حياة المهندسين
#73| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا الويك يند نقدم دليلًا صنعته التمشية في مسار غير مألوف عبر شوارع حي لا يخلو من الزحام والضجيج، لكن مع اختيار التوقيت المناسب يمكن بالمشي استخلاص حكاية حي مثل المهندسين، وهو ما فعله مصطفى محيي عُطلة وراء أُخرى، وفي هذا الديتوكس يقدم لنا خلاصة عن حياة حي المهندسين؛ النشأة والتاريخ ومسارات التمشية.
#دليل
شيء ما في المهندسين لم يكن مُريحًا في بداية الأمر.
انتقلتُ إلي هذا الحي قبل ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، بعد فترة طويلة من سكن وسط البلد، التي تحوّلت منذ 2016 إلى كمين أمني كبير تمرح فيه فرِق المباحث، بمرورها المتواتر على البيوت، وتوقيفها المستمر للمارة لفحص هواتفهم المحمولة، واصطياد مَن يمكن اصطياده. ثم أصبح الأمر غير محتمل بحلول 2017، فقررت الهجرة غربًا تجاه المهندسين.
لشهور، كنت دائم المقارنة بين المكانين، وفي كل مرة وسط البلد تكسب؛ فهي المكان الذي ألَّفته طوال سنوات عُمري، كمقر لشراء الملابس في المواسم المختلفة، ودخول السينما، واكتشاف المقاهي، ثم الاجتماعات السياسية والمظاهرات والاعتصامات والسهر والتمشيات. كان لدي الكثير من القصص في ذلك المكان القديم، بينما كان الجديد بلا قصص أو عالم يميزه، أو ارتباط بيني وبينه، لكن كنتُ مُخطئًا بشكل فادح.
احتجتُ فترة أكثر من المعتاد كي أبدأ في ملاحظة تفضيلاتي أثناء المشي في المهندسين، ونحت المسار الخاص بي داخل شوارع الحي. أغادر البيت في شارع عثمان بن عفان، وأدخل شارع علي بن أبي طالب المتعامد عليه، وانعطف في آخره يمينًا نحو صلاح الدين، ومنه إلى زحام جزيرة العرب، وضوضاء سوريا.
الوصول إلى أي من شارعي جزيرة العرب أو سوريا لا يحتاج بالضرورة إلى ذلك المسار المتعرج، غير أنني أفضّله عن نظيره المباشر السهل. التناقض بين الشوارع الجانبية وبين تلك الرئيسية يتجاوز ثنائية الهدوء والضجيج، ومرحلة فجر الإسلام مقابل القومية العربية. هناك شيء ما مختلف احتجت بعض الوقت كي أدركه.
أثناء المشي في شوارع عثمان وعلي وصلاح، لاحظتُ أن العمارات أغلبها لا يتجاوز أربعة أدوار، تُستخدم للسكن بشكل أساسي، ويوجد على الأقل مترين بين كل واحدة وأخرى، ومسافة تفصلها عن الشارع غالبًا تُزرع بها شجرة. بينما ترتفع العمارات في الشوارع الرئيسية أكثر من عشرة أدوار، وتُستخدم أغلبها لأغراض تجارية وإدارية، ملتصقة كل منها في الأخرى دون أي فراغات. تراكم لدي انطباع مع الوقت أن مجموعة الشوارع الجانبية المُحيطة بمسكني تنتمي إلى مهندسين أخرى مختلفة عن تلك الموجودة في الشوارع الرئيسية. وكان لدى الباحثين المتخصصين في شؤون العمران بالإضافة إلى صاحبة الشقة التي أسكن بها بعض الإجابات عن أسئلة عديدة توالدت أثناء المشي.
يقول الاقتصادي والباحث العمراني ديفيد سيمز، في كتابه «فهم القاهرة: منطق مدينة خارج السيطرة» [بالإنجليزية]، إن «مدينة المهندسين»، التي تحمل رسميًا اسم «مدينة الأوقاف»، بدأت في الأربعينيات بالتزامن مع صدور قانون أحكام الوقف [1946] الذي أتاح لوزارة الأوقاف استغلال رصيدها الهائل من الأراضي بشكل استثماري. وخُططت المدينة في البداية كسكن للطبقة العليا على مساحة 800 هكتار من الأراضي الزراعية جيدة الإنتاج. وكانت هذه أول تفصيلة أقف أمامها، فالحي بأكمله مُشيد على الأراضي الزراعية بتخطيط من الدولة نفسها.
في الحقبة الناصرية، اكتسب حي المهندسين في غرب الجيزة، جنبًا إلى جنب مع «مدينة نصر» في شمال القاهرة، أهميتهما كمشروع إسكان للطبقة الوسطى من المهنيين. ويخبرنا الباحث يحيى شوكت في كتابه، «أزمة الإسكان في مصر» [بالإنجليزية]، بأن أرض المهندسين خُصصت لعشرين تعاونية إسكان مُشكّلة من قِبل ضباط جيش وأفراد شرطة وقضاة وأطباء ومهندسين، وربما بسبب الفئة الأخيرة نالت اسمها. وهنا يأتي دور صاحبة الشقة في الحكاية؛ في النصف الأول من الستينيات، كانت سهير صالح مهندسة حديثة التخرج، تعمل في شركة التعمير والمساكن الشعبية. وأخبرها مديرها بوجود فرصة لشراء قطعة أرض في المهندسين، بسعر للمتر لا يتجاوز أربعة جنيهات، بالتقسيط على 20 سنة بدون فوائد، وقروض مُيسّرة بقيمة ثلاثة آلاف جنيه لتغطية تكاليف بناء كل طابق. لم يكن مطلوبًا وقتها أكثر من دفع مقدم بقيمة 100 جنيه.. هكذا بدأت المعمارية حديثة التخرج في تصميم منزل لها وشقيقاتها الثلاث، في الحي الذي كان شاغرًا إلى حد كبير قبل عقود.
أثناء حديثنا، بدأت صالح في ذكر أسماء جيرانها الذين بنوا مساكنهم في الشوارع المحيطة في تلك الفترة. تجارب شبيهة لأُسر وأفراد من الطبقة الوسطى، دون مدخرات كافية بالضرورة لبناء منزل، غير أن القرض المُيسر وسعر الأرض المنخفض جعلا الأمر ممكنًا. أعطى هؤلاء للمهندسين الوجه السكني الهادئ الأليف الذي اكتشفتُه خلال المشي منذ سكنتُها قبل ما يزيد على ثلاث سنوات. وتستمر صالح في سردها مشيرة إلى أن اشتراطات البناء كانت تجعل من المنطقة سكنية بالكامل، بضوابط لا تسمح بارتفاع العمارات أكثر من أربعة أدوار، وتلزم السُكّان بإنشاء جراج أسفل كل بيت.
فقط في تلك اللحظة، بدا تخطيط شوارع المهندسين، التي أمشي فيها، منطقيًا. هناك محور رئيسي وهو شارع جامعة الدول العربية، وتتقاطع معه مجموعة شوارع مُصممة كأنصاف دوائر تبدأ وتنتهي في «جامعة الدول». ربما كان في ذهن المصمم الرئيسي أن المنطقة السكنية قليلة الكثافة لن تحتاج أكثر من محور مروري واحد للدخول إليها أو الخروج منها، وبالتالي جعل كل الشوارع تؤدي إليه. كان ذلك قبل أن تتغيّر طبيعة الحي بداية من السبعينيات، ليتحول إلى مركز تجاري وإداري وخدمي.

نعود إلى المعمارية صاحبة الشقة التي شهدت منذ بداية الانفتاح الاقتصادي تحوّل المهندسين من منطقة سكنية إلى مركز للأعمال بديلًا عن وسط البلد والزمالك بعد تشبعهما بالمكاتب والمحال ومقار الشركات والعيادات. لم تعد اشتراطات البناء السابقة مُلزمة لأحد؛ تجاوزت العمارات حد الطوابق الأربعة، وتحوّلت الجراجات إلى محال تجارية، وتجاورت الشوارع التي تحمل أسماء بلدان وعواصم عربية مع تلك التي تحمل أسماء شخصيات إسلامية بارزة.
قبل التحوّل تميّزت الشوارع الرئيسية بأرصفة عريضة مُعدّة للمشي الهادئ، لكن تلك الأرصفة انكمشت -بطول شارع جزيرة العرب على سبيل المثال- لتنضم مساحاتها إلى أسفلت الطريق كي يتسع الأخير لمزيد من السيارات الوافدة يوميًا على المكان.
خلال العقدين الماضيين، بدأ سُكّان الشريحة العليا من الطبقة الوسطى في الانتقال من المهندسين إلى المدن الجديدة ومجتمعاتها المسورة، هربًا من الزحام والضجيج، وبحثًا عن مناطق حصرية لا يختلطون فيها بكل الوافدين على منطقة سكنهم القديمة بمحالها ومقاهيها وأنشطتها الليلية. وخلف كل أسرة تغادر، يُهدم منزل من أربعة طوابق لتُبنى عمارة عالية الارتفاع بدلًا منه. أثناء تمشياتي، تابعت مراحل هدم ثلاثة بيوت صغيرة على الأقل، لتحل محلها عمارات مرتفعة فقط في دائرة مُحيطة بالمنزل لا يتجاوز قطرها كيلومتر واحد.
مع استمرار المشي، اكتشفتُ أن للمهندسين حياتان: تهيمن الأولى بضجيجها وزحامها على أيام الأسبوع، بينما تتسرب الثانية ببطء إلى شوارع الحي في يومَي الويك إند. لدى مغادرتي الشوارع الجانبية إلى شارع جزيرة العرب صباح يوم الجمعة، يبدو «السايس» أكثر استرخاءً مُستندًا على ظهر إحدى السيارات ليشرب الشاي في تكاسل، بينما يتبادل الباعة الحديث بهدوء أثناء وقوفهم على الرصيف أمام محالهم التجارية الخالية من الزبائن. يمكن في تلك الساعات الاستمتاع بجولة المشي في المهندسين دون مقاطعة من كلاكسات السيارات، أو احتياج مُلحِ لتفادي المارة على الرصيف المزدحم.
في تمشية الويك إند يبدو شارع لبنان مُمتدًا في هدوء مُخترقًا عمق المهندسين المحدود. وعند التقاطع مع شارع شهاب -الذي يحمل اسم رئيس لبنان الثالث بعد الاستقلال فؤاد شهاب- عادة ما أتجه يمينًا ناحية الجانب الأقل تجارية، وفي مرات أخرى اتجه يسارًا لأمر على «نادي طلبة البحرين» [يمكن مُشاهدته هُنا] مراهنًا نفسي في كل مرة أنني لن أجد أي نشاط يُذكر في ذلك المبنى الذي يبدو قائمًا فقط كنُصب تذكاري لزمن سابق كان يدرس فيه طلبة الدول العربية في القاهرة. وفي كل الأحوال، تتفرع التمشية في الشوارع الجانبية، بحثًا عن بعض التفاصيل في المباني السكنية، التي أعترف بندرتها بفضل التحوّل المُتسارع الذي جرى في المهندسين.
أختم جولتي في شارع الحجاز، في قسمه الواقع بين شارعي لبنان وسوريا. هناك تحديدًا أتذكر أن المهندسين منطقة سكنية بالأساس، حيث يظهر مطعم صغير للفول والطعمية لا ينتمي إلى أي من سلاسل المطاعم، وبجواره فرن عيش، وبجانبهما أحد المقاهي الذي لا يحمل علامة «ستارباكس» أو غيرها. وفي الجهة المقابلة مكوجي ومغسلة وترزي ومحل لتصليح الأجهزة الكهربية ومتجر «حدايد وبويات». في ذلك المربع الخدمي، تظهر مهندسين أخرى ليست في انتظار الزوار، ولا تسعى إلى جذب أحد.
#سلام
وفي الختام، نتمنى أن يتمتع الكل بتمشيات هادئة في الويك إند، للتخلص من أعباء وزحام الأسبوع.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن