سفارات تتبنى «انتقالًا بطيئًا وجزئيًا» للعاصمة الإدارية الجديدة
«نقوم الآن بشراء قطعة أرض، وسيجري بناء مقر لنا في العاصمة الإدارية الجديدة. بالتأكيد، سيستغرق الأمر بعض الوقت، لكن بدأنا في الإجراءات، وعلى أية حال فإننا لسنا بصدد التخلي عن مقرنا في قلب القاهرة. ليس من المنطقي أن نفعل ذلك، لأن ببساطة كل شيء يبقى هنا في القاهرة». هكذا أوجزت دبلوماسية غربية في القاهرة موقف حكومتها، مما وصفته مطالبات الحكومة المصرية المباشرة للسفارات الأجنبية في القاهرة القيام بشراء أراضٍ في العاصمة الإدارية الجديدة لإنشاء مقار لها هناك.
تقول الدبلوماسية نفسها وأربعة آخرين من ممثلي عدد من السفارات الغربية والآسيوية في القاهرة، إن المطالبات التي كانت بدأت في صيغة اقتراح قبل نحو ثلاثة أعوام، تحولت إلى مطالبات بها قدر كبير من الاهتمام أو الإصرار. «الحكومة تعتبر مشروع العاصمة الإدارية الجديدة أمر أساسي وحيوي لها. إنها تعتبره مشروعها الأكبر، وهذا هو السبب في الرغبة في نقل السفارات». هكذا وصف الوضع دبلوماسي آسيوي.
عن المعنى السياسي لانتقال البعثات الدبلوماسية للعاصمة الإدارية، يقول الدبلوماسي الآسيوي: «لسنا ذاهبين إلى هناك في أي إطار سياسي، ولكن فقط في إطار إداري. الأمر تنظيمي بحت، والحكومات تقرر مثل هذه الأمور. وعندما تختار حكومة تغيير العاصمة ويتم ذلك، فالسفارات عليها أن تقبل قرار الحكومة. وحقيقة الأمر، لا نود أن نذهب إلى هناك، بل أننا لا نرى أن هذا المشروع كان ينبغي أن يكون أولوية، لأنه مشروع مكلف، ولكن مرة ثانية لسنا من نقرر. فهذا أمر يخص الحكومة والشعب».
كذلك، يقول دبلوماسي أوروبي: «إقرارنا بضرورة شراء مكان هناك في العاصمة الإدارية الجديدة هو أمر تشغيلي بحت، لا علاقة له بالسياسة. نحن لا نفعل ذلك إلا لأننا مطالبون أن نفعل ذلك. بالنسبة لما يجنيه النظام من انتقالنا لهناك سياسيًا، فهذا أمر لا يدخل في حساباتنا».
وبحسب مصدر دبلوماسي آسيوي آخر، تعتزم بلاده الاستثمار في مشروعات البنية التحتية للعاصمة الإدارية الجديدة من خلال شركات قطاع خاص، فلا فرق بالنسبة لبلاده بين العاصمة الإدارية الجديدة والمناطق الصناعية والتجارية التي تنشئها الحكومة في منطقة السويس. فهذه مشاريع تهتم بها الحكومة. «نحن نبحث عن التعاون مع الحكومة المصرية، والعاصمة الإدارية الجديدة هي واحدة من مساحات التعاون. إنه مشروع السلطات المصرية، ونحن نقدر أن السلطات مستقرة»، يقول الدبلوماسي.
وكان أحمد عابدين، رئيس شركة العاصمة الإدارية الجديدة، قال في أول مارس الجاري إنه جارٍ إنشاء 50 سفارة للدول الإفريقية بالحي الدبلوماسي، إضافة إلى مبنى لهيئة الأمم المتحدة. بحسب عابدين، سيضم الحي، الذي خُصص له حوالي 1500 فدان، من أصل 170 ألف فدان هي مساحة العاصمة الإدارية، عدد من المدارس والكنائس والفلل السكنية.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد حدد الهدف من الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة منذ الإعلان عن المشروع لأول مرة في مارس 2015، في تخفيف الزحام عن القاهرة قبل أن يضيف لهذا الهدف هدفًا آخر، هو إعلان الجمهورية الجديدة، وهي الجمهورية التي لم يكشف الرئيس أو حكومته أية تفاصيل عن ملامحها بعد.
ولكن أمام مطالبات السفارات بالانتقال للعاصمة تنفيذًا لأهداف الرئيس، هناك التأخير المتوقع في إنجاز الحي الدبلوماسي.
يقول الدبلوماسي الآسيوي الأول: «لا أظن أن الأمر يتعلق بتصور الحكومة أن الانتقال الكامل للعاصمة الإدارية الجديدة سيتم خلال العام الجاري، كما كان يروج له. من الواضح أن هناك تأخيرًا ما يتعلق بعوامل عديدة منها الانتهاء أساسًا من المقرات الحكومية، وهذا منطقي بالنسبة لمشروع بهذا الحجم، وأظن أن التقديرات بالانتهاء السريع كانت مبالغًا فيها بالأساس».
وبحسب ذات الدبلوماسي، فإن «المنطق يقول إن الانتقال يتم عندما تنتقل الحكومة فعلًا وليس قبل. لماذا يكون علينا أن نهجر المدينة وراءنا ونذهب إلى قلب الصحراء، قبل حتى أن تنتقل وزارة الخارجية؟ بالإضافة إلى ذلك، نحن لا نتعامل فقط مع الخارجية، لكن نتعامل مع كل الوزارات والعديد من الهيئات الرسمية وغير الرسمية، وهذه كلها هنا في قلب المدينة في القاهرة». يضيف الدبلوماسي أنهم عندما يسألون المعنيين في وزارة الخارجية، يتلقون إجابة فحواها الإجمالي «قريبا إن شاء الله».
كانت الحكومة قد بدأت بالفعل عقد اجتماعها الأسبوعي في مقر مجلس الوزراء بالحي الحكومي الذي يقع ضمن المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة بشكل شبه منتظم منذ 23 ديسمبر الماضي، إيذانًا منها بتفعيل خطة الانتقال المؤجلة منذ سنتين، وهو ما تبعه إعلان تسلم جميع الوزارات لمقاراتها الجديدة في العاصمة الإدارية في 12 فبراير الماضي.
يقول أحد المعماريين الذين يعملون ضمن عدد من المكاتب الهندسية القائمة على إنشاء الحي الحكومي في العاصمة الجديدة، إن هناك «تقدمًا واضحًا» في الإنشاءات في هذا الحي. ويشرح: «يمكن القول إن بعض المباني تم الانتهاء منها إنشائيًا، لكن بالطبع هناك تفاصيل تشغيل هذه المباني وإعدادها للتشغيل، وهي أمور تستغرق وقت، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة المباني الجديدة من حيث إنها تتبنى أساليب تشغيل وتأمين عالية التكنولوجيا».
أما فيما يخص الحي المخصص لإنشاء السفارات الأجنبية، يقول المهندس نفسه إن هذا الأمر «يبدو في بدايته».
وبحسب الدبلوماسيين، الأمر في بدايته لأن تخصيص الأراضي واعتماد التصميمات والاتفاق على تفاصيل الإنشاء وجهاتها، أمور تستغرق وقت. وبحسب ما ذكروه، حتى في حال الانتهاء من الإنشاءات والتجهيزات، والتي لن تتم بالنسبة لكل السفارات في ذات الوقت وإنما على توقيتات متتالية، كلٌ حسب مساحة المبنى وحجم السفارة وعدد أفراده، فلن يتم نقل كامل للسفارات من قلب القاهرة إلى قلب العاصمة الإدارية الجديدة.
ويرى الدبلوماسيون الخمس أن السيناريو الأرجح هو عملية «تمثيل متوازٍ» يسمح بـ«تواجد دبلوماسي»، حسب حجم السفارة الأساسي، في العاصمة الإدارية الجديدة. ويضيفون أن بعض السفارات يمكن أن تخصص دبلوماسي أو أكثر يكون مقيمًا بصفة يومية في مقار العاصمة الإدارية الجديدة حال الانتهاء من هذه المقار وانتقال الحكومة بكامل طاقتها إلى هناك. أما السفارات التي لا يزيد عدد العاملين فيها عن أربعة أو خمسة دبلوماسيين، وهذا هو الحال بالنسبة لعدد غير قليل من البعثات الدبلوماسية الأوروبية مثلًا، فإنها ستحتاج لأن ترسل أحد الدبلوماسيين، ربما ليوم أو يومين في الأسبوع.
الأمر الآخر الذي يرتبط بمسألة الانتقال، بحسب الدبلوماسيين، هي المقار الأصلية للسفارات في قلب القاهرة، المملوكة فعليًا لهذه السفارات، وبعضها مبانٍ لها صفة تاريخية ترتبط بالسفارات ذاتها، ويبدو أنه من غير الوارد أن تتنازل عنها تلك السفارات. كما أن بعضها مبانٍ تم تجهيزها بصورة معقدة من حيث التشغيل والتأمين.
التأمين يمثل عنصرًا آخر في مسألة الانتقال. وبالنسبة لبعض الدبلوماسيين، سيكون التأمين «حتميًا أسهل من بعض الجوانب» في العاصمة الجديدة، لكن على جانب آخر، التواجد «وسط الناس» أمر محبذ أمنيًا لبعض السفارات.
ولا يقتصر الانتقال المطلوب حكوميًا إلى الحي الدبلوماسي على السفارات، وإنما المطلوب أيضًا أن يشمل القنصليات، بحسب ذات الدبلوماسيين. يقول الدبلوماسي الآسيوي: «ليس لديّ أي تصور مطلقًا عما يمكن أن يعنيه ذلك، ليس فقط للمواطنين المصريين، ولكن أيضًا لمواطنينا المتواجدين في مصر. العاصمة الإدارية الجديدة بعيدة، وحتى الآن لا توجد وسائل نقل فاعلة للوصول إليها».
كل الهيئات التابعة لمنظمات دولية، مثل الأمم المتحدة، سيكون عليها أيضًا، بحسب المخطط الحكومي، الانتقال للحي الدبلوماسي.
و بالإجمال، التوقع العام أنه سيكون على الجميع التماهي بشكل أو آخر مع الخطة الحكومية هذه، وهو ما يعني انتقال بطيء وجزئي حتى إشعار آخر.
تقارير ذات صلة
«النيل» في مزاد الجيش
مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.
شقة أصبحت كنيسة.. حتى لا تتكرر مأساة «أبو سيفين»
لماذا استمر تحويل المنازل إلى كنائس في إمبابة؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن