خريطة أخرى للأمومة
هذا النص ضمن العدد 07# من «مُنتهى الأدب»
في أحد هوامش «رحم العالم»، تشير مؤلفته شيرين أبو النجا، إلى ما قوبلَ به النقد النِسوي، عندما بدأت ممارسته تطبيقيًا في التسعينيات، مِن شَك واستهانة أو اتهامات من قبيل مغازلة الغَرب والتَرجمة، كما حدث مع كتابها «عاطفة الاختلاف: قراءة في كتابات نسوية»، الصادر في 1998، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. بل امتدَّ الأمر، بحسب قولها، إلى «رفض الكتابة النسوية، حتَّى إنَّ النُقَّاد اعتبروا أن أي نص تكتبه امرأة ليس إلَّا توثيقًا لتجربة ذاتية تفقتد إلى التخييل والخيال».
لم يعد الأمر كذلك بعد مرور نحو رُبع قرن، والاعتراف بالكتابة النسوية والنقد النسوي، وصارت الأمومة مؤخرًا مبحثًا عِلميًا مُعترفًا به في بعض المؤسسات الأكاديمية، وموضوعًا يخضع للتناول والتساؤل عبر الكتابة بكافة أشكالها الإبداعية وغير الإبداعية. لذلك جاء هذا الكتاب ثمرة طبيعية لتراكُم ممتد لتلك الكتابات التي لم تزل تنتِج المزيد حتَّى وقتنا الراهن.
بينما أتقدَّم في قراءة الكتاب الصادر حديثًا عن دار «تنمية» في غلافٍ جميل للفنانة سَحر عبد الله، وفي نحو 240 صفحة، وأربعة عشرة فصلًا مع مقدمة وافية وخاتمة موجزة، رحتُ أتخيَّله مثل خريطة للأمومة، أو على الأقل محاولة لرسم خريطة جديدة لمفهوم الأمومة، في تمثلاته المختلفة فرديًا واجتماعيًا، وكذلك في تلك المناطق التي يتماهى فيها الخاص بالعام وحيث يكون «الشخصي هو السياسي» وهي المقولة التي تتكرر ويتردد صداها عبر فصول الكتاب.
إنَّها خريطة أخرى غير تلك القديمة والمكرَّسة التي هيمنت على المخيلة الإنسانية لقرون، طوعًا أو كُرهًا، وهي أيضًا خريطة حديثة نسبيًا ما كان لها أن تُوجَد لولا إسهامات واستكشافات عدد كبير للغاية من النساء، منهنَّ أمهات وغير أمهات، كاتبات وغير كاتبات، وهنَّ وأفكارهنَّ وأعمالهن وسيرهن الذاتية هي نقاط الارتكاز التي انطلقت منها هذه الخريطة الجديدة المُقترحة. يستعرضُ الكتابَ إذَن الوجوه العديدة لمفهوم الأمومة، كما تتجسَّد في شهادات ونصوص أدبية وأعمال فكرية لعدد من المبدعات والمفكرات من بلاد مختلفة من العالَم. وفي كل فصل يقارن بين نصين، ينتمي أحدهما إلى الثقافة العربية والآخر إلى ثقافة غير عربية، غالبًا أوروبية أو أمريكية وأحيانًا من مناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية أو تركيا.
عبر رسم تلك الخريطة الأدبية والفكرية، يحرر الكتاب، فصلًا بعد آخَر، تجربة الأمومة من الصور النمطية، عبر تعداد وجوهها اللانهائية. تتجسَّد تجربة الأمومة فِعلًا ذاتيًا وجسديًا شديد الحميمية والخصوصية، منعتقًا مِن أسرالخطاب الأبوي المهمين للسُلطة بكافة أقنعتها وأشكالها. ذلك الخطاب الذي يعمل على سَجن التجارب الإنسانية الحيَّة في قوالب جاهزة وصورة محددة، فارضًا على الذات الأنثوية، ومِن ورائها بقية المجتمع، تصورًا أقرب للقداسة في تعاملها مع تجربتها الخاصة، بحيث تتقبَّل سلسلة من التضحيات والآلام تصل لحد تهديد الحياة نفسها، واستلاب الوجود بكل مستوياته، لصالح إعادة إنتاج أجيال جديدة تغذي الماكينة الكبيرة للمجتمع والدولة والأمَّة.
يجري انتزاع تجربة الأمومة وتحريرها من ذلك الخطاب الأبوي المهمين عبر تمثُّل أصوات الأنثى نفسها (في معظم فصول الكتاب كما أشرنا)، وكتابتها حول أمومتها أو حول علاقات البنوة والأمومة في تعقدها بين الابنة وأمها تحديدًا. بالانطلاق من افتراض مبدئي، أشار إليه العنوان الفرعي للكتاب؛ (أمومة عابرة للحدود)، وهو أنَّ الأمومة، مفهومًا وممارسة، تتجاوز الحدود المفترضة والمستقرة، جغرافيًا وزمانيًا، مع عدم إغفال السياق المحيط بكل تجربة ذات خصوصية، لكنَّ التراسُل والتجاوب بين جميع تلك التجارب كان مُستهدَف هذا الكتاب، وطبيعة العلاقات التي تتضح بين صيغ تجارب الأمومة، عبر رصد الثنائيات المُشار إليها في كل فصل.
***
هناك مستوى آخَر لرمزية عبور الحدود، تكشفت عبر المقدمة وفصول الكتاب، هو التحرُّر من القيود، عبر رحلة الوعي والاصطدام بالرؤى التقليدية والرجعية، ومحاولة التمرد عليها واكتشاف البدائل والحلول لوضعية كل أمٍ على حدة بعيدًا عن الصور النمطية المحمية من المجتمع والمؤسسات.
نقرأ في الفصل الثاني الإهداء الذي افتتحت به الأمريكية إدريان ريتش كتابها (عن المرأة المولودة)، وهو أوَّل كتاب يتناول الأمومة وتجربتها بوصفها مؤسسة: «إلى جدّاتي، اللواتي بدأتُ أتخيَّل حياتهن، وإلى المناضلات اللواتي يعملن على تحرير أجساد النساء من قيود بالية وغير مهمة».
تعلق أبو النجا علي المقتبس بقولها: «تحفر الكاتبة لنفسها موقعًا بين ماضي الجدات وحاضر مناضلات متخيلات إلى حد كبير، سيشكلن مُستقبلًا ستشهده ريتش فيما بعد، أي أنها تجد لرؤيتها موقعًا في التسلسل الأمومي.» ما يصدق بالقدر نفسه على إيمان مرسال، في كتابها المهم «كيف تلتئم.. عن الأمومة وأشباحها» حين استعانت بكتاب ريتش نفسها، وأخريات غيرها، وهو ما يصدق أيضًا على كتاب أبو النجا الذي لا ينكر أهمية كتاب مرسال، ويرصد تلك السلسلة الجديد؛ سلسلة الوعي بسؤال الأمومة العابر للحدود، ومحاولة طرح إجابات متنوعة عليه، وهو ما لجأت إليه الكاتبة التركية إليف شافاك في كتابها حليب أسود، عند مواجهتها لتجربة الأمومة ككاتبة، حين استأنست بأعمال وسِير كاتبات من أزمنة مختلفة وبلاد عديدة، حول تجربة الأمومة وكيف تفاعلن معها.
في ذهن القارئ، بينما يتقدَّم عبر الفصول، ترتسم تلك الشبكة من العلاقات، أو خريطة مختلفة للأمومة، مدارها تلك التحديات والمواقف التي تتجاوب وتتراسل عبر مسافات شاسعة في الزمن والمكان، دون أن تنفي خصوصية كل تجربة، بل على العكس، تؤكَّد أنه ليس ثمة من نموذج صحيح وآخر خاطئ، بل على كل تجربة أن تطرح حلولها وأجوبتها النابعة من ذاتيتها وسياقها، من غير تبني أي نموذج خارجي قسرًا مهما بدا مغريًا بهالات الضوء والقداسة المحيطة به.
***
تعرضُ أبو النجا، في المقدّمة، أسبابَ تفضيلها آلية التجاور والموازاة بين عملين اثنين مختلفين في السياق والخطاب والثقافة الحاكمة، على المنهج التقليدي لدراسات الأدب المقارَن، الذي يفترض ضمنًا مركزية الغرب، ووضع النمط الغربي مرجعية يُقاسُ عليها بعد ذلك النماذج الأخرى، من حيث مسافة الاقتراب والابتعاد عنه.
في معظم فصول الكتاب كانت هذه المقارَبة موفَّقة تمامًا، حين تكون الأرضية المبدئية المُشتَركة بين التجربتين واضحة وصلبة، فعلى سبيل المثال ثمَّة أساس ديني لوضع الحدود حول المرأة، وحُرية حركتها، يتضح هذا الأساس في الفصل الأوَّل بين كتاب فاطمة المرنيسي (نساء على أجنحة الحُلم)، وكتاب سيمون دو بوفوار (فتاة رصينة)، رغم اختلاف الدين والظروف الاجتماعية والسياسية التي تصل حدّ التناقض الصارخ، لأنَّ إحدى الثقافتين كانت في موضع المُحتل للأخرى، وكان المحتل الفرنسي أحد أسباب (أو مبررات) فرض قيود على حركة المرأة المغربية مِن قِبل الرجل الذي رأى فيها تجسيدًا حيًّا للهوية.
شعرتُ من جانبي ، في فصول أخرى، أنه كان من الممكن أن يتسع سياق الفصل نفسه ليشمل عددًا أكبر من النماذج، أو لحوار مفتوح بين أكثر من نموذج من بين الأعمال المعروضة في الكتاب. لكنَّ الكاتبة التزمت بالآلية التي اختارتها على مدار جميع الفصول تقريبًا، عدا الفصلين الأخيرين حيث تَمَّ التَخلِّي عن تلك المقاربة بدرجة أو بأخرى.
اعتمد الفصل الأخير على عدد من قصائد لشعراء ذكور ورؤيتهم لأمهاتهم، وفيه استعادة لصورة الأم المثال والرمز، ولا أحسب أنه أُضيف (هو والفصل السابق عليه مباشرة الخاص بكتابات غسان كنفاني) إلَّا تحت وطأة أحداث حرب الإبادة على غزة المتواصلة منذ أكثر من عام. ومن وجهة نظري الشخصية كان من الأولى للكتاب أن يظل مخلصًا لصوت الأنثى المعبِّر عن تجربتها الأمومية، لأنَّ صورة الأم المقاوِمة والرمز ظهرت بمستويات وبدرجات مختلفة بين تلك النصوص، والأهم أنَّ الكتاب استطاع تحقيق مسافة نقدية منها، ولأنَّ جانبًا من طموحه الأساسي وضع الصورة النمطية للأمومة المقدسة موضعَ التساؤل واكتشاف إمكانيات أخرى بعيدًا عنها.
***
إذا كان ثمَّة مقولة أساسية لي أن أستشفَّها، عبر عرض وتحليل النصوص والتجارب والسير الواردة في فصول الكتاب، فهي ضرورة تَبيُّن موقع الذات مِن عالمها، وهي هنا الذات الأنثوية والأمومية، لكنَّ الأمر يصدق على الجميع بصرف النظر عن النوع والدور الاجتماعي.
إنَّ تبيُّن الذات لموقعها ضِمن تسلسل خاصٍ بها، كأنه خط نَسب يختاره المرء لنفسه عن وعيٍ وقصد، وليس ذلك المفروض عليه بحُكم الميلاد والجنسية والإرث الجاهز في الثقافة والدين والخطابات المهيمنة. وهي النقطة الأبرز في الكتاب، بالنسبة إليَّ، لارتباطها بعدم الانسياق وراء أقوال وقوالب جاهزة مهما بدت جاذبيتها، بقدر ما يكدح المرء (ومرة أخرى هو هنا المرأة والأم لكنه كل إنسان كذلك) لاكتشاف موقعه وبالتالي تحديد موقفه الخاص والتحرُّك بناء عليه.
غالبًا ما يتمُّ هذا بالصدام مع السائد والمهيمن، ثم خوض رحلة تطوير الوعي والاستئناس بتجارب سابقة، ثم مراكمة الخبرات ونقلها كممارسة وسردية تُسلَّم من يدٍ إلى يد، شفاهية أو كتابة. هذه الخبرات التي سيجري عليها بدورها ما جرى على الإرث القديم المتروك، أي الغربلة والفرز والأخذ والرد، فالوعي اليقظ لا يستنسخ شيئًا بالمرَّة، بقدر ما ينتقي ويغيّر ويترك ما لم يعد صالحًا.
تقول فرانثيسكا مِن كتاب «عشر نساء» المعروض في الفصل الثامن مِن «رحم العالَم»: «عليَّ أن أقطع خطَّ الأمومة من جذوره، أن أوقف التكرار»، إذ لا يمكن أن نشرع في تضفير جديلة جديدة من الوعي بالأمومة إلَّا بقص القديمة، وكسر حلقة إعادة إنتاج النماذج المشوَّهة. عبر القطيعة مع نموذج الأم المضحية بكل شيء من أجل أبنائها لا ننتج بالتالي نموذجًا جديدًا تضحي فيه الأم بأبنائها وكل شيء من أجل ذاتها، بقدر ما تتعدد النماذج والتصورات والحلول والاقتراحات، بعدد التجارب المختلفة، ينكسر النمط فتحرر الذات وتخرج التجربة الفردية من أسر التصورات الجاهزة المقيدة. في جملة لرابو سانت إتيان، ذهبت مثلًا سائرًا، يقول: «إنَّ الثورة تتلخص في جملة واحدة: تاريخنا ليس قانوننا».
هذا التغيير عبر رِحلة الوعي قد يستدعي إلى الذهن فكرة الرُعب من الولادة، أن تلدَ المرأة وربما أيضًا أن تولدَ المرأة هي نفسها من جديد، عبر شرخ الأمومة ومخاضها. في قصيدة الشاعرة البولندية أنَّا سوير (1909-1984) المستعادة في أكثر من سياق في هذا الكتاب، الموجَّهة إلى ابنتها المولودة للتو، تقول:
«أقول: 'أنتِ لن تهزميني
لن أكون بيضة لتشرخيها
في هرولتكِ نحو العالَم،
جسر مُشاة تعبرينه
في الطريق إلى حياتك
أنا سأدافع عن نفسي'».
تدخل الأم في صراعٍ مع مولودها منذ لحظة تشكُّله الأولى، لكيلا يستلبها من ذاتها وحياتها، لكنها أيضًا تُولد معه مِن جديد، وبغير جُرح ومخاض لا تكون ولادة ولا يكون تغيير أو تجدُّد أو رحلة إدراك ووعي. فإذا سحبنا مجازَ الولادة بعيدًا عن دلالته البيولوجية المباشرة، إلى الولادة الثانية أو الولادة المتجددة والمتواصلة لكل ذات، لانتبهنا إلى القلق الإنساني الطبيعي إزاء التغيير، والخوف من موت ذاتٍ أليفة حتَّى تُولد بدلًا منها أخرى مجهولة.
كلنا نخشى هذا الشرخ الذي يوجد في صميم ذاتنا ويهدد بانقسامنا، ولعلَّ حياتنا ما هي إلَّا حركة بندولية متواصلة ما بين أقطاب أساسية، مثل حركة الهواء في الصدور ما بين شهيق وزفير. حركة دائبة بين القبض والبسط، بين الجرح والالتئام، بين التماهي مع الآخَر والهرب بعيدًا عنه للتشبث بالذات ومسارها الخاص. كأنها رقصة، رقصة الذات في التعرُّف على نفسها، شأنها شأن رقصة الموت والحياة للأم الفلسطينية المشار إليها في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب الجدير بأكثر من قراءة ومن زوايا عديدة.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن