حذف وإضافة| مي المغربي: مسودة #1
ليتعرف قارئ «حذف وإضافة» على ما حصل في عملية التحرير، سنحكي لكم عن المراحل التي مر بها نص مي المغربي، وأولها في 10 يناير، حين قدمت للمحررين، أحمد وائل وزينة الحلبي، فكرة عن مخاوفها وقلقها المصاحبين لانتقالها من الإسكندرية إلى القاهرة بمناسبة زواجها وتأثير ذلك على مشروعها ككاتبة، وفي 26 يناير قدمت لهما هذه المسودة، ننشرها دون تدخلات تحريرية، كان النص وقتها يحمل هذا العنوان:
كيلو الوعي الذي في حقيبتي
في أول أسبوع من زواجي وجدت دودًا أسود يخرج من بالوعة الحمام. كان يتلوى بجسده الرفيع على السيراميك. ربما كان يزحف، الدود بطبيعته يزحف لكن هذا النوع من الزحف أعرفه، زحفاً يدل على أنه ليس في بيئته الطبيعية. شيء عادي، ويحدث. ربما مشكلة في الصرف، بالتأكيد مشكلة خارجة عن ارادتنا؛ هذا ما أخبرني به زوجي وأكدت عليه أمي. أمضيت يوم كامل في تنظيف الحمام، لكني في ميعاد النوم خيل لي أنني سمعت زحف الدود. فأستيقظت في اليوم التالي للحادثة وأفرغت زجاجة مياه النار -التي يستخدمها زوجي في تنظيف أدواته- على أرضية الحمام. ودعكت بفرشة الأسنان فواصل السيراميك وفي ظني أنني أمحي آثار الدود. هذا ما يفعله الزواج السعيد برأيي، يجعل كل شيء يتفاقم.
أعاني القلق من الإبتدائية، وما تعلمته بعد دراستي لعلم النفس واللف على الدكاترة سواء للتدريب أو للعلاج وعبر المحتوى الموجود على الإنترنت، أن جذر هذا القلق هو عدم شعوري بالأمان في منزل عائلتي. ولحل ذلك يتوجب علي احتواء طفلي الداخلي، أن أكون ماما وبابا لنفسي. بجانب أن اقتراني مع آخر سيوفر ألفة ودفء سيساعداني مع الشغل على ذاتي. فعلًا الدفء والألفة مع شريكي - خصوصاً بعد الزواج - ساعدوني على تهدئة أماكن كانت مشتعلة بداخلي، وفي نفس الوقت ساهموا في إنتاج قلق جديد. قلق من:
أن يتفشخ البايركس في الفرن،
أو ملح ناقص في الشوربة،
وأن الفراخ بدمها،
وأن يتراكم تراب أصفر على السفرة، وأسفل السرير أو أسفل الكنبة،
وأن كيس القمامة يسرب،
والبرواز معوج،
( والخضار غير مغسول جيدًا)
أو أن هناك دوداً في الحمام.
يبدو من الخارج أنه وسواس قهري متعلق بالنظافة والترتيب، لكنه غطاء لما أخاف منه فعلًا، أخاف ترك الكتابة بسبب شكي من أن الفراخ بدمها، وأن كيس القمامة يسرب، أن استسلم كما استسلمن من أتيت من نسلهن. رغم كل اللغطبة، لم أتحدث مع أمي عن الحياة الزوجية من بعد أول أسبوع من خطبتي. نصائحها -التي لم أطلبها- كانت تدور حول إرضاء الزوج عبر قراءة مزاجه. والإلتزام بأداء المهام المنزلية حتى وإن انعدمت الرغبة. كانت هذه النصائح كاشفة لعدم قدرتها على قرائتي أو قراءة زوجي"خطيبي وقتها". لكن أهم نصيحة شددت عليها أمي هي ألا أترك بيت الزوجية، أبداً. فهمتها كنصيحة باطنها أن لا أطلب الطلاق مهما حدث، وأن هذا ليس له علاقة بزيارة غرفتي في الأسكندرية كلما شعرت بالغربة في القاهرة. بعد شهرين من الزواج زرتها، وفي نيتي أن أجلس في غرفتي وعلى مكتبي محاولة استدعاء ما فقدته من شخصيتي وشحذ البوصلة النفسية. لكني وجدت أمي فوّرت الغرفة، ومسحت الرسومات التي كانت على الحائط ووزعت لوحاتي على غرف إخوتي وتخلصت من سريري، ولم يتبقى سوى رائحة الدهان الجديد. لماذا أنا منزعجة؟ حدث ما تمنيته طوال العشر سنوات الأخيرة، أن أترك الإسكندرية. كنت قبل التعرف على زوجي والاستقرار معه بالقاهرة، أحضر نفسي للانتقال وحدي هناك، مشحونة بسخط على النوستالجيا التي تُفرض علي، وغاضبة على أن هناك شكل معين للمثقف السكندري يجب بشكل أو بآخر أن أكونه حتى أسلك، ومنزعجة من تعريفي من أحد لآخر بأنني "كاتبة سكندرية" ولست "كاتبة" دون وضع المدينة التي أتيت منها في الحسبان. وبالطبع ساخطة من عدم القدرة على قول كل هذا دون الخوف من أن تسحب مني الجنسية السكندرية، بعد رميي في شارع لا يرى البحر، فتنهشني الكلاب. رغم ذلك لم أكن جاهزة لقطع الحبل السري مع الإسكندرية بهذه السرعة. والعودة لبيت الزوجية في القاهرة، معدومة الهوية، وبدون قبو وهمي أرمي فيه ما يجب أن أواجهه. هل بالقاهرة بيئة ثقافية عكس التي بالإسكندرية؟ لم أعرف بعد، لأني غرقت فيما هو أبعد من المخاوف التي تخص الوسط الثقافي، غرقت في المهام المنزلية.
كلما رآني زوجي مسحولة في البيت، ينبهني أن علي الكتابة أو التفكير أو حتى الأنتخة، يخبرني أن تحضير الطعام وتنظيف البيت يمكن تأجيلهم أو عدم فعلهم، طالما أقرأ، أكتب أو أشاهد فيلماً وأريد النوم بعده، وأنه سيخلص مهام البيت. كلامه يعني أن حرب المهام المنزلية المفروضة على المرأة لن أخوضها. أو بمعنى آخر، أنه ليس هناك ما يعيقني من الكتابة. حاولت إفهام أمي هذا لكنها أخبرتني أنني بطرانة.
- أنا زي دود الحمام يا ماما، ما أحتاجه فعلاً هو كتالوج يعينني على الانتقال من مدينة الاسكندرية للقاهرة دون الزحف على بطني بشكل غريب أو الدخول في اضطرابات نفسية بسبب عدم قدرتي على التكيف.
وأغلقت الهاتف في وجهها.
يصعب فعل ما اقترحه علي زوجي. طوال الوقت هناك تراباً في البيت. أعيش في منطقة المقطم، وهي عبارة عن هضبة صخرية كبيرة وصفراء ومنعزلة، تتمتع بمنظر ساحر على القاهرة. لكن في الطريق للبيت أتعثر بمغارات وبقايا/ هياكل لكازينوهات بمعمار ثمانيناتي. بعض منها يمكن أن نقول عليه أنه كان مشبوهاً، لكن هناك جمال وحرية في هذه الشُبهه. تم اخصاء هذه السمعة من المقطم بداية من الكورنيش الذي أصبح مليئاً بالكافيهات والكمائن، حتى أنه لا يوجد سوى منفذ كحول واحد بالمنطقة ومكان واحد للسهر. وفي الطريق من الهضبة الوسطى للهضبة العليا أرى البيوت فوقي بمعمار غرائبي، فمن أسفل تبدو وكأنها فوق سفح جبل ويصعب الوصول إليها، لكن بعد دقيقة تجد نفسك وقد صعدت أمام البيت فتغيب الغرائبية عنه، وتتكشف الزهور والشجر وقد نموا بسبب رشح المياه الجوفية. وبيوت أخرى دائماً مطفأة الأنوار، لكنك لا تشك أبداً أنه بيت مهجور. أو ربما فيه محمود المليجي يصور فيلم موعد مع إبليس حيث أتخذ - إبليس- من المقطم بيتاً له بسبب الفراغ والدماء التي أسيلت على مر الزمن في المنطقة. كل هذا يدل على المساحة الرحبة التي تمتعت بها المقطم لتجريب كل شيء. ورغم كل هذا السحر هناك تراباً أصفر يشوش على هذا الفراغ الجميل. تراب لعين كاشف أكثر مما هو رادم لعقود من التاريخ. غرفة المكتب التي جهزها لي زوجي كهدية للزواج حتى يشجعني على الكتابة في الجغرافيا الجديدة. كان التراب الأصفر يردمها، فيرسم -وعن قصد- المسار الذي مشيت فيه، وهو عتبة باب هذه الغرفة. كلما نظفتها رُدمت من جديد حتى بعد اغلاق الباب جيدًا وقبله الشباك المثبت عليه ستارتين، فأجد في اليوم التالي طبقة مزعجة من التراب الأصفر فوق المكتب، ودالة على أنني لم ألمسه. هذا الكشف كان يقتلني، وكأنه يشير بأصبعه علي وهو يضحك ليخبرني أنني بطلت كتابة. وأن هذه الجغرافيا الجديدة بمساحتها الرحبة لا مكان لي فيها ولا تشبه أي شيء أعرفه. الجغرافيا التي نشأت فيها لا تهتم إن كتبت أو لم أكتب، أو إن كنت سأفعل شيئًا في حياتي أصلًا أم لا. مثل كل المدن التي تطل على بحر. لا شيء مهم سوى البحر. بجانب أن البيت الذي خرجت منه والبيوت التي كانت حولي، كانت قائمة على الاكتفاء الذاتي؛ الرسومات والخواطر والذكريات، كلها وقود لدفء العائلة وتماسكها. لكني أكتشفت أن بيتي الجديد موجه نحو الإنتاج وربما التصدير أيضاً. كل كتاب أو حدث أو ذكرى هو إمكانية لرواية أو نص أو قصيدة بالنسبة لي، ومنحوتة أو رسمة أو دراسة بالنسبة لزوجي. كل شيء يمر علينا أو نعبر به هو خاضع للمساءلة والنقد أو حتى السخرية من أجل التفكيك. لا يمر شيء بشكل عادي. أجد في كل هذا دفء فكري كنت افتقده طوال حياتي، لكني لا أستطيع استيعابه، لأنه بشكل أو بآخر يحث على الإنجاز، وهو ما يضغطني.
غذت الحرب على غزة، شعور بأن قدراتي على التعبير ساذجة وأن لغتي قديمة، وأدواتي تلمة. و في نفس الوقت لدي مشاريع يجب إنجازها بهذه الأدوات والقدرات. ومع ذلك لم تتخلى عني رغبة الكتابة، وبالفعل أكتب بشكل شبه يومي قصيدة أو سؤال. لكني أقف أمام هذه الرغبة كما أقف عند عتبة باب غرفة المكتب، وأنفر منهما، لأنها رغبة بلا موضوع أو قصد. أشاهد الأشياء وهي تعبر من أمامي سواء على شاشة الموبايل أو في البيت، حيث لا شيء يلح علي لأبحث له عن إجابة أو سرد يناسبه. إنما مجرد انزياح آخر من أجل الشعور بالإنجاز. لا تكتفي هذه الجغرافيا الجديدة بما هو قائم إنما تضغط أكثر ليتكشف كل ما هو معطوب في حياتي الحالية والتي تركتها خلفي. فكلما ردمتني السعادة الزوجية لا أستطيع أن لا أرى العيوب بل وأسباب المشاكل التي عانى منها والداي في زواجهما. ليس شعورًا بالذنب إنما الرؤية الواضحة لكل ما كان غامضًا في طفولتي ومراهقتي. الراحة التي أعيش بداخلها الآن تجتر -وبلا هدف- كل اللحظات المؤلمة. لا أجد أهمية كبرى في إدراك كل هذا، لأني لا أستطيع تغييره أو محاسبة المسؤولين عنه. ولمقاومة هذا الثقل الشعوري أقنع نفسي بأنني أتعامل ببراعة مع الحياة الزوجية، كأنني تزوجت آلاف المرات. فأشارك في إدارة البيت مع زوجي بخبرة وحكمة، أتت من مروري بكل ماهو غلط داخل زواج والداي، فتكشف ما لا يجب ويجب علي فعله أنا وشريك حياتي، منذ طفولتي. وهذا ما يحجب عني ولو قليلاً ما أجري وراءه ويجري ورائي والذي يمكن اختصاره في: الخوف من التخلي عن الكتابة، وعدم الاتزان بسبب فقدان الاتصال بالحكمة الأنثوية للأسلاف، ومعهم فقدان للهوية. فيتخذ كل ذلك شكل انزياح ثم إسقاط على عفش وسيراميك البيت.
يبدو أنني واعية بجزء كبير مما يدور في حياتي. لكن هل الوعي كاف؟ أسأل ذلك وأنا أسمع الدابل زوكش في أغنيته صلاة الزين وهو يقول: "ناس كتير Illuminati بس أنا فايق لسة لذاتي". في سوق الروحانية سواء بشكله الغربي المتخذ هيئة التدرب على التنفس وممارسة التأمل واليوغا، والتحاوط بأحجار كريمة والإهتمام بكتابة التوكيدات. أو بشكله الشرقي عبر اتباع تعاليم منهج صوفي مع الصلاة والصوم وترديد آيات معينة بأرقام معينة في أوقات معينة. يتم تصدير الوعي على أنه مفتاح الفرج. كنت أؤمن بذلك، معتقدة بأنني حينما أعى لن ارتطم بالمعيقات النفسية على الأقل. لكني ارتطمت أكثر. نعم، كان ارتطام على شيء يشبه الأسفنج وليس الأسفلت كما سبق لي. لكنه ظل ارتطام.
أرسلت لمعلمة روحانية تقرير طويل عن حالتي وختمت الإيميل بسؤال عن ماذا أفعل بكيلو الوعي الذي في حقيبتي؟ ردت علي بأن هذا كله طبيعي، استمري في الصلاة والكتابة عن ما يشغلك، اعملي على ذاتك ولا تنسي التوكيدات ونصحتني بإرتداء حجر القمر كي يحمي هالتي. لكنني ترجمت كل ذلك بـ :واضح أن مافيش حاجة بعد المحطة دي، مضطرة أقولك إللي بقوله للفلورز على انستجرام اتعاملي أنت بقى. هل تعاملت؟ في أحلامي الأخيرة، أراني منهمكة في تنظيف البيت، اخترع تكنيكات لتنظيف الأرضية وترتيب الدولاب وغسل الصحون في نصف ساعة، أستيقظ وأحاول تطبيق ما حلمت به وأفشل. فأجرب حلم آخر يقنعني أنه بإمكاني فعل ذلك لكن في ساعة. فأجرب وأنجح نصف نجاح. كنت في الماضي أحلم بما أكتبه، فأحرر لذاتي في المنام وأستيقظ لأطبق ما حلمت به على نصوصي. ربما هذا ما يخيفني، نعم هذا ما يخيفني ليس كل ما فات إنما ما يحدث في لا وعيي. أنا واعية بأن التغيير حدث في الخلف. ربما دود الحمام كان مجرد إنعكاس لشيء يخص كتابتي. لأنني حلمت بالدود هذه المرة يزحف على المكتب وليس على سيراميك الحمام. غرفة المكتب بجانب غرفة النوم، يقترب الدود مني، وهذا يعني أنني بحاجة لفرش جديدة ولزجاجة مياه نار لرشها أمام عتبة غرفة نومي.
تقارير ذات صلة
حذف وإضافة #2 مع أسماء عزايزة
لأن التحرير ليس سرًا.. سلسلة عن الأدب وتحريره بالتعاون بين «مدى» و«فَمْ»
حذف وإضافة| مع أسماء عزايزة: مسودة #2
هذه المسودة ضمن ثاني حلقات سلسلة «حذف وإضافة» بالتعاون مع مجلة فَمْ
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن