حوار | ريشة وزبيبة ومي زايد.. ثلاث بنات خفيفات يرفعن الأثقال
أخبرتني مي زايد تليفونيًا بأنها في الطريق من دار الأوبرا حيث تُعرض أفلام المهرجان وأنها قد تتأخر عن موعدنا بسبب الزحام. كنت أنتظرها وبطلات فيلمها «عاش ياكابتن» في حديقة فندق الماريوت، حيث يقيم ضيوف الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. قبل أن ننهي المكالمة ألمحَتْ إلى أن «البنات» بطلات مصر والعالم في رفع الأثقال تتدربن في الصالة الرياضية الملحقة بالفندق. أثارت المعلومة شهيتي للقائهن في موقعهن المفضل، وفي رأسي منظرهن المثير للاهتمام، وهن بكامل عددهن، على خشبة المسرح الكبير، في الأوبرا، بعد العرض الأول للفيلم، يتوسطهن بار حديدي ضخم مزود بالأثقال، تتبارين في رفعه على الطبيعة، أمام جمهور المهرجان الذي استقبلهن بوصلة لا تنقطع من التصفيق الحار والكثير من الصور.
كان الجمهور الذي ملأ الصالة عن آخرها، مع اعتبار إجراءات التباعد الاجتماعي لهذا العام، مُبتهجًا برؤية شخصيات الفيلم على الطبيعة وقد قضى معهن للتو ساعة ونصف من الضحك والبكاء والتأمل وربما الدهشة أيضًا. كل شيء في عالم هذا الفيلم يدهشك، بنات من كل الأعمار يملأن خرابة مُترَبة في منتصف الشارع بحي الورديان السكندري يحيطها سور هزيل، لا يمنع عنهن فضول المارة. وهن تمارسن حياتهن اليومية في نظام صارم بصحبة الأثقال، وعيدان الحديد، وبعض من آلات معدنية ضخمة يبدو عليها القدم لكنها تؤدي الغرض. بينما الصوت الجهوري الساخر والحازم للكابتن رمضان، مدربهن الذي كان -على أيامه- بطلًا هو الآخر في نفس اللعبة القاسية يصاحبهن في كل الأوقات، ثم العشرات من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية على التراب، تحت أقدام بطلات العالم السابقات واللاحقات اللاتي تقفن جنبًا إلى جنب في المكان نفسه. فترى من موقعك أمام الشاشة، الخرابة المقفرة وكأنها ناد رياضي على أحدث طراز، ليس لأنها كذلك في الحقيقة ولكن لأن كل فرد في داخلها يتصرف على هذا الأساس.
لم يكن مُفاجئًا أن يحصل الفيلم، وهو التسجيلي الطويل الأول لمخرجته ومنتجته مي زايد، من بين ثلاث جوائز هامة حصل عليها في مهرجان «القاهرة» على جائزة الجمهور. كما لم أستغرب إعلان المخرجة إهداء الجائزة وقيمتها 15 ألف دولار لساحة الكابتن رمضان بالورديان وبطلاته وأبطاله.
كنتُ قد التقيتُ بطلة إفريقيا أسماء رمضان، الشهيرة باسم زبيبة، ليلة افتتاح المهرجان، بينما تتأهب للعودة إلى الإسكندرية، بعد حفل الافتتاح مباشرة، رغم تأخّر الوقت، «عندنا تمرين» قالت زبيبة التي يتتبع الفيلم أربع سنوات من حياتها، منذ كانت طفلة تتلمس طريقها في عالم الكابتن رمضان الآسر، إلى أن صارت إحدى بطلات مصر وإفريقيا. لم أكن ساعتها قد شاهدت الفيلم بعد، وابتلعت دهشتي من كون تلك الفتاة الأنيقة ذات الجسد النحيل بطلة واحدة من أثقل الرياضات. لكن لهفتها للعودة إلى التمرين في الساحة كانت لافتة أيضًا، رغم إغراء السجادة الحمراء والأجواء الاحتفالية.
عندما وصلتُ إلى الصالة الرياضية خلف حمام السباحة بحديقة الماريوت، كانت الفتيات قد غادرن للتو إلى غرفهن، ولم تتبق سوى كابتن نهلة رمضان، وهو الاسم الذي من المؤكد أنه مرّ بذاكرتك مُرتبطًا بتحطيم أرقام قياسية، وأول ميداليات ذهبية لمصر منذ خمسينيات القرن الماضي، فضلًا عن العديد من الألقاب والميداليات، في بطولات إفريقيا والعالم والأولمبياد.

نهلة ابنة الكابتن رمضان، مدرب البنات، هي أحد مناهل إلهام فيلم «عاش يا كابتن»، فهي ليست فقط إحدى البطلات البارزات في اللعبة على مستوى الجمهورية والعالم، والتي تدين بالفضل لساحة الورديان في كل ما وصلت إليه، ولكنها اتخذت أيضًا قرارها مواصلة الدور الذي بدأه والدها في تدريب أبطال وبطلات الساحة، بعد رحيله. وفي مشوار حياتها، يمكننا تتبع الخيط الذي يصلها ببطلة الفيلم الصغيرة زبيبة، فكأنها تسلمها الخيط بعدها. في طفولتها، عانت نهلة من محاولات إقناع والدها بالانغماس في رياضة رفع الأثقال، فالكابتن رمضان معروف عنه إصراره على الدفع بأولاده وبناته إلى الحلبة دون نقاش. لكن لأنها أصغر أخوتها فقد كان رأيه أنها تحتاج إلى التدليل، خاصة مع جسدها الضئيل الذي كان يخشى معه أن تفشل فيهتز اسم أسرة الأبطال.
تحكي نهلة أنها كانت تصرّ على أداء التمارين مع الأولاد والبنات، بينما كان الكابتن يتجاهل وجودها، وهو ما كان يضطرها للفت انتباهه بإلحاح حتى ينظر إليها. في أحد مشاهد الفيلم تنادي زبيبة على الكابتن بإلحاح خلال أدائها التمرين: «بص عليّا يا كابتن»، بعد أن كان قد فقد الثقة في أنها ستتمكن من المواصلة.

وكما اختار الكابتن لأسماء لقلب «زبيبة» لصغر حجمها، اختار لابنته في طفولتها لقب «ريشة» للسبب نفسه. لكن ريشة الآن وبعد إصابة قاسية تعرّضت لها في أحد بطولات الجمهورية أجبرتها على المشاركة في أولمبياد لندن 2012 بركبة مكسورة، تعاني من مرض يصفه المسؤولون الرياضيون بالغامض منعها من المشاركة في البطولات رغم عدم إعلانها الاعتزال. وهو ما ترك في نفسها مرارة الشعور بالإهمال رغم البطولات والإنجازات التي حققتها. وهو شعور يجعلك تتأمّل مصير البطلات الصغيرات في فيلم «عاش يا كابتن» في المستقبل.
مي زايد، مخرجة الفيلم، ونهلة رمضان تنتميان إلى نفس الجيل. هما مولودتان في نفس العام؛ 1985 يفصل بينهما شهران، وفي نفس المدينة؛ الإسكندرية. وقد كان لأخبار إنجازات نهلة التي ملأت الشاشات وعناوين الأخبار مفعولًا ساحرًا على الفتاة التي اختارت دراسة الهندسة قبل أن يجذبها عالم السينما. أخبرتني مي عندما اختُير فيلمها للمشاركة في مهرجان تورنتو في عرضه العالمي الأول قبل أشهر، بأن نهلة كانت مُلهمة صباها. وأنها طالما تمنت الإقتراب من عالمها. لم تكن مي تعرف عندما قررت الاحتفاظ بشهادة بكالوريوس الهندسة، والالتحاق بمدرسة سينما الجيزويت بالإسكندرية في 2009، أنها بعد هذا التاريخ بخمس سنوات، وبعد تجارب سينمائية مميزة كمنتجة ومونتيرة ومخرجة ستنغرس في هذا العالم بحذافيره. انبهرت مي بذلك المكان الذي يمكنك فيه مقابلة بطلات العالم المحتفى بهن «إلى حين»، على الشاشات ومنصات التتويج حول العالم، بينما تمارسن التمارين على التراب. وعلى التراب ذاته تقف فتيات من كل الأعمار تحفرن مستقبلهن بأجسادهن النحيلة حتى تتحولن إلى بطلات في غفلة من العالم الخارجي. ربما لهذا السبب استقر اختيار مي على أسماء رمضان؛ «زبيبة» لتكون بطلتها في الفيلم.

«لم يكن الاختيار سهلًا. في البداية كانت الكاميرا تتبع مجموعة من اللاعبات، لكن بعد عامين من التصوير قررت التركيز على زبيبة»، كانت الصغيرة هي الأسرع تطورًا، والأكثر جذبًا لعدسة الكاميرا بدون تعمد. «لقد كنّا هناك خلف زبيبة وهي تتأهب للمشاركة في أول بطولة لها في الإسكندرية حتى صارت بطلة إفريقيا بثلاث ميداليات ذهبية عام 2018»، وكأن زبيبة كانت النموذج الحيّ الذي استطاعت مي من خلاله إعادة شريط الزمن لتشاهد بنفسها الطريق الذي من خلاله وصلت بطلتها نهلة رمضان إلى ما وصلت إليه.
كانت نهلة جالسة على شيزلونج بالقرب من حمام السباحة تستريح من إرهاق التمرين، لكنها كانت أيضًا متلهفة للحديث عن الفيلم. «أول مرة أشوف الفيلم كامل ومع الجمهور، أتمنى أن يفوز بجائزة، ده شقا سنين»، يتسارع الكلام من بين أنفاسها المتقطعة، وللحظة لم أتبيّن إن كانت تتحدث عن الفيلم، أم عن رحلتها هي وبطلاته مع رياضة رفع الأثقال في ساحة الورديان التي كانت في سالف الزمان خرابة جرداء في منتصف الشارع، هذبها الكابتن رمضان وتلميذاته، قدر الإمكان، للتدريب دون أن يقيهم ذلك تقلبات الطقس، وقسوة الأرض غير الممهدة، ونظرات العابرين.
على الأقل كما تحكي لي نهلة استطاعت الأسوار الحديدية التي تفصل على استحياء بين الخرابة والشارع وقايتهن من حوادث السيارات المتكررة أثناء التمرين وهو حلم طالما راودها عندما كانت لا تزال طفلة تتدرب وأخواتها أمام عتبة البيت قبل اكتشاف الخرابة، وبناء السور.
«ده كان حلمنا من 30 سنة، أن يصل صوتنا للعالم»، تستطرد نهلة قائلة إن هدف والدها الكابتن رمضان كان أن نظل في المكان الذي بفضله صرنا أبطالًا. «المكان ده مش بيطلَّع بطلة واحدة بس، ده بيطلَّع ولسه هايطلًّع بطلات وأبطال. فيلم مي زايد وصَّل الصورة».

فمن خلال مشاهِد الفيلم وشخصياته تقفز مي برشاقة فائقة على علامات المأساة دون أن ترغب في إثارة استعطافك، وإنما تتكىء عليها لتصور كيف يواصل رواد هذا المكان القفر المكشوف الخالي من أي مقومات للعيش- ناهيك عن التدريب على هذه الرياضة القاسية- حياتهم اليومية بتحدٍ دون أن يسلبهم ذلك تصالحًا ولو ظاهريًا مع الحياة والعالم.
«لا أحب دور الضحية» تقول لي مي لاحقًا بينما ندور حول أطراف حمام السباحة القريب من الصالة الرياضية وقد خلت إلا منّا، بعد مغادرة البطلات إلى غرفهن، «أنا لا أقدم ضحايا وإنما أشخاص يحلمون ويحققون أحلامهم قدر المستطاع. هناك زوايا كثيرة لإلقاء الضوء على الشخصيات أي شخصيات، وهناك دائمًا زاوية ما تبرز القوة التي تعينهم على الاستمرار والنجاح». ربما لذلك قررت مي زايد بعد سنوات من العمل كمخرجة ومونتيرة ومنتجة أن تؤسس شركة إنتاجها الخاصة «كليوميديا»، وهو الاسم المكتوب على شارة «عاش يا كابتن» كمنتج رئيسي، ليس فقط لتنقل خبرتها لصُنّاع أفلام آخرين فتوفر فرصة إنتاجية جديدة في مشهد شحيح في دعمه، وإنما لتدعم بالذات أفلامًا تكسر الصورة النمطية لتصوير النساء العربيات في السينما كضحايا مغلوبات على أمرهن، لتقدمهن كنساء قويات تواجهن العالم بإصرار وتحدٍ وحماس مهما كانت المشقة. ربما كانت زبيبة وزميلاتها الكبيرات والصغيرات النموذج المثالي لما ترغب مي في أن تحكيه.
تتذكر مي عندما سألها الكابتن رمضان يومًا عن هل سيذهب فيلمها إلى الأوسكار؟ فأجابته بدون تفكير: «لا يا كابتن، مش للدرجة دي»، لتفاجئ به يعلق على إجابتها: «لازم يكون حلمك كبير». الآن وقد حصل الفيلم بالفعل على استحقاق المشاركة في مسابقة الأفلام الوثائقية بالأوسكار نتيجة مشاركاته الدولية وقد تقدم للمشاركة بالفعل، تدرك مي كم تسرعت في الإجابة، وكم هي كبيرة الدروس التي تعلمتها من ساحة الورديان؛ «عندما يسيطر عليك حلم لا تيأس وكمِّل»، تردد مي واحدة من تلك الدروس.

واحدة من نقاط القوة في عالم بنات ساحة الورديان هي أنهن تكسرن بأسلوب حياتهن النظرة النمطية عن البنات حين تقررن ممارسة أدوار جرت العادة على نسبها للذكور. «كسر هذا العالم كل توقعاتي لأنه يسير وفق قواعد مختلفة تمامًا. تمارس البنات والأولاد نفس الأدوار، ولا ترتبط أدوارهم/ن بالطريقة التي ينبغي أن يكون عليها مظهرهم/هن»، تقول مي متذكرة النظرة النمطية التي كانت تواجهها شخصيًا طالبة في كلية الهندسة؛ «اعتاد الناس على النظر لطالبة الهندسة بأنها عادة ما تكون مسترجلة، لكن من ربط الأنوثة أو الذكورة بمجال العمل أو الدراسة أو حتى الرياضة». في أحد مشاهد الفيلم يتربع الكابتن رمضان فوق كرسيه المتهالك بضحكته المميزة مُتحدثًا لأحد القادمات الجدد إلى الساحة عن أهمية أن يتأقلم جسدها على الطريقة المثلى لرفع الحديد، وهو في معرض حديثه يدمر الحدود الوهمية بين الجسد الأنثوي والذكري: «إنتِ فاكرة البنات بس اللي بتعرف ترقص. الأولاد كمان بيرقصوا زي تحية كاريوكا»، يقولها ضاحكًا ويشير إلى طفل من أطفال الساحة بالرقص فيتمايل الفتى بليونة بالغة. تقول مي: «أتمنى أن يثير الفيلم لدى المشاهدين جدلًا بشأن أفكارهم النمطية حول الرجال والنساء».
استغرق تصوير الفيلم 90 يومًا بالتمام والكمال على مدى أربع سنوات، اختارت مي خلالها أسلوب المُراقب من مسافة، تبتعد أو تقترب دون أن تتورط في حوارات مباشرة مع أبطالها. تصف نهلة رمضان المبهورة بدقة فيلم مدته أقل من ساعتين في تصوير عالم ساحة الورديان بكل تفاصيله مخرجته مي زايد بأنها كانت «خفيفة لا تشعرك بوجودها، تتحرك في أنحاء المكان كواحدة من اللاعبات وكأنه لا كاميرا هنا»، وتضيف ضاحكة: «بابا ما استحملش حد في حياته غيرها. أنا بنته وعارفة».
لكن عدم التدخل في مسار الأحداث كان خيارًا واعيًا من صُنّاع الفيلم من البداية. «كنّا نشاهد المادة المصورة أول بأول وفي ذهننا المحور الرئيسي لمسار الفيلم وهو رحلة زبيبة، ثم نواصل التصوير لتطويره بمنطق الصياد الذي يعود مرة بشباك خاوية، ومرة أخرى عامرة بالخيرات». لكن العلاقة الخاصة بين زبيبة والكابتن رمضان كانت بدورها موحية بكل تقلباتها والمزيج من الحنان والقسوة الذي يعتريها، فكأنها تلخص أيضًا أسلوب الكابتن في تدريب بطلاته وأبطاله. ومن الصُدف أن والد زبيبة، أسماء رمضان، يشترك مع الكابتن في نفس الاسم.

لكن المرحلة الأصعب في مشوار الفيلم الذي استغرق إنتاجه ست سنوات كانت مرحلة المونتاج، فمي زايد المونتيرة المحترفة التي خبرت مونتاج أفلام طويلة من بينها «عندي صورة» للمخرج محمد زيدان الحائز على ذهبية الفيلم التسجيلي العربي بمهرجان الجونة في دورته الأولى 2017، كانت ترغب في أن تصنع بناءً دراميًا يقترب من حدود الفيلم الروائي، وهكذا وقع الاختيار على سارة عبد الله بخبرتها المهمة في مونتاج أفلام روائية من بينها فيلمي المخرج أحمد عبد الله السيد «ديكور» (2014) و«ليل خارجي» (2018)، وعدد آخر من الأفلام القصيرة. «اعتمدت خطة المونتاج على سؤال أساسي حول كيف سيكون الحال لو كان هذا الفيلم روائيًا»، تقول مي التي تقرّ بأن سارة لها فضل كبير في الطريقة التي ظهر بها الفيلم. فالكم الكبير من المادة المصورة العامرة بالأحداث والشخصيات، تطلب جهدًا كبيرًا لتستقر في خيط درامي يأخذ بيد المشاهد إلى داخل عالم الشخصيات دون استئذان ليشاركهم لحظات البهجة والألم بسلاسة وحب ويتمكن من التقاط المعاني البعيدة وراء أبسط التفاصيل.
جزء من أسباب امتداد رحلة إنتاج الفيلم إلى ست سنوات يرجع إلى طبيعة الحكاية وتتبع تطور مصائر شخصياته في فترة أربع سنوات، لكن العقبات الإنتاجية لعبت دورًا هي الأخرى في الإبطاء من إنجازه. تقول مي إن الطريقة المغايرة التي يصور بها الفيلم حكاية عن المرأة العربية صعّبت في البداية من فُرص حصوله على الدعم الإنتاجي. بعض جهات الإنتاج كانت ترى أن الفيلم خالٍ من مأساة، إذ يتناول مسيرة بطلات رياضيات حتى وإن كن تتدربن في الشارع. وهو ما تطلب معه إضافة مشاهد تتعلق بعالم البنات في البيوت والمدرسة والحي حتى تكتسب الحكاية مزيدًا من معالم المأساة على الطريقة النمطية لتناول أفلام المرأة.
بالنسبة لمخرجة الفيلم، التي رفضت هذه الإضافة، كان في التركيز على الساحة ومن بداخلها كل الكفاية لحكي الحكاية.
«فكرت أن المشاهد المصري لن يكون محتاجًا لمعرفة معلومات إضافية لأن كل ما هو موجود على الشاشة سيستدعي ما هو خارجها، أقلقني رد فعل الجمهور الأجنبي الذي لا يعرف الورديان، ولا الإسكندرية ولا الحياة في مصر، مع ذلك عندما عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان تورنتو زالت كل المخاوف وشعرت بالامتنان للتمسك بخياراتي عن الفيلم». على كل حال، تؤكد مي، أن تجربة إنتاج الفيلم علمتها أن هناك في مكان ما من العالم منتِج ما سيشترك مع صانع الأفلام في رؤيته، وهو المنتج المناسب، وأن صانع الأفلام عليه أن يتوقع إيجاد هذا المنتج دون أن يصاب باليأس أو يضطر لتغيير رؤيته.
لكنها مرت أيضًا، وفريق الفيلم، بلحظات تصورت فيها أنه لا أمل في إنجازه، وفي كل مرة كانت روح بطلاته تدفعها دفعًا للمواصلة. «أصابتنا لحظة وفاة الكابتن بهزة عنيفة مع طول فترة علاقتنا به، وهو ما شعرتُ معه بالخجل من مواصلة التصوير مع البنات الحزينات على غيابه»، لكن المفارقة أن الحدث الأليم جعل بطلات الفيلم تتعلقن بضرورة استكماله. «في اليوم الثالث من وفاة الكابتن اتصلن بي، وطلبن منّا المجيء بالكاميرات، لأنهن قررن البدء من جديد. أعدن طلاء الساحة وزرعن الأشجار، وأردن أن تكون كل تلك التفاصيل موجودة في الفيلم». تصمت مي قبل أن تضيف: «أردن أن يشعرن بوجوده في المكان، وكأن فريق الفيلم جزء من هذا الوجود الذي تعودوا عليه لسنوات»، حتى طريقة تعاملهم مع فكرة الموت، تقول مي، كانت مثيرة للاهتمام. فهم يتحدون الغياب بمواصلة ما بدأه معهم الكابتن. وهو ما يحدث حتى الآن بإصرار أبناء الكابتن رمضان وعلى رأسهم نهلة على مواصلة التدريب.

شهد فيلم «عاش يا كابتن» عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي سبتمبر الماضي، وصُنف كواحد من أفضل اختيارات النقاد بين أفلام المهرجان، ثم شارك في مسابقة الأفلام الألمانية بمهرجان «دوك لايبزج» المرموق بألمانيا منتزعًا جائزة «اليمامة الذهبية» لأفضل فيلم إنتاج ألماني، وشارك أيضًا في مهرجان نيويورك للأفلام الوثائقية ومهرجان «ميد» لسينما البحر المتوسط بإيطاليا نوفمبر الماضي. لكن محطته الأحدث، وهي المشاركة في المسابقة الدولية بالدورة 42 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كانت الأهم بالنسبة لمخرجته. حصل الفيلم على جائزة «إيزيس» لأفضل فيلم مصري عن قضايا المرأة، وجائزة الجمهور، وكذلك جائزة أفضل عمل أول أو ثان التي تذهب إلى مخرجة الفيلم. لكن بالإضافة للجوائز، وكون المهرجان هو الأعرق في مصر، ظل عرض الفيلم في مصر من بين أهم أحلام مي.
حدثتني مي في السابق عن أنها ترى أن المكان الحقيقي لعرض الفيلم هو ساحات ومراكز الشباب الرياضية، «زبيبة البنت المصرية الملهمة من ساحة الكابتن رمضان في الشارع ستلهم كل زملائها وزميلاتها في هذه الساحات التي أحلم بوصول الفيلم إليها». الآن وبعد عرضه في القاهرة ترى مي أن فُرص الفيلم في الانتشار خارج قاعات السينما صارت أكبر. لكن الفيلم أيضًا يفتح العيون والقلوب على هذا المكان الذي قرر مواصلة صناعة الأبطال والبطلات من دون شروط، ومن دون إمكانيات سوى إرادة رواده. «ربما قمت بما أستطيع كمخرجة ومنتجة، لكن علاقتي لم تنته بعالم زبيبة مع انتهاء الفيلم. بل بدأت علاقة من نوع جديد». تأمَل مي أن يلتفت الناس إلى ساحة الكابتن رمضان في الورديان، ويمدوا له يد العون والدعم المستحق، وتتعهد بأنها ستسعى دائمًا لمواصلة جذب الانتباه للمكان.
وفي غمرة انغماسها الذي لا ينقطع في عالم زبيبة، تعمل مي زايد الآن على كتابة فيلمها الروائي الطويل الأول لتعود بذلك إلى سيرتها الأولى حين ظهرت أول أعمالها للنور «أوضة الفيران» (2013) الذي كان فيلمًا روائيًا جماعيًا تكّون فريق إخراجه بالإضافة لمي زايد، من محمد الحديدي، ومحمد زيدان، وهند بكر الذين كانوا جزءًا من مؤسسي شركة «روفيز» (2009)، وهي واحدة من أوائل شركات الإنتاج المستقل في الإسكندرية. لكنها تلته بمجموعة من الأفلام القصيرة أبرزها «ذاكرة عباد الشمس» (2016) الذي شهد عرضه الأول بمهرجان برلين. لا ترى مي، وهي تلميذة المخرج إبراهيم البطوط، أحد أبرز رواد التيار الجديد للسينما المستقلة في مصر، والذي عملت ضمن فريق فيلمه «حاوي» 2010، أن على المخرج التقيد بكونه متخصصًا في الفيلم التسجيلي والروائي. لكن كل قصة تختار شكل الفيلم. «قوة وحيوية الشخصيات الحقيقية في «عاش ياكابتن»، ما كان لها أن تظهر إلا من خلال فيلم تسجيلي»، تقول مي قبل أن نفترق لتعاود الانضمام لفريق فيلمها على مائدة العشاء، مواصلين أحاديثهن المبتهجة عن ردود أفعال الجمهور على فيلمهم، الذي قررت إدارة المهرجان تخصيص عرض استثنائي رابع له، استجابةً لضغط الراغبين في مشاهدته، دون أن تعلم هي أو أبطال الفيلم وجمهوره أنهم على موعد مع ثلاث من أهم جوائز المهرجان، بعد لقائنا بأيام قليلة.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
