تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ستيوارت لي.. ستيوارت لي.. ستيوارت لي.. ستيوارت لي

ستيوارت لي.. ستيوارت لي.. ستيوارت لي.. ستيوارت لي

كتابة: أنديل 9 دقيقة قراءة

بعد تمنّع طويل سمحت لي سفارة انجلترا أخيراً بزيارة عائلة زوجتي. رُفضت لي فيزاتين من قبل ولحسن الحظ نجحت الثالثة. في المرتين السابقتين كان قلبي يدق بعنف في الطريق لمكتب تسلّم مستندات السفر، أسترق النظر لورقة القرار النهائي بينما أسحب أقل مساحة ممكنة منها من المظروف البلاستيكي متظاهراً بالثبات، كمتسول يتوق لمعرفة كم قرشاً بالظبط منحه عابر السبيل الكريم. شعور ثقيل بالمهانة يعتصرني وأنا أتزلف لجهة لا أحترم طريقة تقييمها للبشر بينما أحاول اقناعها أنني "شخص طبيعي" مثل أي إنجليزي تقليدي، وأنني -بكل صدق- لا أطمح في ترك مهنتي في مصر كرسام كاريكاتير وكاتب سيناريو وشخصية خيالية في راديو غير حقيقي، واستبدالها بأموال الإعانة الإجتماعية الإنجليزية أو مهنة في أحد المطاعم، وأنني فعلاً أريد رؤية جدة زوجتي الطاعنة في السن وهذا كل شيء. في أول مرتين كنت غاضباً في الطريق للمكتب، ولكن في الثالثة كانت على وجهي ابتسامة غير مفهومة، فجأة رأيت ما في الأمر كله من عبث، ولم أهتم كثيراً بالنتيجة هذه المرة.

أول شيء فعلته في لندن كان بالطبع ركوب الأتوبيس الأحمر الشهير الجميل اللامع، ليس من باب التجربة أو السياحة؛ ولكن لأنه كان الوسيلة الوحيدة للوصول للبيت. كان الأتوبيس مكتظاً بوجوه متعبة حزينة من جميع الألوان، وبينما كان الأتوبيس ينفث عوادمه ويلهث على رصيف شارع the old kent street أمام المحلات الفقيرة بدأت أتذكر مشاهد من فيلم Children of men وأفكر في نهاية العالم.

قبيل نهاية الرحلة بحوالي أربع محطات توقف السائق ودارت محادثة بينه وبين صوت كسول يأتيه عبر جهاز اللاسلكي فهمنا منه أنه كان ينبغي عليه فعل شيء ما ولكنه لم يفعله لأن أحداً لم يخبره أن عليه ذلك. اعتذر لنا السائق بلهجة شديدة التأدب والرسمية وطلب منا أن نغادر الأتوبيس ونستقل الأتوبيس التالي، ينظر الجميع خلفهم ويطمئنون لأن الأتوبيس التالي وراءنا تماماً فيغادرون مع همهمات بسيطة.

على الأتوبيس التالي وبعد أن تموضع الركاب أينما سنحت لهم الفرصة، يترجل السائق عن مقعد القيادة ويفحص الباب في حيرة. يمد ساقه خارج الباب ثم يضغط زراً فينغلق الباب على ساقه، يكرر هذا السلوك ست مرات، ثم يلتفت للركاب ويقول بدون رسمية وبقليل من الأدب: معلش يا حضرات، الأتوبيس ده مش هاينفع يمشي، خدوا اللي بعده. إحدى الراكبات توضح له في زهق أننا نزلنا لتونا من.. يقاطعها في حسم: آخر مرة رخصي اتسحبت كان بسبب نفس المشكلة دي، ما عنديش استعداد رخصي تتسحب تاني، في رعاية الله.

ينزل الجميع متأففين، لحسن الحظ كان الأتوبيس الثالث منتظرًا خلف الثاني بخطوة، يركب الجميع مع غمغمات غاضبة، السائق لا ينظر حتى في كروت الناس الممغنطة الآن. فرغ كل شئ من معناه. يجلس الجميع. صوت موتور الأتوبيس يصدر حشرجة متقطعة متكررة، ينظر الناس لبعضهم (لأول مرة منذ بداية القصة تقريباً). يفشل السائق في إدارة المحرك، يمسك بالميكروفون الداخلي للأتوبيس ويتحدث بصوت خافت مرتعش: عفواً سيداتي سادتي، هناك عطل بالـ.. تصرخ راكبة ممتلئة حمراء الشعر والوجه بأعلى صوتها، بلهجة منطقة كوكني:

ARE YOU HAVING A LAUGH, IT'S THE THIRD BUS!

يلتفت السائق أمامه ويدير المفتاح فيدور المحرك ويستقيم كل شيء.

فاجأني التعبير رغم كلاسيكيته، وفاجأني ربط الضحك أو الهزار بمعاناة متكررة أو مآساة ثقيلة الظل. تذكرت كيف كان أحد كتاب السيناريو الذين عملت معهم دائماً يضرب مثلاً في كلاسيكيات الكوميديا بالرجل الذي يتزحلق على قشرة موز، وكيف أن الجمهور لا بد أن يرى الرجل ويرى قشرة الموز ليضحك عندما يتزحلق الرجل كما هو متوقع. تناقشنا كثيراً حول الترتيب ومعناه ولكن لم نتناقش أبداً حول الرجل المسكين الذي يضحك الجميع على مأساته.

 

قبل نهاية الرحلة بأيام، نجحت في مشاهدة عرض "غرفة مع يخني" لستيورات لي. الكوميديان الذي أدين بمعرفته لأسرة زوجتي التي لا تريد سفارة انجلترا أن أقابلهم. والحق أن الساعة ونصف الساعة التي قضيتها في مشاهدة ستيوارت كانت الفترة الوحيدة طوال زيارتي لانجلترا التي شعرت فيها أن هناك شيئاً يمكن أن تحسد الإنجليز عليه.

ستيوارت لي ليس كوميدياناً مشهوراً في مصر لأن ڤيديوهاته لن تظهر تحت قائمة الڤيديوهات المقترحة على يوتيوب وأنت تشاهد لوي سي كيه، وإذا كنت من عشاق لوي، أو من زبائن الستاند آپ كوميدي الأمريكي التقليدي، فأنت غالباً تربيت على كوميديا ملاحظات ساينفيلد الأنيقة عديمة السباب. ثم غالباً رأيت روبن ويليامز في المسرح ذو العين الكبيرة وهو يقلّد اللهجات ويحيي الجنود الأمريكيين الذين يضحون بأرواحهم من أجل الديموقراطية، أو ربما أنت يساري قليلاً لذا تحب كريس روك وكفاحه من أجل السود وتتغاضى عن نكاته الذكورية التي تُغضب أصدقاءك النسويين.

في حفل تأبين الكوميديان الشهير چورچ كارلن يقول لوي سي كيه: "دائماً ما يبدأ الأمر بنكات عن الكلاب والسفر ثم يغوص المرء أعمق حتى يجد ما يؤرقه ويخجله ويخيفه ليمزح حوله". في إحدى لقاءاته التليفزيونية يقول ستيورات: "عندما ترى نكاتي الكئيبة وترى نكات الآخرين ستعلم لماذا لا يقطع الآخرون الخطوة الزائدة، لماذا لا يفعلونها حتى النهاية، وستعلم لماذا أفعلها أنا".

في عرضه "غرفة مع يخني" يمزح حول الأسماء التي يختارها لحيواناته الأليفة وكيف أنها دائماً لأشخاص مشهورين، يحكي قصة كلبه الذي أسماه على اسم ممثل إنجليزي مغمور، وكيف مات كلبه بعد قفزة فاشلة نحو رف عالٍ، يختتم النكتة بالتشبيه ما بين مصير الكلب والممثل، وكيف أن كلاهما انتهيا بينما كانا يحاولان الوصول لشيء أكبر بكثير من قدراتهما. يصدر عن بعض الجمهور صوت استنكار أليم، يلتفت لهم ويومئ برأسه مؤكداً دون اعتذار وكأنه يقول "نعم، إنها ليست نكتة".

الشيء الأكثر لفتًا للنظر حول كوميديا ستيورات -بخلاف كونه إنجليزياً للغاية- هو كيف يحلل الإضحاك ذاته أثناء عروضه. هو لا يتطرق لمآسيه أو مآسي الآخرين بشكل عابر سطحي ليُشعرك أن الحزن جزء طبيعي من الحياة، وأن غداً أجمل والحياة جميلة. هو عندما يقول شيئاً كئيباً فهو يعني ما يقول. وهو يجعلك تضحك من كم هو كئيب هذا الأمر، لا أن تضحك رغم كآبة الأمر. لا إنكار في النكتة ولا مرح في طريقة تقديمها. هو أيضاً يحكم عليك من خلال ضحكتك ويخبرك لماذا تضحك على هذا ولماذا لم تضحك على ذاك.

أول شيء أذكره لستيورات لي كان عرضًا بعنوان "الواحد وأربعين أفضل كوميديان" يتحدث فيه عن تصنيفه من قبل إحدى المجلات بوصفه الرجل الواحد والأربعين في قائمة أكثر رجل مضحك في انجلترا. بالطبع هذا أمر محزن، وبالطبع هو مضحك. ماذا يعني هذا التصنيف على أية حال؟ ماذا يعني الترتيب أصلاً بعد الرقم ثلاثة؟ أو عشرة؟ يحكي في هذا العرض عن أحد الكوميديانات التقليديين المشهورين الذين صُنّفوا في المراكز الأولى، ويحكي عن كيف حضرت والدته أحد عروضه على متن سفينة ما كجزء من الپاكدچ الترفيهي للسياح. يقلّد والدته المسنة وهي تحكي بإعجاب عن نكتة قالها هذا الكوميديان، يأخد الأمر حوالي نصف ساعة تقريباً، يكرر فيها ستيوارت جملة تمتدح فيها والدته ذكاء الكوميديان حوالي ٣٠ مرة تقريباً! في نهاية الفقرة يؤدي ستيوارت النكتة التي أعجبت والدته بأسخف طريقة ممكنة، ويضج الجمهور بالضحك على مدى سخافة النكتة.

الكثير من الكوميديانات سيكررون نكتة ما حتى تحلب آخر قطرة ضحك، وتكرار النكتة بالنسبة للكوميديان هو كابوس يلاحقه وينهش ببطء في ثقته في نفسه وفي قدرته على الإبداع، ستيوارت يقتحم هذا الكابوس ويروضه ويجعله يفعل ما يريده بالضبط، كيفما يريده بالضبط. فرغم خطورة التكرار سيظل دائماً هو النكتة غير المتوقعة إطلاقاً.

في عرض مبكر للوي سي كيه يسخر لوي من الشاب الذي لم يفقد شعره بعد من النظام المالي في أمريكا ومن البنوك، يقول أن البنك في أمريكا يضطرك لدفع غرامة على فقرك كلما نقصت أموالك، ويدفع لك المزيد من المال كلما ازددت غنى. ثم في واحد من أحدث عروضه بعد ما أصبح لوي رجلاً مسناً ممتلئاً بالشحوم والأموال والحزن، يسخر من الشباب لأنهم كثيرو الشكوى، يشتكون كثيراً من حكومتهم وإجراءاتها الأمنية في المطارات، ينسون أن لديهم معجزات حقيقية بين أيديهم مثل الهواتف الذكية التي تستطيع فعل أي شئ! بجدية يلوم لوي الشباب الحانق، بجدية يرى لوي أن سلعة استهلاكية غبية مثل الهاتف الذكي يجب أن تكون مدعاة للقناعة والرضا في الحياة. بينما عندما سخر ستيوارت لي في عرضه من الشباب سخر أولاً من كونه كبيراً في السن، وسخر من نكاته التي يقدمها الآن مقارنة بما كان يقدمه وهو صغير، وسخر مما يفضّله الشباب، مقارنة بما يفضله كبار السن، ثم دفع العربة حتى النهاية وتمادى في فخر العجائز وتظاهر بأن "شباب اليومين دول" يظنون أنهم يمارسون جنساً عنيفاً بينما "على أيامهم" كان الجنس العنيف ينتهي في المستشفيات. ومع نهاية هذا الجزء يجعلك ستيوارت تفكر في مدى سخافة مفاخرة الناس بأشياء لا يد لهم فيها على الإطلاق، مثل الزمن الذى ولدوا فيه، دون أن يقول ستيوارت هذا.

يقول: الشباب لا يحبون ما أقدمه؟ بالطبع، لأن الشباب يحبون أشياء مختلفة، الشباب يحبون الهواتف الذكية. ثم يتظاهر أن الميكروفون هاتف ذكي وينقره بأصبعه مع تعبير متخلف على وجهه، وبالطبع يفعل ذلك لمدة ٤٠ ثانية على الأقل حتى يجعلك تكره نفسك!

ستيوارت يبدو مدركاً لحب الناس لوقاحة النكتة، وتوقهم لسماع ما لا يجب أن يقال أبداً، هو نفسه يبدو عليه الاستمتاع كلما كانت نكاته أكثر وقاحة وانحطاطًا. الكثيرون من محبي لوي سي كيه مثلاً يرونه عبقرياً لهذا السبب، إلا أن لوي سي كيه يبدو شديد التحفظ والحذر مقارنة بستيوارت لي في هذه المنطقة، كما أن ما يفعله ستيوارت أكثر تعقيداً بكثير من مجرد استجابة لهذه الرغبة البدائية في قلة الأدب.

يتقمص ستيوارت عدة شخصيات في العرض، ويقول أشياءً يستحيل أن يقولها في الحياة العادية، يستجيب لتوقعاتك وتطلعاتك وأحلامك المكبوتة ويُسمعك ما يريد لا وعيك أن يسمعه، لكنه يفعل ذلك وهو مدرك لما يفعل ومدرك لتأثيره. يشركك في هذه اللحظة ويوضح لك ماذا يحدث فيبدو الأمر كتجربة سيكولوچية.

في عرض "غرفة مع يخني" هناك ٣٠ دقيقة عن الإسلاموفوبيا يتحدث فيها عن علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين في اللحظة الراهنة، يتخيل حوارًا بينه وبين أوروبي يميني غاضب ناقم على ستيوارت نفسه وتحيزه الأعمى لصالح المسلمين بسبب توجهاته الليبرالية الـ politically correct المخنثة. يحاول إرضاء هذا الأوروبي الغاضب ويعده بأن النصف ساعة القادمة بالكامل ستمزق المسلمين تمزيقاً، يبدأ في التفكير بصوت عالٍ ويحاول صياغة النكتة بالطريقة التي سترضي الأوروبي اليميني الغاضب، ثم يشرع في آداء النكتة. ترى كيف ينسلخ عن نفسه وينزل لمستوى التوقعات ليرضى هذا الشخص فتفكر في كل رأي عام يهين نفسه بنفس الرخص، وتضحك على ستيوارت وهو يتأرجح يميناً ويساراً على المسرح يلوك فمه باللاشئ.

 

في عرضه قدّم ستيوارت لي نفسه كليبرالي پوليتكالي كورريكت، وشرح بهدوء بين النكات وجهات نظره في عوار نظام بلاده الاقتصادي والثقافي، تكلّم عن الأقليات وعن تعايش المجتمعات رغم اختلاف مكوناتها الثقافية، وتحدث عن الوطنية وسخر من النشيد الوطني الإنجليزي. وفي نفس الوقت قدم نموذجاً كوميدياً شديد الإضحاك وشديد التعقيد. تحدث عن طريقته في الكتابة وكيف يصمم النص ويضبط توقيته ورأيه في نفسه وفي مهنته ورأيه في أعمال الآخرين. سخر أيضاً من الأديان والمتدينين ومن الجمهور ومن كل شيء. بالبلدي: قال كل اللي ف نفسه وما زعّلش حد.

مشاهدة ستيوارت لي كانت تجربة مريحة وسط وعثاء سفرية إنجلترا، وكل ما يحيط بها من توقعات واستعدادت عاطفية وانغماس في كل ما هو مرتبط بإنجلترا في الماضي وفي المستقبل. كانت تجربة مريحة لأنها -وهو ما يميزها عن أغلب ما في لندن- كانت واقعية وصادقة، وتكراريتها المخدرة اتسقت مع تكرارية العالم العادية بنعومة، تماماً مثل جيتار أغنية العمى الشهيرة لفريق ذا فال التي ظلت تعيد نفسها من سماعات المسرح للأبد حتى ظهر ستيوارت أخيراً، والتي لاحظنا الآن فقط تشابهها المريب مع "إشهد اللياقة" (witness the fitness) لرووتس مانيوڤا التي كنّا ندندنها، أنا وأسرة زوجتي التي لا تريد سفارة إنجلترا أن أقابلهم، طوال فترة الإجازة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن