تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دوس ع الدنيا

دوس ع الدنيا

#110 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد العتر 6 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

خلال مشيه، سجل محمد العتر ملاحظات صوتية، ثم مستعينًا بتلك التسجيلات كتب عن المشي، منقحًا المسودة مع توالي الجولات. ثم حُرر النص خلال تمشيات مع الكاتب، ونأمل أن تسهم كل هذه التمشيات السابقة على نشر هذا الديتوكس في حث كل مَن يقرأه على المشي، أن يدوس على الدنيا.

#دليل 

رافقني المشي ورافقته، ولطالما شكّل خيالي، وحين توقفت عن المشي، يمكن القول إن خيالي تعطّل، وظهر الكرش. لذا، هذه المرة مستعينًا بالمشي نفسه، أكتب لاستعادة العلاقة بالمشي كإحدى الممارسات القليلة التي لا تنازعني نفسي، بل تمنحني الهدوء والسكينة، وتثبط القلق، وتُقلّل، للمفارقة، تعرق التوتر.

لسنوات، كغيري من أبناء عصر السرعة وعالم القرية الصغيرة، اشتغلتُ من البيت بشكل أساسي، عن بُعد، باستخدام الإنترنت. ثم حدث تغيير، وكان مفارقةً، ففي حين أن معظم الذين كانوا يعملون خارج منازلهم، في مكاتب ومقار عملهم؛ أبقاهم الوباء في بيوتهم، ومنحهم رغمًا عنهم فرصة الأنتخة؛ اضطررت أنا بسبب الوباء، إلى ترك الأنتخة والعمل من تحت، حرفيًا، حيث ترتفع حدائق الأهرام عن القاهرة/ وسط البلد/منسوب النيل بنحو 60 مترًا.

لم يكن الوباء بلاءً بالنسبة إليّ مع ذلك، على العكس، ولعدة أسباب، يخصنا منها الآن أنه كان سببًا لإعادة اكتشاف جسدي وذهني وعلاقتي بالأشياء.

بقيتُ في البيت فترة لمّا كُنّا في أوج الكرنتينا. هذه المرة بلا عمل، لكن بكثيرٍ من الغضب المكتوم، تحوّل معظم الوقت إلى قلق احتل مكان الكرش وأعراضه. لا أدعو للغضب أو القلق، لكنني اكتشفت أن الكرش، وإرهاصاته، كان سببًا في الحموضة الملازمة لي، ولسبب ما عدم وجود الكرش يُصحابه اختفاء إكزيما تظهر في إصبعي الوسطى والسبابة، كما تخفّ آلام الأعصاب جدًا. لا تذهب آلام الركبة لأي مكان، لكن لا بأس؛ أخبرني الطبيب أنها مسألة خَلْقية يمكن حل أعراضها بممارسة بعض الرياضة، ونصحني بالمشي.

بسبب دوار الحركة، تمشيتُ كثيرًا من فترات حياتي. في بعضها كنتُ أستقل مواصلة تعبر بي المحور إلى ميدان لبنان، ومن هناك أنطلق مشيًا إلى وجهتي، وسط البلد ونواحيها معظم الوقت. كانت هذه التمشية الطويلة نسبيًا، وردًا شبه يومي سوى في حالات الانعزال، وساعدني عليها إحساس غثيانٍ سرعان ما يصيبني حين أستقل ركوبة لا أسيطر فيها بالقدر الكافي على حركة دماغي ومصدر الهواء؛ الشباك. 

لم أجد حينها ما يستدعي التفكير في مسألة المشي، كنت أمشي لأنني اعتدت المشي طويلًا، مستمتعًا أحيانًا بأماكن عادية، وبلافتات المحلات، حتى اعتبرتُ نفسي ناقدًا فنيًا للافتات المحلات. وطوال هذه المدة، لم أتعرف على الكرش أو خشونة المفاصل. ولم أكن أيضًا منتبهًا كفاية لحكمة المشي. 

لستُ مشّاءً كأرسطو، ولستُ مشائيًا، مع ذلك أعتقد أنني مشيتُ كثيرًا، ولا زلت أحاول الحفاظ على ورد مشي لا ألتزم به معظم الوقت. كما وجدت في المشي فرصة للتركيز على أفكار قليلة، وإن كنتُ سعيد الحظ مع عقلي، قد أبلور إحداها تقريبًا، وربما أسرد لنفسي نصًا كاملًا، طبعًا أنساه بسرعة قبل كتابته على ورق، لكن لا بأس، يشحذ ذلك العقل، ويروّق البال، ويُشعرني بالخفة والإنجاز.

عمومًا أفكر بشكل أفضل ماشيًا. قد أتمشى في البيت أو في أي مكان مغلق، ذهابًا وإيابًا. أفعل ذلك لا إراديًا. في جلسات العصف الذهني، والحمد لله لم أضطر لكثيرٍ منها، لم يكن هناك عصف ذهني يحدث دون تمشية. الجلوس يُقعِد الأفكار تمامًا كالجسد. حين أتحرك يبدأ الذهن في العمل، وإنتاج الأفكار. بعض هذه الأفكار قد تكون هنا أصلًا حتى وأنا جالس، لكن ينتابني حينها شعور بأنها لا تستحق فرصة. تخبو الجرأة في التعاطي معها كأفكار محتملة، ربما لأنني بليد كفاية عن التفكير فيها لفترة أطول بتركيز. سرعان ما أنتقل للتفكير في أمور أخرى. هل هكذا يكون الـOver Thinking حيلة نفسية للهروب؟

الدنيا أسرع من مواكبتها. بالمشي يمكننا خداع إحساسنا باللهوجة؛ نمشي، فيما يبدو، طقوسيًا، مسيارةٌ لإحساس السرعة الدائمة، لكننا في نفس الوقت نُهدئ من روعنا، من القلق والعجلة، ونتماهى مع وطأة أقدامنا على الأسفلت والتراب، وورود الأفكار على العقل. نتنفس بعمق، وننظر عن كثب لكل ما حولنا. نلتفت لأننا لا نسعى إلى وصولٍ ما أكثر من الهدوء وخفض بعض الوزن.

تشكّل جزء من وعي الطفولة بالمشي الطويل للتسلية. كنتُ في العاشرة من عمري تقريبًا ويكبرني عبد الخالق بعام. ننطلق من منطقة بدر كُمِرشل بمحاذاة شاطئ بحر العرب في كراتشي الباكستانية، وصولًا إلى ضريح  عبد الله شاه غازي (يُعتقد أنه عبد الله الأشتر بن محمد النفس الزكية حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب. لكن مصادر تقول إن الأشتر قُتل في كابول، ولُقب بالأشتر الكابُلي). نتفحص الأرض ورمل البحر الأسود بسبب مخلفات الميناء ووساخة البشر. نتفحص وجوه الناس أحيانًا، ودق الوشوم في الساحات المتاخمة لتبّة ضريح شاه غازي. نلعب بالطينة. نتوقف قليلًا في أرضٍ خلاء امتلأت خشبًا وقمامة لنُشعل فيها النار. بالأساس، تبدأ رحلتنا بشراء علبة كبريت، ولا تنتهي إلا وقد أشعلنا آخر عودٍ فيها.  

على كلٍ، ورغم نصائح الأطباء، لا أمارس المشي رياضةً. مع ذلك، واستنادًا إلى عملي لفترةٍ محرر صحة ولايف ستايل (ورياضة وسفر وسياحة وسيارات ومجتمع واقتصاد، شكرًا يا صحافة والله)، ربما يمكنني تقديم نصائح قد تكون مفيدة لمَن يرغب في ممارسة المشي رياضةً. مثلًا:

  • لا تمشِ في حدائق الأهرام. 
  • قد يُفيدك الاطلاع على هذا المقال في اختيار حذاء مناسب. أحيانًا يُسبب المشي آلامًا، خصوصًا في العمود الفقري. تبدأ الآلام عادةً من الكاحل. المشكلة ليست في المشي نفسه ولا طريقتنا في المشي، إلى حدٍّ كبير على الأقل. المشكلة في المكان الذي نمشي فيه، كبشر معاصرين يحيط بنا الأسفلت من كل مكان، وإن لم يكن هناك أسفلت كامل، هناك بالتأكيد بواقي منه، أو حدائق الأهرام.
  • حاول أن تكون مسترخيًا. تنفس، لا بشكل آلي، وإنما بما يُوفر قدرًا من الهدوء لعقلك، ما سيوفر قدرًا من الهدوء لجسدك عمومًا، وشدة أعصاب أقل.
  • إن كنت تمشي رياضةً بغرض اللياقة وخفض الوزن، يُنصح عادة حينئذ بارتداء ملابس تساعد على التعرق دون تلزيق قدر الإمكان، لذا فالملابس القطنية ليست أفضل حل. التعرق من مميزات المشي عمومًا، ففي حين أننا كبشر معاصرين نهرب منه بكل سبيل ممكن، ونَصِفُ التكييف بأعظم اختراعات البشرية، وهو كذلك بصراحة، إلا أن المشي يوفر فرصة للتصالح مع العرق كعرض فسيولوجي طبيعي، يحتاجه الإنسان، كثيرًا في الحقيقة.
  • قد يفيدك الاطلاع على هذا المقال في اختيار ملابس مناسبة للمشي.
  • يحتاج المشاء الرياضي أحيانًا قدرًا من التركيز في ممارسة رياضته، كي لا يفلت منه نفسٌ غير منتظم، كي لا يسترخي ظهره زيادة عن اللزوم بما قد يؤذيه، وعلشان ما يتكعبلش. في هذه الحالة، وتفاديًا للسرحان أو التوتر الناجم عن أصوات كل شيء في الشارع؛ يُنصح بالاستماع للموسيقى. ببساطة استمع للموسيقى التي تفضلها، أو الموسيقى التي قد تُكوّن لديك مشاعر تتعلق بالحماسة والتفاؤل، لو أنّ ذلك سيفيدك في المشي مسافاتٍ أطول. أو، إن كنت مترددًا مثلي بشأن الموسيقى أو بشأن تحديد مشاعرك، فاسأل الإنترنت ومتتكسفش.

بالنسبة لمَن لا يفضلون التعامل مع المشي كرياضة، وإنما كممارسة جدلية، مزيج بين الجسدي والذهني، النفسي والروحي إن شئت؛ فلا أنصح بالالتزام بأيٍّ مما ذكر أعلاه. كل ما تحتاج إليه هو أن تمشي. تمشي أكثر فأكثر حتى يختفي ألم البدايات. أن تكون وحدك في معظم الأوقات حين تمشي. أن تمشي، إذا مشيت مع أحدٍ، مع واحد أو اثنين لا أكثر. تمشى مع حبيب أو شريك. أزعم أنه لا توجد رومانسية دون مشي، كما أزعم أن أي تجربة روحية تستلزم في وقتٍ ما ثالوث: قلة النوم، قلة الأكل، وكثرة المشي و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن