رسالة «كوب27»: كيف استعانت مصر بـ«خبير تجميل» لاستضافة مؤتمر المناخ
وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين الماضي، أمام قادة العالم أثناء افتتاح الشق الرئاسي لمؤتمر المناخ، مشيدًا بجهود حكومته في «التحول الأخضر». قبل أشهر من تلك اللحظة، وأثناء التخطيط لها، استعانت مصر بخبرات شركة علاقات عامة لإدارة التواصل أثناء المؤتمر.
الشركة المختارة لإنجاز هذه المهمة هي Hill+Knowlton Strategies، وهي الشركة ذات الباع الطويل في قيادة حملات إعلامية للتمويه البيئي المعروف بالـ«Greenwashing» لشركات البترول العالمية، ذات الأثر الأكبر على البيئة. وهي أيضا نفس الشركة التي روجّت لاستخدام الفحم لإنتاج الطاقة للمرة الأولى في مصر قبل عدة سنوات.
لم تعلن الحكومة المصرية رسميًا عن تولي الشركة مهمة مساعدتها في المؤتمر، ولكن مصادر إعلامية متعددة، وأخرى من منظمات المجتمع المدني المصرية والعالمية، أكدوا لـ«مدى مصر» تمثيل الشركة أثناء الإعداد للمؤتمر. كما اطلع «مدى مصر» على صورة مأخوذة من إحدى الاجتماعات، يظهر فيها Timothy Hurst، العضو المنتدب في الشرق الأوسط والهند وتركيا وإفريقيا، بصفته ممثل عن الشركة، بينما يجلس أمام لوحة يزينها شعار المؤتمر.

تعمل شركة Hill+Knowlton الأمريكية في مجال العلاقات العامة منذ القرن الماضي. وخلال هذه الفترة، نظمت الشركة حملات إعلامية لتحسين الصورة العامة لمئات الشركات العالمية، بما في ذلك حملات تُعرف بالتمويه البيئي لدحض أي حديث عن الأضرار التي قد تسببها منتجات عملائها أو الآثار السلبية لها على البيئة والصحة العامة. تضمن ذلك حملات لشركات التبغ الكبرى وأكبر شركات البترول العالمية. بل وعملت الشركة على الترويج لجهود تلك الشركات في الحفاظ على البيئة والمساهمة في تحسين الصحة العامة للمجتمع العالمي، بحسب تقرير نشرته منصة Open Democracy، قبل بدء قمة المناخ بأسابيع.
في سبيل ذلك، تعتمد الشركة على أدوات لتحسين صورة عملائها ومنتجاتهم، مثل تمويل أبحاث مُختارة لنفي أضرار التدخين على سبيل المثال، أو الاستعانة بخبراء دعائيين ممن يعرفون عالميًا بـ«spin doctor» أو الخبراء الذين يُمكنهم لوي الحقائق لنشر معلومات مغلوطة عن تبني شركات البترول العالمية تقنيات تقليل الأثر السلبي للبترول والغاز الطبيعي على البيئة، بحسب الموقع الأمريكي.
وبسبب باع الشركة الطويل في لوي الحقائق حول مدى الضرر البيئي الذي تسببه شركات البترول التي تعمل معها، مثل موبيل، وشيل، وأرامكو، نجحت في اقتناص لقب «التأثير الأكبر على البيئة» العام الجاري، بفوزها بجائزة ساخرة في مارس الماضي مقابل مجمل أعمالها في مؤتمر المناخ السابق COP 26 مع تكتل Oil & Gas Climate Initiative، الذي يضم أكبر 12 شركة بترول عالمية، روجّت لهم الشركة ودافعت عن مصالحهم أثناء المؤتمر.
نفس الاستراتيجيات والأدوات التي استخدمتها الشركة عالميًا، استعانت بها في مصر لمواجهة حملات بيئية وحقوقية ناهضت استخدام الفحم في توليد الطاقة محليًا لأول مرة عام 2014.
خلال هذا الوقت، نظمت H+K عن طريق نائب مدير الشركة في مصر حينها، والمدير التنفيذي سابقًا*، ريهام العدل، حملات إعلامية منظمة للضغط على الرأي العام. طلبت العدل من عدة صحفيين بصحف محلية متنوعة إجراء مقابلات مع مجموعة «خبراء» انتقتهم للدفاع عن استخدام الفحم لحل أزمة الطاقة في مصر ونفي آثاره السلبية على صحة المواطنين أو حقيقة تلويثه للبيئة؛ بحسب ما أوردته العدل في رسالة عبر الإيميل موجهة للصحفيين، بتاريخ مارس 2014، ذُيلت بتوقيع الشركة، واطلع عليها «مدى مصر».

قائمة «الخبراء» المقترحة ضمت أربعة أشخاص مثيرة للاهتمام، حيث تُلقي ببعض الضوء عمن انتفع من تمرير قرار السماح باستخدام الفحم.
على رأس القائمة كان مدحت ستيفانوس، رئيس شعبة الأسمنت الأسبق، والرئيس التنفيذي لمجموعة «تيتان»، أكبر مصانع الأسمنت في مصر، والتي تسببت في تلوث كبير للبيئة المحيطة بالمصنع وإصابة مواطنين من سكان وادي القمر بالإسكندرية بأمراض صدرية، وهو ما نجحت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في إثباته قضائيًا بحكم نهائي يدين الشركة، في أغسطس الماضي.
الاسم الثاني على القائمة كان أستاذ علوم البيئة والتلوث الصناعي في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، طارق عيد، وهو الأستاذ الذي لا وجود له على الإنترنت إلا في تصريح وحيد عام 2014 لجريدة «الوطن» يؤكد فيه على مدى أهمية استخدام الفحم.
بالإضافة إلى ذلك، رشحت العدل أخصائي «تغذية علاجية» يدعى، سمير نيروز، كطبيب، يُمكن للصحفيين الاستعانة برأيه الذي ينفي فيه أضرار الفحم على الصحة.
الأهم في قائمة العدل كان وزير البيئة من 2012 وحتى 2013، خالد فهمي. في نفس وقت حملة العدل، ظهر فهمي في تصريحات متعددة يروّج لاستخدام الفحم باعتباره مصدر آمن للطاقة. بعد ذلك بأسابيع معدودة، عاد فهمي مجددًا كوزير للبيئة وحل محل ليلى إسكندر، التي استقالت من منصبها بعد شهرين من تمرير قرار استخدام الفحم في إنتاج الطاقة.
رسالة العدل كانت مُرفقة بملفين، يشرح أحدهما الخسائر التي تعرض لها قطاعي الأسمنت والحديد والصلب خلال أزمة الطاقة، ومدى أهمية هذه القطاعات للاقتصاد المصري. وأكدت العدل أن الحل «الوحيد» لأزمة الطاقة في ذلك الوقت يكمن في عدة إجراءات من بينها «تنويع أشكال الطاقة المتوفرة، بقبول الوقود الصلب [الفحم، المخلفات العضوية، القمامة] كبديل»، فيما أكدت أن «البدء في استخدام أنواع الوقود الصلب مثل الفحم سيؤدي إلى عودة الاستقرار إلى قطاع الطاقة المصري، ما سيقود بدوره إلى النمو الاقتصادي، كما سيحفز قطاع البناء والصناعات الثقيلة وسيخلق الوظائف ويحفز النمو الاقتصادي ويزيد من مشاريع البنية التحتية».
وأبرزت العدل اعتماد دول متقدمة على الفحم مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، مقارنة بمصر التي تعتمد على الغاز والنفط، مضيفة التزام الشركات المتعددة الجنسيات التي تعمل في مصر بمعايير الصناعة المعتمدة في الخارج لضمان تطبيق جميع الأنظمة البيئية.
حاولنا التواصل مع العدل ومع الشركة للحصول على إجابات، لكن لم نتلقَ ردًا حتى موعد النشر.
لم تكن الحملة التي قادتها العدل تعمل منفردة. في 2013، وأثناء أزمة ضخمة ألَّمت بمصر بسبب نقص الغاز الطبيعي، وأدت إلى انقطاعات مستمرة في الكهرباء، قال مصنعون للأسمنت في تصريحات صحفية إن إنتاج مصانعهم انخفض بنسبة 11% نتيجة الصعوبات المتزايدة في الحصول على الغاز الطبيعي والمازوت اللازمين لتشغيل خطوط الإنتاج، وطالبوا الحكومة بالسماح لمصانعهم باستخدام الفحم بدلًا من الغاز، وهو الأمر نفسه الذي طالب به بعض المسؤولين الحكوميين، بما في ذلك وزير الصناعة والتجارة في ذلك الوقت، منير فخرى عبد النور.
في الجهة المقابلة، منظمات المجتمع المدني والمبادرات البيئية مثل «مصريون ضد الفحم» وقفوا ضد هذه المطالبات.
ولمدة عام كامل، هي الفترة بين طرح فكرة استخدام الفحم وموافقة الحكومة عليه في أبريل 2014، قبل أن يبدأ تطبيقه فعليًا في سبتمبر من نفس العام، ظهرت حملة شرسة في الصحف والمواقع الإلكترونية، كان أبطالها إسكندر، ومنظمات المجتمع المدني لتوضيح مدى أضرار الفحم على البيئة، بالإضافة إلى طرح بدائل أخرى أقل ضررًا وأكثر استدامة، مثل استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة.
تطور الجدال ليخرج من صفحات الجرائد ويتحول إلى سجال قضائي طويل لم ينته إلا في 2020، بعدما وافقت محكمة القضاء الإداري على قرار إدراج الفحم في توليد الطاقة في مصر. وقف خلف هذا السجال القضائي إسكندر ومنظمات البيئة.
جاء الجدل حول استخدام الفحم في مصر في وقتٍ تُعاني فيه بالفعل من التلوث الشديد، إذ أشارت دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، إلى أن مصر تأتي في المرتبة الثانية عالميًا للبلاد التي تعاني من تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة.
وفيما وعد مصنعو الفحم والحكومة في ذلك الوقت باستخدام تكنولوجيا صديقة للبيئة لتقليل أثر الفحم، كانت منظمات بيئية تؤكد استحالة ذلك. وبينما أكدت الحكومة في ذلك الوقت أن شركات الإسمنت ستستخدم الفحم «بشرط الالتزام بمعايير بيئية صارمة»، كانت بعض شركات الإسمنت، منها شركة لافارج، استوردت الفحم فعلًا، دون انتظار صدور قرار رسمي من الحكومة المصرية أو إصدار المعايير البيئية. نفس الشركة، قال المحامي البيئي، أحمد الصعيدي، إن جهاز شئون البيئة رصد 407 مخالفات لها خلال عام 2014 فقط، وهو ما يعني، وفقًا للصعيدي، أن المصنع يعمل على مدار 24 ساعة.
المجموعة التي نشطت في ذلك الوقت، مصريون ضد الفحم، قالت إن منتجو الأسمنت الـ19 في مصر يتركزون في مناطق مكتظة بالسكان، خاصة في محافظات السويس والقاهرة والإسكندرية وبني سويف وقنا والمنيا وأسيوط. وداخل القاهرة فقط، بحسب تصريحات سابقة للمجموعة، فإن مصانع الإسمنت مسؤولة عن نحو 6% من الغبار في القاهرة، بينما يصل هذا الرقم إلى 30% من الغبار في المناطق القريبة من مصانع الإسمنت، في الوقت الذي كانت ما زالت تستخدم فيه أصلًا الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة قبل الموافقة على استخدام الفحم.
عالميًا، يُعرف الفحم بأنه المساهم الأكبر في التغير المناخي؛ إذ أن حرقه لإنتاج الطاقة مسؤول عن نحو 46% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في جميع أنحاء العالم. بالإضافة إلى ضرره على البيئة، تشير تقديرات إلى أن حوالي سبعة ملايين شخص حول العالم يموتون كل عام جَرَّاء التعرض للجسيمات الدقيقة في الهواء الملوث والتي يساهم الفحم في إطلاقها خلال عملية حرقه؛ بعد أن تخترق تلك الجسيمات الرئتين والقلب والأوعية الدموية، مما يسبب أمراضًا قاتلة، مثل السكتة الدماغية وأمراض القلب وسرطان الرئة وأمراض الانسداد المزمن والتهابات الجهاز التنفسي، مثل الالتهاب الرئوي.
وحتى الدول التي اعتمدت على الفحم «النظيف» لإنتاج الطاقة، والتي اعتمدت العدل على ذكرهم، فكانوا يتجهون أصلًا لإيقاف استخدام الفحم، نظرًا لأثره على البيئة والصحة العامة.
وفي تصريحات سابقة، قالت «مصريون ضد الفحم»، إن الفحم في ذلك الوقت هو بالفعل أرخص البدائل لحل أزمة الطاقة، لكن هذا في الدول التي يتواجد فيها مناجم الفحم، ولا يحتاجون لاستيراده. أما في مصر، فالفحم يُستورد من الخارج، ما يعني خروج عملة صعبة من البلاد، مقابل أن تحقق تلك الشركات أرباحًا كبيرة.
وفيما قالت الملفات التي أرفقتها العدل في رسالتها إن الفحم هو السبيل الوحيد لحل أزمة الطاقة بشكل لحظي، فالحملات المناهضة للفحم طرحت بالفعل عدة حلول مثل إسالة الغاز، وهو نفس القطاع الذي استثمرت فيه مصر فيما بعد، أو الاعتماد على الطاقة الناتجة من المخلفات الصلبة والأقل تلويثًا، وهي ذاتها الإجراءات التي اتخذتها مصر بالفعل بعد ذلك بسنوات معدودة.
بخلاف ذلك، كان تحول البنية التحتية للمصانع لاستخدام الفحم يعني عدم الرجوع لاستخدام الغاز مرة أخرى. المنسق العام لـ«مصريون ضد الفحم»، أحمد الدروبي، صرح في ذلك الوقت بأن استخدام الفحم ليس حلًا مؤقتًا، فشركات الإسمنت ستثتسمر في تعديل مصانعها لاستخدام الفحم، وهو ما يعني اضطرارهم لتعويض تلك الاستثمارات على مدار عقدين، في الوقت الذي كانت مصر تتجه بالفعل لحل أزمة توافر الغاز، وهو ما تحقق على أرض الواقع بعدها بعامٍ واحد فقط مع اكتشاف حقل «ظهر» للغاز الطبيعي في 2015.
ضرر هذا الباب الذي فتحته الحكومة تحت ضغط مصانع الإسمنت وبقيادة H+K من المتوقع أن يزداد بعدما رفعت الحكومة، الشهر الماضي، سعر الغاز لمصانع الأسمدة، وهو ما يعني فرص أكبر لاستخدام الفحم، محليًا، في المستقبل.
* تصحيح: ذكرنا في نسخة سابقة من التقرير أن ريهام العدل تشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لشركة H+K، والصحيح أنها الرئيس التنفيذي للشركة سابقًا. [تم في 17 نوفمبر 2022، الساعة 1:30 مساءً]
تقارير ذات صلة
«كوب 29» بأذربيجان.. طموحات زيادة التمويل وخفض الحرارة مستمرة
ستشهد المفاوضات أيضًا هذا العام محاولات لتفعيل «صندوق الخسائر والأضرار»
من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟
أضحت اجتماعات «الكوب» مسرحًا للعالم الحقيقي الذي تحكمه السياسية والمال. وتفتت الهدف الجماعي
خُلاصة «كوب 27»: هل نجحت قمة المناخ؟
اتفاق على تأسيس صندوق يعالج أخطاء الماضي، وإنقاذ البيئة مؤجل للمستقبل
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن