزوجين مقتنعون بأن السلطات استهدفتهما، واعتقلتهما في النهاية بسبب عملهما الصحفي.
«سولافة وحسام نموذج لصحفيين شباب خرجوا في مساحات مفتوحة، عندهم حلم يبقوا موجودين ويطوروا نفسهم، وفجأه جات الديكتاتورية ضيقت عليهم لحد ما المهنة قفلت» يقول البلشي، مضيفًا: «هم نموذج للصحفيين اللي بيشتغلوا بشكل حر بدون حماية نقابية. نقابة الصحفيين كانت المفروض تحميهم، سواء كانوا أعضاء فيها أو مش أعضاء، لكن النقابة اتخلت عنهم، زي ماتخلت عن الصحفيين الشباب المحبوسين».
في سبتمبر 2019، قبل شهرين من اعتقالها، حصلت مجدي أخيرًا على بطاقة هوية صحفية رسمية. قالت الصديقة المقربة: «كانت مبسوطة جدًا، وفرق معاها انها تشتغل من غير ماتخاف». في نفس الوقت تقريبًا، مُنحت مجدي زمالة رهام الفرا التذكارية للصحافة في الأمم المتحدة، حيث عملت على تغطية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. بعد ذلك، أجرى موقع «The Glocal» المصري مقابلة معها، بصفتها الصحفية المصرية والعربية الوحيدة التي تغطي اجتماعات مجلس الأمم المتحدة.
«اخترت من البداية إني أكون مراسل بسبب إيماني أن مهنة الصحافة هي المهنة الوحيدة لنقل صوت المستضعفين، هي الوحيدة اللي تقدر تغير مصاير الناس، الوحيدة التي تقدر تصنع فرق في المجتمعات طول ما هي واخدة الفرصة»، قالت مجدي في المقابلة.
على الرغم من التزامهما بالصحافة، في العامين السابقين لاعتقالهما، كان الزوجان يجدان صعوبة في إيجاد فرص عمل، خاصة مع تضاؤل التغطية الإخبارية الشاملة لمصر، وفقًا لأصدقائهما. في ذلك الوقت أيضًا بدأ الصياد يعاني من مشاكل في ظهره، ما دفع مجدي إلى تعلم مونتاج الفيديو لكي تغطي عمل الفريق.
«هم عمر ما كان عندهم دخل ثابت، كان ممكن يقعدوا شهور من غير شغل، وأوقات كانوا يقضوا 24 ساعة يعملوا مكالمات عشان يحاولوا يظبطوا شغل» تقول الصديقة المُقربة.
في عام 2017، أسسا مدرسة «Everyday Footage School»، والتي قدمت برامج تدريبية في صحافة الموبايل للشابات. وفقًا للأصدقاء «كان المشروع على وجه الخصوص حلم مجدي. كانت سولافة متحمسة إنها تعلم بنات تانيين إزاي يعملوا كل حاجة بالموبايل، هي كانت شاطرة جدًا في ده، وكانت عايزة تنقل خبرتها»، تقول الصديقة المقربة.
ريهام الغريب، إحدى الصحفيات اللاتي تخرجن من المدرسة في ديسمبر 2018، وكان للمدرسة تأثير كبير على حياتها المهنية. تقول: «الورشة دي غيرتني من مراسلة محلية في الإسكندرية لحاجة تانية خالص. غيرت حياتي وأنا مدينة ليهم. دلوقتى بشتغل بشكل حر مع دويتشه فيله، وبي بي سي، مدى مصر، رصيف 22، والمنصة»، تضيف غريب لـ«مدى مصر»: «إحنا كنا ست بنات في الورشة. هم علمونا كل حاجة عن إنتاج التقارير والتصوير، وكانوا بيعملولنا لنا تدريبات ميدانية. علمونا من أول كتابة مقترح، وطريقة عرضه، وازاي نكتب ستوري بورد، وازاي نحدد الأسئلة، وازاي نوظف الموبايل، واتعلمنا مونتاج وازاي نحط الأصوات، وازاي نطلع قصة كاملة».
بحسب غريب، استمر الزوجان في مساعدة المتدربات حتى بعد تخرجهن، ونشر أعمالهن، من خلال مساعدتهن على التواصل مع وسائل الإعلام وكذلك على بدء حياتهن المهنية.
«حبسهم خسارة في كل حاجة. تخيلي كم الناس اللي كانوا هيتدربوا ويطوروا مهاراتهم لو كانت المدرسة لسة موجودة. مكانهم مش في السجن، هما مش إرهابيين»، تقول غريب، مضيفة: «إحنا في حالة تامة من العجز، ما قدامناش غير أننا نحكي قد إيه هم ناس كويسين والسجن مش مكانهم».

منذ اعتقالهما، احتجزت مجدي في سجن القناطر والصياد في سجن طرة تحقيق. في منتصف ديسمبر 2019، أضربت مجدي عن الطعام لعدة أيام احتجاجًا على ظروف سجنها، خاصة تقييد الزيارات العائلية بـ 15 دقيقة فقط. أصبحت الزيارات الآن 20 دقيقة فقط مرة واحدة في الشهر، بحسب الأم.
في مارس 2020، علقت وزارة الداخلية جميع زيارات السجون كجزء من الإجراءات الوقائية ضد انتشار «كوفيد-19». «الزيارات اتمنعت لغاية أغسطس أو سبتمبر. في الفترة دي، رفض السجن استلام الأكل أكتر من مرة»، قالت والدة مجدي. كما توقفت السلطات عن السماح بالخطابات. «كنا في الأول بنستلم جوابات من حسام وسولافة، دلوقتي مفيش جوابات منهم، ولا جوابات حتى بتدخل»، تستطرد زهران.
في طرة، تفاقمت مشاكل ظهر الصياد. «هم بيناموا على الأرض، وقعدوا فترة ممنوع يدخلهم لبس شتوي وأكتر من بطانية واحدة»، تقول الصديقة المقربة، وبحسب زهران، فقد الصياد حوالي 20 كيلوجرامًا من وزنه في السجن.
عانت مجدي كذلك من عدة مشاكل صحية في سجن القناطر، فبعد أشهر من سجنها ظهرت عليها أعراض مشابهة لتلك التي عانت منها عندما أصيبت بورم في رحمها كانت قد أزالته جراحيًا في 2017، من بينها النزيف. فحصها طبيب السجن واشتبه في البداية في إصابتها بورم جديد، لكنه استبعد لاحقًا ذلك الاحتمال. بحسب زهران ومحامي الزوجين، خالد علي، تقدمت الأسرة بعدة طلبات إلى نيابة أمن الدولة والمحكمة لتوقيع الكشف الطبي على مجدي في منشأة طبية خاصة على نفقة الأسرة، لكن لم ترد السلطات على تلك الطلبات.
وتعاني مجدي أيضًا من مشكلات جلدية. اضطرت زهران إلى استشارة طبيب خاص بشأن تلك المشاكل، حين لاحظتها على وجه ابنتها في إحدى الزيارات، وبعد ذلك اشترت أدوية بوصفة طبية، وتمكنت من إدخالها إلى مجدي في السجن. وتعاني مجدي، مثل ابنها، من الربو، بحسب الصديقة المقربة.
في زيارتها الأخيرة لمجدي في سجن القناطر، في السابع والعشرين من يناير الجاري، جلبت زهران باقة من الزهور لابنتها بمناسبة عيد ميلادها الرابع والثلاثين، والذي يصادف اليوم، الأحد، 31 يناير، لكن سلطات السجن منعت دخول الزهور. نشرت زهران لاحقًا في ذلك اليوم على صفحتها: «وجعتي قلبي عليكي النهارده يا حبيبتي بسبب تعبك»، وأضافت: «النهارده اتوجعت أوي لما شوفتك تعبانة.. مش مستوعبة إيه اللي بيحصل معاكي. وجعتيني لما قولتيلي وصلي لحسام أنك بتحبيه وتفضلي تحبيه العمر كله. أنت أم وزوجة عظيمة يا سولافة وأنا فخوره أنك بنتي».
في أبريل الماضي، وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الضوء على مجدي من بين قضايا الصحفيين الحرجة في جميع أنحاء العالم. وفي نوفمبر الماضي، بعد قضائها عام كامل خلف القضبان، حصلت مجدي على جائزة الشجاعة من قبل المؤسسة الدولية لإعلام المرأة.
كما هو الحال مع آلاف السجناء الآخرين، جرى تجديد حبس مجدي والصياد بشكل روتيني خلال الأشهر الـ 14 الماضية.
وفي أغسطس الماضي، تم تدوير سولافة مجدي وإسراء عبدالفتاح فجأة في قضية جديدة، رقم 855 لسنة 2020، رغم أنهما لا تزالان رهن التحقيق في القضية 488 لسنة 2019. التهم في القضية الجديدة هي نفسها الاتهامات الأولى «الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة».
كان أحد المحامين قد أوضح لـ «مدى مصر» حينها أن ذلك النمط الجديد يأتي استباقًا أو تحسبًا لصدور قرارات بإخلاء سبيل المتهمين، على أن يبدأ تنفيذ أمر الاحتجاز في القضية الثانية بعد انتهاء الحبس الاحتياطي على ذمة القضية الأولى. هذه الممارسة، المعروفة بالتدوير، هي تكتيك تستخدمه السلطات بشكل متزايد لإبقاء المعتقلين محتجزين دون محاكمة بعد استنفاد الحد الأقصى للحبس الاحتياطي. وسلّطت لجنة حماية الصحفيين، في تقريرها الأخير لعام 2020، الضوء تحديدًا على قضايا الصحفيين المحبوسين احتياطيًا، مشيرة إلى أن الحكومة المصرية «بذلت جهودًا كبيرة من أجل استمرار احتجاز الصحفيين غير المدانين بأي جريمة».
ضمت القضية 855 لسنة 2020 مجموعة مختلفة من المتهمين، من بينهم المحامون ماهينور المصري، وعمرو إمام، ومحمد الباقر، والصحفيان إسلام الكلحي، ومحمد صلاح، والمدون، محمد أوكسجين، وأستاذ العلوم السياسية، حازم حسني، وثلاثة من موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذين حبسوا لفترة وجيزة، قبل إطلاق سراحهم في النهاية على ذمة القضية.
خالد علي، محامي مجدي والصياد، أوضح أن هذه القضايا تستند إلى تحريات الأمن الوطني، والتي تتوصل دائمًا إلى نفس الاستنتاج أن المتهمين نشروا أخبارًا وبيانات كاذبة وحرضوا ضد مؤسسات الدولة.
«الهدف من الحبس الاحتياطي أنه إجراء استثنائي يتعارض مع قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بمعنى أن محدش المفروض يتحبس إلا بحكم»، يقول علي، مضيفًا أن الحبس الاحتياطي يجب ألا يتحول لعقوبة. «المشرع أتاح تقييد الحرية طالما هناك ضرورة تستدعي التحقيق. سولافة دلوقتي محبوسة على ذمة قضيتين، طب ليه مش بيتحقق معاها في القضيتين؟ ليه نستنى لما الحبس يخلص في القضية الأولى؟ عشان يستمر حبسها؟ وعلى نفس القاعدة دي، هي تحت أيديهم في السجن، ليه تتحبس في قضية جديدة؟».
بحسب علي، فإن تحريات «الأمن الوطني» في القضية الجديدة التي ضمت مجدي، جاء فيها أن المتهمين التقوا بأعضاء جماعة الإخوان المسلمين داخل السجن، بهدف نشر أخبار كاذبة عن أوضاع السجون وأن هذه الأخبار الكاذبة من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة. وأضاف علي أن المحامين يعرفون القليل جدًا عن تفاصيل التهم والأدلة، لأنه غير مسموح لهم بالاطلاع على ملفات القضية.
لم تواجه النيابة الصياد ومجدي بطبيعة الأخبار الكاذبة المتهمين بنشرها، ولا باسم الجماعة الإرهابية المتهمين بالانضمام إليها. يفسر علي ذلك أن تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا، لا يمكن التعامل معها باعتبارها تحقيقات. في الواقع، بحسب علي، توجه النيابة التهم للمتهمين ببساطة، دون مواجهتهم بتفاصيل الاتهامات. بحسب لجنة حماية الصحفيين، فإن مصر تتصدر العالم في سجن الصحفيين بتهم إشاعة أخبار كاذبة.
«اتحقق مع سولافة وحسام مرة واحدة فقط، والباقي عبارة عن جلسات تجديد، وبعد 150 يومًا اتحالت القضية لغرفة مشورة»، يقول علي.

منذ اعتقالهما، الزوجان اللذان لم يفارق أحدهما الآخر من قبل، نادرًا ما يلتقيان. بحسب علي، فإن مجدي والصياد لا يلتقيان إلا أثناء جلسات التجديد في النيابة أو المحكمة. في بعض الأحيان، يطلب المحامون السماح لهما بالتحدث مع بعضهما البعض، على الرغم من أن هذا لم يتجاوز دقيقتين. يضيف علي أن لديهما حقًا قانونيًا في المراسلة وفي إجراء مكالمات هاتفية، لكن هذا لا يحدث أبدًا.
يسمح القانون أيضًا بإطلاق سراح أحدهما من أجل رعاية ابنهما، فالمادة 488 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه إذا حُكم على كلا الوالدين لطفل يقل عمره عن 15 سنة بالسجن لمدة تقل عن عام، ولم يُسجن أي منهما من قبل، فيمكن للمحكمة تأجيل عقوبة سجن أحدهما، بحيث يكون أحدهما على الأقل حرًا لرعاية الطفل.
«ازاي تحبس زوجين وفيه طفل؟ إحنا من تاني جلسة وإحنا بنقدم طلبات للنيابة وللمحكمة، وقدمنا طلبات للنائب العام لإخلاء سبيل أيهما، لكن مفيش رد»، يوضح علي. ويشير إلى سابقة في قضية الصحفي، حسن القباني، وزوجته، آية علاء، والتي بحسب علي، أُفرج عنها في ديسمبر 2019، لرعاية ابنتهما الصغيرة. «لا يصح أن المشرع يبقى بيقول ده في حالة الإدانة، والنيابة ما بتاخدش بيه. إحنا بنطالب بإخلاء سبيل أيهما على الأقل، خاصة أنه مفيش دليل ضدهما» يستطرد علي.
كان لسجن مجدي والصياد تأثير فادحًا على ابنهما البالغ من العمر سبع سنوات. حاول الزوجان حمايته من خلال التظاهر بأنهما سافرا إلى الولايات المتحدة للعمل ولم يتمكنا من العودة بسبب قيود السفر التي فرضها فيروس كورونا.
تقول زهران «في الشهور الأولى، كنا بنعرف ندخل جوابات من خالد، ومامته وباباه يردوا عليه، دلوقتي مفيش جوابات بتدخل، آخر جواب من خالد كان في أغسطس، بعدين قلناله إن البريد بايظ. أوقات بشتريله حاجات وأقوله ماما بعتتها أو بابا بعتها».
بعد أيام قليلة من اعتقالهما، أصيب خالد بنوبة ربو ونُقل إلى المستشفى، بحسب الصديقة المقربة. وخلال الشهرين الماضيين، عانى من حساسية قال الأطباء إنها ناجمة عن صدمة عصبية لم يستطع التعبير عنها، بحسب زهران.
«خالد في الأول كان حاسس بالخذلان، كان بيقول هم سافروا أمريكا يشتغلوا وسابوني، بس بعدين مبقاش شاري اللي بيتقاله، كان حاسس أن فيه حاجة غلط»، تقول الصديقة المقربة. وتضيف «في مرة جبت له دبدوب كبير، وكنت شايلاه بلاعبه بيه، فراح قايلي أنا هاخده منك وأخليهم يرموه في السجن. هو غالبا سمعنا بنتكلم عن السجن».
في مقطع فيديو نُشر على فيسبوك في 31 ديسمبر، يخاطب خالد والديه ويتمنى لهما سنة جديدة سعيدة ويغني أغنية. يقول: «أنا حاسس إني بحلم انكوا سافرتوا، وإن انشاء الله لما أصحي هلاقيكم رجعتوا بالسلامة».
محنة السجن المستمرة دمرت أسرتهما، بحسب الجدة زهران. تقول: «أنا مسخرة 24 ساعة لخالد، لكن محدش يقدر يعوض مكان مامته وباباه»، مضيفة: «ليه عائلة بحالها تتدمر؟ ليه طفل عنده سبع سنين يحس باليتم؟ حتى بالقانون المفروض واحد منهم يخرج للطفل. هما ماعملوش جريمة. فيه ناس بتقول إنهم اتقبض عليهم عشان كتبوا عن إسراء، يعني ده سبب؟ هي صديقتهم وهم مش أندال».
في إحدى الرسائل النادرة التي وجدت طريقها من داخل سجن القناطر في يناير 2019، خاطبت مجدي ابنها مباشرة متحدثة عن محنتهم: «في السنة الجديدة بقول لابنى كُن فخور بأمك وأبوك، إحنا اتحبسنا عشان بندافع عن حياة أحسن ليك ولينا.. كُن فخور يا خالد وارفع راسك وسط الناس يا حبيب أمك. في السنة الجديدة بطلب منكم متنسوناش، متنسوش اللي بيدفعوا حريتهم تمن وعمرهم بيضيع ورا الحديد والقضبان. متنسوش اللي بيحلموا بحياة كريمة لكل إنسان بيأمل بوطن أفضل. سنة جديدة هبدأها أنا وحسام بعيد عن بعض، وبيننا أسوار عالية حاجزة عنا النور والحرية، بس لأننا صحفيين عملنا شغلنا بكل مهنية وإخلاص».
تقارير ذات صلة
مخاطر قانون إجراءات جنائية مَعيب | حوار مع عصام الإسلامبولي
ما هو قانون الإجراءات الجنائية الجديد؟ وما علاقته بأزمة الحبس الاحتياطي؟
السجون الجديدة وتحديث الانتهاكات
يرى سامر أن السجن الجديد يلعب على الحالة النفسية للسجين، حيث تنقطع علاقته بخارج الزنزانة
حوار | مساعدة وزير الخارجية الأمريكي: صارحت المسؤولين المصريين بالمخاوف الحقوقية التي أوقفت الإفراج عن 75 مليون دولار من المعونة العسكرية
«الجزء الأكبر من المحبوسين احتياطيًا، وبحسب المسؤولين المصريين أنفسهم، أشخاص لم يرتكبوا أي جرائم عُنف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن