«خربطة».. عن دخول الأدب الحرب والعكس
هذا النص ضمن العدد #05 من «مُنتهى الأدب»
الرصاصات التي يطلقها جندي فتقتل طفلًا، المقذوفات التي تقوّض بيوتًَا، الصواريخ التي تهدم أحياءً وتشرد عائلات، القنابل التي تفرم الأجساد، لا تقتل الإنسان فحسب، بل تقتل التعبير والقدرة على التفوه. تخلق الرصاصات والدماء المُسالة عيونًا مذعورة وقلوبًا يتدفق نبضها حد التوقف. الحسرة والحزن، الألم والفقد، الشعور بالعراء والهجران والبتر، مترادفات تأتي برفقة كلمة «حرب». هل يمكن في وسط كل ذلك إنتاج إبداع أدبي يتوافر على مقومات فنية وجمالية؟ أم أن توثيق اللحظة يمثّل التزامًا أخلاقيًا؟
تقول فيسوافا شيمبورسكا: «بعد كل حرب/ ثمة شخص/ عليه أن ينظّف». لكن أثناء الحرب، لا أحد بوسعه أن يفعل ذلك، إذ الطموح حينها ليس التنظيف، بل الإنقاذ. هل يمكن أن يكون المُنقذ الآن هو المُنظّف لاحقًا؟ من الصعوبة بمكان أن تشاهد مباشرةً أشلاء مجموعة من البشر، بكل ما يحمله ذلك من رعب، وأن تعود إلى بيتك لتكتب قصيدة.
يعلم المنقذ، أو جامع الجثث، أنه ما من قصيدة تصف ما رأى، بل تبدو القصيدة حينها فعلًا رومانسيًا لا يليق بجلال الموت. ربما لذلك، بعد انتهاء معركة، أو تفجير حي، يأتي المنظّف لـ «يدفع الحطام/ إلى حواف الطرق/ لتمر العربات الملأى بالجثث»، ودون أن يساهم في المشاهدة ولا اللمس، يمكن للمنظّف أن يكتب قصيدة عن الخراب، عن أصوات الضحايا التي لم يسمع توسلاتها الأخيرة، عن نظرة الذعر المجمّدة في العيون التي لم يرها. هذا الجهل هو ما يسمح بميلاد الفن، ما يعبّد الطريق للقصيدة، ما يجعل الرواية فنًا يرمي الواقع في مجمرة الإبداع، فيتولد جمال أكثر واقعية من الواقع، أكثر تأثيرًا لأنه يلامس نقطة عميقة في الروح. حزن بدأ من الداخل إلى الخارج وليس العكس، فـ «هؤلاء الذين رأوا ما حدث/ عليهم أن يخلوا المكان/ لمَن يعرفون قليلًا/ لمَن يعرفون أقل من القليل/ وفي النهاية لمَن يعرفون/ ما يساوي لا شيء».
***
في «الحب تحت المطر»، الصادرة في 1973، أي بعد نكسة 67 بستة أعوام، يرصد نجيب محفوظ حالة الهزيمة، ضياع مجتمع واضطرابه. لكن الحرب التي تلتها هزيمة ثم حرب استنزاف، تحدث في مكان آخر، في سيناء، يعيشها الجيش المصري، لكن الشخصيات تعايشها بشكل غير مباشر عبر تعليقات الجنود (مثل إبراهيم)، وتعليقات حسني حجازي (الممثل)، صوت الحكمة والحرية، وأخبار يبثها الراديو، وأقاويل يتناقلها الناس في الشارع والمقهى والبيت. تنطلق الرواية من لقاء عاطفي، من اعتراف بالحب وعرض بالزواج، لينقسم عالم الرواية إلى عالمين: عالم المدينة الحاضر بقوة بتفاصيله اليومية (مع الإشارة إلى الاحتياج والتنازلات الناتجة عنه) كأن عجلة الحياة لا يمكن إيقافها، فغريزة البقاء أقوى من أي شيء؛ وعالم المعركة المُهمّش، البعيد، الذي يطل بظلاله. إبراهيم يقول لسنية: «أصبحت أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يعيش في الجحيم ويألفها في النهاية (...) ولا يمنعه ذلك من التطلع إلى النعيم والسعادة»، وفيما يؤدي دوره كمجند (مهزوم) يعرض عليها الزواج. يختار محفوظ، من هذا المنظور، سرد عواقب الحرب، لا الحرب نفسها، حتى لو كانت قائمة على الحدود وتقوّضت على إثرها مدن.
في سياق آخر، يكتب إلياس خوري «باب الشمس» عن الحياة داخل المخيم، شاتيلا بالذات. الحرب على الحافة، والمخيم هو الملجأ، والحياة تدور، غير أن لفظة «الموت» هي المسيطرة. ينطلق العمل من موت أم حسن، وتقول نهيلة إنه لا وطن للاجئين حتى تموت. ينشغل خوري، كراوٍ متورط في الأحداث وبضمير المتكلم، بسرد قصة حب داخل حدود المخيم، ولا يتوقف عن الحكايات التي تشبه حكايات الأجداد. الحرب جارية، ما الذي يمكن أن نفعله في المخيم المُفتقد للحدود الدنيا للحياة الإنسانية؟ تشييد ذاكرة، هكذا تأتي إجابة خوري ككاتب يعرف أن النسيان يساوي فقدان الأرض والتاريخ والماضي.
في «باب الشمس» مراوحة بين الموت الواقع والموت المنتظر، وبينهما قصة حب بين رجل وامرأة، وذكريات تشبه جدارية للنكبة الفلسطينية.
النكبة هي بالأساس تيمة غسان كنفاني، وفي «رجال في الشمس» (1963) يترتب عليها الهروب. وفي لحظة البحث عن نجاة، يموت الأبطال الثلاثة (أبو قيس وأسعد ومروان) مختنقين في الخزان. في رواية هي الأهم للكاتب الفلسطيني، يتوسل كنفاني الخيال المتمخض من الواقع ليرسم واقعًا أكثر واقعية، بمعنى عميق عن الحرب والاحتلال: الموت يطارد الفلسطيني أينما حلّ. في فترة زمنية أحدث، يأتي إبراهيم نصر الله بثلاثية «الملهاة الفلسطينية» ليؤرخ ماضي بلد يصّر الاحتلال على محو ذاكرته، وتأتي «زمن الخيول البيضاء» لتدوّن ما يزيد عن قرن (منذ أواخر القرن 19/ الحكم العثماني وحتى النكبة) كأنها ترياق للنسيان. يعامل المؤلف الرواية كأرشيف، كذاكرة بديلة، كسردية مناهضة للسردية الصهيونية: هنا كان فلسطينيون ولم تكن أرضًا خاوية.
يروح خالد خليفة كذلك إلى منطقة حفظ الذاكرة، ذاكرته الذاتية وذاكرة الثورة السورية، إذ في «الموت عمل شاق» ينطلق من تجربة احتجازه في مستشفى بعد تعرضه لأزمة قلبية، ليأتي سؤال ماذا لو مُتُ الآن، كيف أصل إلى القبر؟ هكذا يتخلّى المؤلف على طول العمل عن سرد الحق في الحياة، ليركز بؤرة كاميرته على الحق في الدفن: ثلاثة إخوة يحملون جثة أبيهم لتنفيذ وصيته بالدفن في مسقط رأسه بقرية العنابية. بهذا الأفق الشعري، يتناول العمل مأساة الحرب الأهلية عبر رحلة كان يجب أن تكون قصيرة، لعدة ساعات، لكنها تتقاطع مع نقاط التفتيش وتعسف السلطة. في وقت تسيّدته المقابر الجماعية، أليس الدفن منفردًا وفي قرية أخرى رفاهية؟ بهذا السؤال الضمني تتجسّد ويلات الحرب، وبمحاولة القبض على جثة معارض يتجسّد العبث، وتأتي السخرية السوداء مع دفع رشوة للعساكر للسماح بمرور جثة.
***
من النكبة ونكسة 67، مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية، ووصولًا إلى الحرب السورية، تحفل السردية العربية بكم هائل من روايات الدمار؛ ومع الإبادة الجماعية لغزة، بكل وحشيتها التي انطلقت منذ الثامن من أكتوبر 2023، ثم الإبادة الأخرى لجنوب لبنان في الأسابيع الأخيرة، ستزداد روايات الحرب. مع كل هذا الإنتاج الضخم يتربّع سؤال الالتزام الأخلاقي اتجاه الوطن/ المجتمع/ الأهل، بل، بالأساس، الالتزام التاريخي. إنها مدرسة سارتر، إذ الأدب وسيلة للدفاع عن الحق والخير والأيديولوجيا، والكاتب ثوري عبر كتابته، وليس في كتابته، بمعنى ثورية المضمون الذي يحمل قضية، وليست ثورية الشكل الذي يعتني بالجمالية والفنية والاشتغال على تطوير الفن. هي مدرسة تمتد أيضًا لكُتّاب الواقعية السحرية وقد اتخذوا من الديكتاتورية والحروب الأهلية تيمة رئيسية لأعمالهم، لكن سؤال الشكل، وسؤال المشروع الفردي، كان في العمق من كتاباتهم، ما يجعلنا لا نرتاب أمام أستاذية يوسا في التكنيك، ولا مهارة ماركيز في توليد الحكاية من الحكاية. وهي تختلف عن مدرسة بورخس، المتخلية تمامًا عن الالتزام السياسي والاجتماعي، والمنتصرة للفن والفردانية في صورتيهما المجردتين، إذ لا التزام للفنان، بحسب بورخس، إلا بفنه.
لقد مالت الرواية العربية إلى مدرسة سارتر، لقسوة ما واجهته الشعوب من عنف مفرط، وشعور عارم بالظلم وعدم التضامن معهم من الغرب «الديمقراطي»، ومن اليتم ومشاهد الأشلاء ولهيب القنابل، وطول سنوات الحرب (في الحالة الفلسطينية) والصدمة أمام همجية السلطة (الحالة السورية) والشعور بالفجيعة (الحرب الأهلية اللبنانية والعدوان على الجنوب). لكل ذلك، لم يتمتع الكُتّاب بمنظور بورخس الجمالي (على أهميته وضمان خلود كتابته) وصدّقوا ما قاله بابلو نيرودا ذات يوم إنه لا يستطيع الكتابة عن وردة وسط الدماء. ورغم أننا لا نستطيع تجريد أدب بورخس من الوجع الإنساني المرتبط بالحروب والقمع، ولا يمكننا تفسير متاهاته ومراياه وظلاله على أنها مجرد صور سوريالية وآلام وجودية، إلا أننا نضع الفاصل الفارق بين أدبين كبيرين: أدب سارتر بقضاياه الواضحة والمباشرة، وأدب بورخس بوساوسه الجمالية.
بدافع من الألم والفجيعة، تجاوزت روايات عربية حتى منظور سارتر الالتزامي، واقتربت في الكثير من حالاتها، من أدب البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (نوبل 2015)، وهو نوع أدب مد خيط الالتزام على استقامته. يُنسب إلى ألكسفيتش ابتكار «الرواية الوثايقية»، وهو نوع من الأدب استفادت فيه من عملها بالصحافة الاستقصائية، واستطاعت في أعمالها أن تضفر بين القصة الحقيقية والأدبية، وأن تمنح لشخصياتها أبعادًا أكبر من القصة السطحية. وفي أعمال مثل «مسحور بالموت» و«صلاة تشرنوبل» و«آخر الشهود»، تكتب كتابة، بمقاييس الأدب المعياري، ليست أدبية، لكنها ثرية في بُعدها التوثيقي.
بطريقة ما، كنت أقول، وربما لسياق سياسي وتاريخي مشابه، يقترب الإنتاج العربي الذي تناول الحرب من هذا المنظور الفني لأليكسييفيتش، إذ لم يحتفظ لنفسه في أحيان كثيرة بدور «المنظّف» الذي أشارت إليه شيمبورسكا، بل لأسباب معروفة قام أيضًا بدور المنقذ، وكتب من أرض المعركة، مُحاطًا بالأشلاء. وفي وسط التأثر بكوارث الحرب، غاب عن كثير من الروائيين سؤال الأدب كمشروع فردي، كأن الكارثة هي مشروعنا الجماعي، وعلينا جميعًا أن نكتبها وبالطريقة نفسها، كأن الكتابة أداءٌ لواجب قومي، كأنه الصورة الأسمى للتطهر. وفي هذا التطهر نتشارك نحن كقراء، نعيد تحت وطأة الحرب والإبادة قراءة أعمال قديمة لا بحثًا عن جمال فني، وإنما عن هذا التضامن في البلوة، مدفوعين بفضول التعرُّف على القضية عبر تاريخ غير رسمي بدلًا من الانحياز لأدبية الأدب.
إن كان حقيقةً أن الكاتب ابن سياقه الثقافي والسياسي، وأنه مع التزييف الإعلامي والمحو المؤسسي للذاكرة، غدا مضطرًا للقيام بأدوار متعددة، كالموثّق والمؤرخ والروائي، فحقيقة كذلك أن الحرب، بوحشيتها وقسوتها، لا تجرّدنا من بيوتنا وأهلنا فحسب، ولا تمحو ماضينا ومستقبلنا فحسب، بل إنها كذلك تجرّدنا من إبداعنا، تسرق منا التأمل في حياتنا وفي العالم، تجعل عيوننا مسلّطة على القصف وضحاياه، حتى يبدو أن الكتابة بطريقة مختلفة وعن شيء آخر محض رفاهية لا نستحقها، إذ المصائب، كما يقول ماركيز، «لم توزع علينا بالتساوي»، فكان نصيبنا من الدم أكبر من البلدان الأخرى.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن