حذف وإضافة| مي المغربي:مسودة #2
لأن التحرير ليس سرًا.. سلسة عن الأدب وتحريره بالتعاون مع مجلة فَمْ
هذه المسودة ضمن سلسلة عن الأدب وتحريره بالتعاون مع مجلة فَمْ، للتعرف على تطورات تحريرها اذهبوا إلى مقدمة «حذف وإضافة» أو اسمعوا بودكاست السلسلة.
ليتعرف قارئ «حذف وإضافة» على ما حصل في عملية التحرير، سننقل لكم علي يمين الصفحة تعليقات المحررين وردود الكاتبة على هذه المسودة، والتي امتدت في الفترة من 26 يناير حتى 5 فبراير الماضيين، كان النص وقتها يحمل هذا العنوان «كيلو الوعي الذي في حقيبتي»، وعلى كلمة *«كيلو» علّقت المحررة: «اذا حذفنا فقرة الوعي في الخاتمة، سيتوجب علينا إعادة النظر بالعنوان.. ممكن شي عن الدودة»، فرد المحرر: «اتفق مع زينة، مع عدم إعلان الوعي. (وفي النص أيضًا)، والكلام عن العنوان سابق لأوانه ربنا بيكرم بيه في التشطيب النهائي». لكن المحررة اقترحت للعنوان: «زي دود الحمام». وهكذا علق المحرر: «حلو، فكرت إن ممكن يكون فيه زحف.. الإشارة لسعي الإنسان الحثيث بلا شغف، زحف دود أو المدام تتأمل الدود أو زوجة ودود وزحف». المحررة: «زحف دود.. في محلها، حلو كتير». فكان رد الكاتبة: «هو فعلًا موفق جدًا لو كلمة زحف وكلمة الدود موجودة.. المدام تتأمل الدود وزوجة ودود وزحف فكرتني بكتابات عبير». وعند *«دودًا» اقترحت المحررة: «خليها بالمفرد المؤنث، أحلى، وجدت دودة سوداء».. وهكذا توالت التعليقات.
«كيلو»* الوعي الذي في حقيبتي
*«أعرفه»
المحرر: من أول هنا يرتبط مصير السرد بالزحف.
المحررة: وكأن السرد عم يزحف بالنص متل الدودة، بمحل غريب ومش عارف طريقه.
*«..اراداتنا»
المحررة: بما إنه الإشكالية الأساسية للنص هي الدودة التي لا تنتمي إلى المكان، هل ممكن اختيار توصيف أدق؟ مهمة هيدا التوصيف هو الإضاءة على الدودة (المستوى الدلالي المباشر) حتى تتمكني من الارتكاز إلى التوصيف لاحقاً للكلام عن تجربتك انت (المستوى الدلالي المجازي).
*«خيل»
المحرر: أظن هذا الهاجس مهم. خيط القلق يبدأ من هنا. ربما على الكاتبة الانتباه لهذا الخيط من أوله، وترعاه في باقي النص. الدود سيكون معبرًا عن قلق الراوية في جغرافيتها الجديدة، وزحف الدود هو الإحالة التي اختارتها لوصف حياة الراوية في المكان الجديد. (لا تريد أن تزحف بشكل غريب، كما ستخبر البطلة أمها). يمكن الكتابة أكثر حول فكرة إبراز زحف الدود، أظن شيء أكثر قوة من سماعه، ربما فجولة أن تتخيله يزحف. هذه المسألة تحتاج تفكير من مي. المحرر: ومن ناحية التنسيق يمكن أن يكون الكلام عن اليوم التالي في فقرة جديدة. لندع القارئ يعيش أكثر مع الدود.
*«وأفرغت زجاجة مياه النار»
المحررة: ممكن فرصة هون للتفكير بشو يلي بيستدعي هي الحركة الاقصائية من هيدا الكائن المقزز. شو المقزز بالدود؟ وليش بيخوّف؟ هل هو وسخه؟ لزاجته؟ اشارة إنه البيت مكشوف على العالم الخارجي؟ الحدود مع العالم الخارجي مطاطة؟ الخ
* «السعيد»
المحررة: شعر. بس هل فعلاً هيدا اللي بدك تقوليه عن اللحظة؟ بمعنى شو اللي باللي عم توصفيه بالزواج السعيد بيخلي كل شيئ يتفاقم؟ شو اللي تفاقم بالظبط؟ حاسة بدك تقولي شي مهم هون، وشاعري، بس دقة الكلام حتخلي وقع الجملة اكبر.
*«يتفاقم»
المحرر: علل؟ هذه الفكرة لا تزال غامضة. هو استنتاج كبير، والقصة لم تدلني على التفاقم.
*«عائلتي»
المحرر: انطلاقًا من هذه الفقرة تقدم الراوية نفسها كخبيرة بالنفس البشرية، تمرر كلامها غير القابل للشك، الحاسم جدًا عن الوعي، والتجربة الجديدة وجغرافيتها لتخفي سيطرة القلق عليها. أفضل ألا يكون الكلام عن الوعي من هنا، بل يُرجئ قليلًا. وإبراز الفرق بين البيت الجديد ونصائح الأم. ربما سيكون من الأفضل لي أن اكتشف إدراكها لوعيها فيما بعد، في الخاتمة مثلًا. هل يمكن إزاحة خبرة الوعي هذه إلى الخاتمة بدلًا من استحضار الخبيرة الروحية، أن نتعامل مع الراوية نفسها كخبيرة بوعيها، وأنها متعجلة لإدراك التجربة بدلًا من عيشها مثلًا؟ المحررة: مع أحمد. وفي سرعة بالرغبة بـ«بحلّ» الأزمة (الدود/مية نار أو العجز عن الكتابة/المعالجة). ممكن الحل ما يكون سريع ولا موجود اصلاً.
الكاتبة: فيما يخص لحظات الوعي/ الانارة /الادراك التي تظهر وتختفي أحيانا بغير محلها في النص، ليست محاولة للحصول على حل سريع أو لاخفاء سيطرة القلق. بل هو دورة حياة القلق ذاته. هذا التخبط الذي يتجلى في الفجوات والسردية المبتورة هو من تداعيات هذا القلق. لأنه- القلق -بلا عمق أو سردية متماسكة. فكلما تم اضاءة النور/ الوعي أو حتى إدراك الجذور الهشة لفكرة ما تسبب القلق عبر محاولة للحل/ للتحليل/ للتأمل/ للرفض/ كتابة/ رقص..الخ تبدء الفكرة المسببة للقلق في التفتت وتظهر ابعادها الضعيفة فيبدء القلق بالوثب على فكرة أخرى ليجعلها مصدر جديد للقلق. هذه هي الدائرة التي يتحرك فيها قلقي وأنا معه.
*«يتوجب»
المحررة: «يتوجب» أم «توجب»؟ بمعنى، هل هو الحل فعلاً كما يصفه المعالجون او الحل اللي لجأت إليه الراوية وهي طفلة وعليها اعادة النظر فيه اليوم؟ في فرق بالمعنى باستخدام الزمنين.
الكاتبة: يتوجب: لأن فيها بُعد يظهر حيوية هذه الجمل المعلبة حتى الآن.
*«أن أكون ماما وبابا لنفسي»
المحررة: شو العلاقة بين الموقفين: البحث عن الأسرة في ذاتك واقترانك مع الآخر؟ للوهلة الأولى يبدو الحل الأول والحل الثاني مختلفين. الكاتبة: بالضبط، لا يوجد أي علاقة. وربما من مر بالعلاج النفسي وبالعيادات النفسية أو حتى المحتوى النفسي على يوتيوب..الخ سيكتشف أن هناك جمل معلبة غير مترابطة ومبتورة أيضاً. تقدم على أنها الحلول.
*«جديد»
المحررة: الأشياء المشتركة بين كل هالوساوس على اختلافها هي انها مسقطة على المساحة العاطفية يلي اسمها «البيت الزوجي». بقترح تعيدي النظر بمفردة «الجديد» لأنها بحد ذاتها ما كتير بتقول.
المحرر: أو هو القلق نفسه، لكن نحو أمور جديدة، أو في جغرافيا جديدة.
*«الحمام»
المحرر: هذا شعر. وجميل جدًا. ممكن التفكير في إبراز فكرة القلق والوساوس. أقصد أكثر من معلومة أن هناك دود في الحمام، أقل واجب أنه يخوض مسيرة الزحف المقدسة نحو الوسط الثقافي القاهري. يعني في ظني أن أبرز خيوط النص الجميل حضور القلق، وبطولته، (ويجب الاعتراف أنه محرك الأحداث) وهذا القلق بتدعياته يقابله الوعي.
المحررة: حبيت الشغل على الخط والفراغات. شكلهن يافطات عم تضوي وتطفي براسك. لذيذ.
الكاتبة: أحب حين النشر يكون بالشكل دة أو يبين فكرة اليافطات اللي بتضوي وتنطفي لأنها في دماغي عاملة كدة فعلاً.
*«استسلام»
المحررة: الاستسلام لماذا؟
الكاتبة: بعتقد أن الجملة التي قبل الاستسلام توضح. المهام المنزلية مرهقة ومتعبة خصوصاً أثناء محاولة الموازنة بين البيت والعمل. واحياناً تفضل بعد النساء الاهتمام بالبيت والتخلي عن الطموح ولا يكون هذا باختيار نابع من ارادة حرة إنما بسبب ضغوط ضمنية توضع عليها مثل اتهامها بالاهمال والأنانية وعدم اهتمامها ببيتها وزوجها وأولادها.
*«نسلهن»
المحررة: اذًا اسقاط على «البيت الزوجي» القلق من الكتابة.
المحرر: من الممكن الانتباه إلى أننا لا زلنا لا نعرف ما هي تصورات الرواية عن البيت والزواج حسب ما عرفت من أسلافها، وصلنا لاستنتاج أنها لم تكن تجارب سعيدة، والراوية لا تذكرها، لا تذكر تحديدًا مما تخاف، تخبرنا أنها تعيش تجربة أسعد منهن، ربما إذا عرفنا أكثر عن تجارب أسلافها، ولو بشكل مجمع أو إجمالي، سنفهم مما تخاف، لماذا هي قلِقة؟
الكاتبة: هل مصدر القلق هو التنافر بين هوية للزوجة التي تؤسس بيتاً لها وهوية الكاتبة التي تؤسس إسماً لها في القاهرة؟
*«زوجي "خطيبي وقتها"»
المحررة: شو قولك بـ: «من سيصبح زوجي».
المحرر: اقترح أيضًا، أن نقدم كإنسان أكثر، ليس بصفته، يعني النص يخبرنا أنه فنان، أنه داعم، فما المانع من ذكر اسمه؟ إضافة الاسم ستشحذ القارئ للانتباه أكثر، وتضفي عليه طابعًا مؤنسن أكثر. ومع اقتراحات أخرى يكون له حضور أكثر.
الكاتبة: أجد صعوبة في الكتابة عن علاء، بل وصعوبة في وصفه لأحد. مازلت أحاول استيعابه، واستيعاب هدوءه وثقله وحتى ابداعه. ويربكني هذا التطرف بين بيت العائلة بما فيه من تهميش وتعنيف وعدم اعتناء. وبين بيتي أنا وعلاء وما يحويه من اهتمام ودعم وراحة! نعم الراحة التي أشعر بها بجانب علاء تربكني لأني غير معتادة على هذا الروقان. وكأني احتاج للعادي؛ للحياة العادية. لكن: من النار للدار زي ما بنقول تجعلني غير قادرة على الكتابة عنه. بجانب أني أكتب عن الأشياء والأشخاص حينما أود التخلص منهم. وأعتبرها تعويذة المكبوتين، وغالباً تكون ناجحة. + هحاول.
*«القاهرة»
المحررة: مش واضح مقطع الأم ونصائحها هنا. ما هو السبب الفعلي لخيبتك من تلك النصائح؟ ما هو الذي توقعته ولم تقله؟
الكاتبة: أرى هذه النصائح نابعة من انبطاح. وما كنت انتظره وقتها هو كيف يمكن أن اوازن بين العمل ومهام البيت مع تغير الجغرافيا. كيف اجتاز ما لم تقدر هي على اجتيازه. ربما يبدو أنها ليست قادرة على اعطاء نصائح لم تجربها لكن كان مجرد فتح حوار عن هذا الموضوع سيجنبني أشياء اختبرتها هي.
*«هل بالقاهرة حياة ثقافية..»
المحررة: بداية ظهور القلق من البيئة الثقافية الجديدة. بدأت تتضح المقالة: الدودة تعبيراً عن قلق عدم الانتماء --> عدم الانتماء إلى البيئة الثقافية الجديدة --> القلق يتجلّى في الوسواس القهري
الكاتبة: هنا أقصد أنني اتغمست تماماً في القلق المتعلق بالتغير والمهام المنزلية ثم تشعب هذا القلق للكتابة وتركت تماماً كل ما يخص الوسط الثقافي في مقابل محاولة النجاة من الغرق والبحث عن توازن.
*«بطرانة»
المحررة: ليش هيدا بطر؟ المحرر: من منطلق «احمدي ربنا يا ابنتي وكده» أظن أن تعليق الأم يبدو غامضًا، لأن حضورها هين (ضعيف) في النص. يعتمد على صورة نمطية عن الأم يفترضها القارئ. خبرات الأم / الأسلاف، ونصائحها لا بد من حضورها أكثر.
المحررة: او ممكن قصد الام تقلها "انت غرقانة بنفسك أوي". والله أعلم
الكاتبة: حضور الأم الضعيف في النص أراه متسقاً مع حضورها الضعيف في هذه اللحظة من حياتي. لماذا يجب توسيع خبراتها ونصائحها طالما أنها لا تضيف شيء؟ سوى أنها اضافت احباط فقررت الانسحاب منه؟
*«أنا زي الدود يا حمام»
المحرر: عامية أكثر، شعرية أكثر. مثل دود الحمام، والانتقال لفكرة الزحف، دون تحديد ما ينقصك، إنتي حتى نهاية النص حائرة، افتقاد الكتالوج يبدو كاشفًا بشكل مفاجئ. والدليل أن وجود الزوج الداعم ونصائح الأم لا تحل المشكلة، لا تبدد القلق. بل الكتالوج، النصائح الجاهزة للأم، والدعم العاطفي المحب للزوج ما يزيدا الارتباك والقلق. هنا أهم ما في هذه الفقرة الذاتية الآتية ضمن ديالوج مبتور، يحضر فيه صوت واحد، إعلانك أنك مثل دود، وتجربتك هذ زحف قلِق في خغرافيا جديدة نحو العاصمة، نحو تحدٍ مربك. يعني اقترح أن يكون الكلام عن إدراك دودية الزحف.
المحررة: هي حلوة للعنوان.
الكاتبة: مظبوط حائرة. وهذا البتر قادم من الحيرة. كيف يمكن لإنسان حائر أن يكتب بشكل متماسك على طول النص، بجانب أن قلق ترك الكتابة يطارده؟ بجانب أن نصائح الأم ليست نصائح أصلا! وعلى الجانب الأخر دعم علاء لا يحل المشكلة لأن هناك تطرف اتعرض له. بين عدم فهم شديد وفهم شديد. أرى أنه شيء مربك رغم رومانسية الوضع الأخير. دودية الزحف حلوة.
*«زوجي»
المحررة: بورتريه جميل لهذا الزوج الداعم. ولكن هل ممكن لخبطة ثنائية الزوج الداعم الذي يقرأك جيداً والأم غير الداعمة العاجزة عن قراءتك؟ يعني واضح النفور بين الدورين والعلاقتين والخيط الفاصل بينهن حد. ممكن تخفيف حدة الفصل شوي؟ الكاتبة: معك حق.
*«أمي»
المحررة: إفهامها ماذا بالظبط؟ تقولين لها إنك لا تريدين أن تؤدي كل تلك المهام، ولكنك تؤدينها فعلاً بشكل قهري كما شرحت سابقاً. فشو اللي بدك تقوليه لوالدتك؟
*«التكيف»
المحررة: ولعل الخوف الأكبر هو ان يسكب عليك أحد مية نار تحرقك وتسحقك وأنت تزحفين على بطنك في تلك البيئة الثقافية الجديدة.
*«شيء»
المحرر: جزء الخاص بوصف المقطم رائع. حبيته، وبيجعل المكان مساحة ملهمة لكاتبة، فيه كل التجريب الممكن. يلمس ويعمق مشاعر القلق والإحساس بالرغبة في الانجاز.
*«مثل كل المدن التي تطل على البحر»
المحررة: حلو انك حابة تقولي شي عن دور البحر بالمدينة. بس هل فعلاً لا شيء مهم سواه؟ أم انه بالحقيقة هو متل كل المدن البحرية، بتدفع الناس لهجرتها؟ يمكن هيدا اللافت بالمدينة، إنها ما شجعتك، ككاتبة، تبقي فيها، بل دفعتك للهجرة عنها، بفعل الزمن الواقف فيها. وأهمية النظر لهي النقطة انه بترجعنا لقلق الكتابة.
المحرر: حلو جدًا، أول تحليل لإسكندرية أتفق معه.
الكاتبة: ربما التعميم ليس في محله حول المدن الساحلية. بحر الاسكندرية أهم شيء هناك فعلاً وكلما ظننت العكس تأتي الصور والكتابات قديمة وجديدة وحتى البوستس والتويتس..ألخ لتؤكد على اهمية البحر وبعده المعمار الناتج عن العصر الكوزموبولوتاني للمدينة. لا أستطيع قول أن هذا النوع من الجغرافيا يدفع للهجرة سواء منه أو إليه. رأيت كتاب ينجحون انطلاقاً من هذه الجغرافيا وكتاب يفشلون حينما خرجوا منها. وأنا طوال سبع السنوات الماضية كتبت ونشرت من على الكنبة في الاسكندرية. ربما من الخارج لا تهم الجغرافيا أمام امتلاكي لشبكة انترنت جيدة ولابتوب. لكنها في النهاية اختيارات.
*«لكني أكتشفت أن بيتي الجديد موجه نحو الإنتاج»
المحررة: في كتير مجهود للبحث عن معنى نفسي تحليلي للموقع الجديد. لست بحاجة أن تستقري على معنى أو أن تشرحي لنا الأسباب.
المحرر: متفق مع زينة جدًا.
الكاتبة: ممكن نفكر مع بعض: فيه كذا عنصر أنا شايفة أنهم هيوقعوني في فخ التنميط لو استفضت فيهم زي نصايح الأم ومعارك الأسلاف مع أزاجهن.. الخ اللي بتقترحوا أن يتم توضيحهم أو توسيع الجزء دة أكتر. قد إية فعلاً هيطلع من توسيع الجزء دة كتابة كويسة بس قد إية الجزء دة تحديداً مكرر؟ أنا بحاول أتفادى دة. هنا بنشوف جزء فيه بداية محاولة فهم البيت اللي بقيت فيه، شغال إزاي؟ علشان اقدر أتكيف أنط على المسار.. ممكن نغير الصيغة لكنه مش تبرير ولا شرح. تحليل من أجل الفهم لأن دة مينفعش ميحصلش.
*«غذت الحرب على غزة» المحررة: اذا نحنا متفقين إنه القلق الأصيل هو القلق من الانتماء إلى البيئة الثقافية الجديدة في القاهرة، كيف بتساعد هي الفقرة على التذكير بذلك الهم الأساسي؟ هل برأيك، مثلاً، أنك فاقدة للغة وأن البيئة القاهرية متمكنة منها؟ هل برأيك أنك، انت الآتية إلى القاهرة، فاقدة للهدف بينما الكتاب القاهريين ممكسين به؟ المهم هون هو التفكير بكيف تخلي هي الفكرة يلي بتربط بفكرة الانتماء إلى بيئة ثقافية جديدة.
المحرر: وغزة ليست المشكلة. القلق. ممكن يكون ارتباك الإنسان بالحدث الكبير زود القلق ببساطة. المحررة: او انه الحدث الكبير فعلاً افقد الكاتبة، بس غيرها كمان اللغة، أي موائمة الحدث واللغة. وهذا مصير اكثر الكتاب بلاغة.
الكاتبة: النص ليس عن البيئة الثقافية. خصوصاً وأن في بداية النص وضحت أنني غرقت في المهام المنزلية وانشغلت عن البيئة الثقافية. لم أشتبك مع الوسط الثقافي بعد بالقدر الذي يبني أو يهدم مشاكل أو خوف! لدي فضول يشوبه قلق، لأنه شيء جديد. لاحظوا معي: سأتعامل هنا ليس مع وسط الأدباء والصحفيين فقط إنما مع وسط الفنانين وخاصة المعاصرين منهم الذي يخص علاء. أعلم أن كل هذا من الخارج " وسط ثقافي" إنما هناك اختلاف كبير لمسته في المرات القليلة التي تواجدت في افتتاحات معارض أو ندوات. وهذا كله أتى في لحظة واحدة فأراه too much ليس إلا. ولا أرى نفسي فاقدة للهدف أو اللغة في المطلق. إنما هناك رجرجة داخلي وكل حدث يزيد من هذه الرجرجة. القلق في حد ذاته هنا أصيل. وحينما تغير الروتين ودخلت مسؤوليات جديدة بسبب الزواج وهذا طبيعي. قفز القلق على هذا التغيير وضخمه. ومع الكثير والكثير من الخبرات التي عاصرتها مع نساء من عائلتي وصديقاتي والتي كانت بالصدفة تنتهي بتركهن عملهن من أجل الالتزام بمهام البيت. تضخم القلق أكثروتفرع من فقط القلق والارتباك الناتج من تغيير المكان والروتين إلى القلق من ترك الكتابة. فعلاً غزة ليست سبب فقط "غذت "هذا الشعور. الشعور المرتجف من كثرة التغيرات والمسؤوليات يلتهم كل ما يمكن أن يضخمه. الفقرة بتؤكد بشكل أدق العناصر أو القوائم اللي شايلة التعثر في الكتابة ولكن يمكن حذفها.
*«في إدارة البيت مع علاء زوجي.. »
المحررة: الدودة تعبيراً عن قلق عدم الانتماء --> عدم الانتماء إلى البيئة الثقافية الجديدة --> القلق يتجلّى في الوسواس القهري بالاهتمام بالبيت.
بس هون عم بتضيفي معلومة زيادة: الاهتمام بالبيت تعويضاً عن المشاكل التي شهدت عليها طفلةً. وكأنه دخل فجأة خط آخر لتبرير الوسواس القهري. وكأنه في تشتيت للفكرة يلي صارت واضحة بالنص: القلق من هويتك ودورك ككتابة في البيئة القاهرية الثقافية الجديدة
*«واعية»
المحررة: قضية الوعي بتخلي الراوية كتير "واعية" self conscious لنفسها وبتضيع الخيط يلي عم نحاول ننسج فيه هيدا النص: الخوف من ضياع دورك ككتابة بعد الانتقال إلى القاهرة.
*«لكن هل الوعي كاف..»
المحرر: الجزء التالي فيه مشكلة. دائمًا حين نأتي بضيوف على القارئ، من خارخ خطوط النص السردية نكون مدركين ككتاب أننا نهرب من خيوطنا السردية، لا نريد العودة إليها وتعقيدها أو حلها لنخلص حكايتنا بحبكتها.
أهلًا بالضيوف، ومرحبًا بهم، لكن أين الخطوط؟
خط الدود وهو مسار القلق المحرك للنص، في مقابل الوعي أو عدم. (إدراك التجربة الجديدة التحدي القائم)
وخط آخر يخص خبرات الأسلاف، وبطلته، أو صوته الأبرز الأم، وحضوره ليس بالقوة الكافية (لأننا لم نعرف الكثير عن أسرار بيت الأم، سبب أنه ليس مكانًا للسعادة الزوجية)
وخط التاريخ الشخصي.
اقترح هنا أن يبدأ الكلام عن الوعي. الإدراك، دون معلمة روحانية، كشف عن خبرات الراوية النفسية، إدراكها أن عليها عيش التجربة، ومعرفتها أن هناك خبرات ترفضها هي (الأم/ الأسلاف)، وإدراكها أن الزوج الداعم ليس وحده كافيًا، وأمور أخرى لم تُكتب بعد.
وأن المسألة هي زحف، مع إدراك أن هناك خبرات سابقة من نساء عاركن الدنيا وربما هذه فرصة الراوية لفهم معركتهن.. يعني أظن عليك أن تكون أكثر صراحة فيما يخص استنتاجك.
المحررة: أكثر صراحة وأكثر دقة كمان. عادة ما يكون الاكثار من الخيوط من تكتيكات التمويه عما نتجنب قوله
الكاتبة: أنا مع التخلي عن المعلمة الروحانية وتخفيف التنظير عن الوعي. ويمكن اختصار الجزء الذي يخص معارك النساء في أن معاركنا مختلفة واختيارتنا مختلفة والنصائح والخبرات التي تأتي منهن ليست مناسبة مع نمط حياتي. وأن خبرات النساء حملتني بعناصر كنت متخيلة أنها تصلح فوجدت أن هذه الحروب لن اخوضها.
يظهر ذلك في بداية النص بغضب شديد وشعور بإحباط أو حدة وانفعال وتهميش لكن يمكن توضيحه في جملة عن اختلاف معاركنا.
في أول أسبوع من زواجي وجدت «دودًا*» أسود يخرج من بالوعة الحمام.
كان يتلوى بجسده الرفيع على السيراميك. ربما كان يزحف، الدود بطبيعته يزحف لكن هذا النوع من الزحف «أعرفه*»، زحف يدل على أنه ليس في بيئته الطبيعية. شيء عادي، ويحدث.
«ربما مشكلة في الصرف، بالتأكيد مشكلة خارجة عن ارادتنا*»؛ هذا ما أخبرني به علاء زوجي وأكدت عليه أمي.
أمضيت يوم كامل في تنظيف الحمام، لكني في ميعاد النوم «خيل *» لي أنني سمعت زحف الدود.
هل للدود صوت؟ كنت أسأل وأنا في طريقي للحمام لم أجد اجابة لكني وجدت دوداً في الحمام مرة أخرى. كان ساكناً هذه المرة على الأرضية، غارقًا في الإضاءة الخافتة التي اتركها للنبات المعلق في سقف الحمام، لكن بمجرد أن أضأت كل لمبات الحمام بدأ في الزحف وبنشاط. تسمرت في مكاني أمام عتبة الحمام اتابع إلى أين يمكن أن يصل الدود بزحفه، فربما يريد العودة للبلاعة وكأن شيئاً لم يكن. لكنه قرر أن يزحف في مكانه. كأنه يتعذب من الإضاءة أو من حضوري المفاجئ. لا أتذكر أنني مررت على تحليل لسلوك الدود أو أنني اشتبكت مع الدود أو أي حشرة من قبل. فأغلقت باب الحمام عليه. ربما كان حلماً، نعم في الكوابيس لا أحد يغلق باب الحمام ويخرج، ينخدع الجميع لأن غريزة الدخول تتحكم بهم ويدخلون الحمام، فينتهي الكابوس بسقوط حاد في الكابينية ثم الاستيقاظ على البلل. لم أستيقظ على شيء في اليوم التالي للحادثة، لأني سهرت على تحليلات ابن سيرين وغيره حول ما يعنيه الدود في المنام خصوصاً للمتزوجة. كلهم أجمعوا على أنه يعني التدهور! كلام انترنت هذا ما قلته وأنا أخرج من غرفة النوم بهدوء متجهه للحمام، متمنية أن لا يكون الدود حلم، ففتحت باب الحمام ووجدت الدود يزحف الزحف الذي أعرفه. لكني كنت مغتاظة لأني أعطيته فرصة العودة إلى البلاعة بأمان، ولم يعد. فأفرغت زجاجة مياه النار -التي يستخدمها علاء في تنظيف أدواته- على أرضية الحمام. ودعكت بفرشة الأسنان فواصل السيراميك وفي ظني أنني أمحي آثار الدود ومعه آثار التدهور.
فأستيقظت في اليوم التالي للحادثة «وأفرغت زجاجة مياه النار*» -التي يستخدمها زوجي في تنظيف أدواته- على أرضية الحمام.
ودعكت بفرشة الأسنان فواصل السيراميك وفي ظني أنني أمحي آثار الدود. هذا ما يفعله الزواج «السعيد*»
برأيي، يجعل كل شيء «يتفاقم.*»
أعاني القلق من الإبتدائية، وما تعلمته وبعد دراستي لعلم النفس واللف على الدكاترة سواء للعمل أو للعلاج وعبر المحتوى الموجود على الإنترنت، بعض النصائح والاقتراحات المعلبة التي منها أن جذر قلقي هو أعاني القلق من الإبتدائية، وما تعلمته بعد دراستي لعلم النفس واللف على الدكاترة سواء للتدريب أو للعلاج وعبر المحتوى الموجود على الإنترنت، أن جذر هذا القلق هو عدم شعوري بالأمان في منزل «عائلتي.*»
ولحل ذلك «يتوجب*» علي احتواء طفلي الداخلي، «أن أكون ماما وبابا لنفسي*.»
بجانب أن اقتراني مع آخر سيوفر ألفة ودفء سيساعداني مع الشغل على ذاتي. فعلًا الدفء والألفة مع شريكي - خصوصاً بعد الزواج - ساعدوني على تهدئة أماكن كانت مشتعلة بداخلي، وفي نفس الوقت ساهموا في إنتاج «قلق جديد*». قلق من:
أن يتفشخ البايركس في الفرن،
أو ملح ناقص في الشوربة،
وأن الفراخ بدمها،
وأن يتراكم تراب أصفر على السفرة، وأسفل السرير أو أسفل الكنبة،
وأن كيس القمامة يسرب،
والبرواز معوج،
( والخضار غير مغسول جيدًا)
أو أن هناك دوداً في «الحمام»*.
يبدو من الخارج أنه وسواس قهري متعلق بالنظافة والترتيب، لكنه غطاء لما أخاف منه فعلًا، أخاف ترك الكتابة بسبب شكي من أن الفراخ بدمها، وأن كيس القمامة يسرب، أن «استسلم*» للمهام المنزلية
كما استسلمن من أتيت من «نسلهن*».
رغم كل اللغطبة، لم أتحدث مع أمي عن الحياة الزوجية من بعد أول أسبوع من خطبتي. نصائحها -التي لم أطلبها- كانت تدور حول إرضاء الزوج عبر قراءة مزاجه. والإلتزام بأداء المهام المنزلية حتى وإن انعدمت الرغبة. كانت هذه النصائح كاشفة لعدم قدرتها على قرائتي أو قراءة «زوجي"خطيبي وقتها"*»
لكن أهم نصيحة شددت عليها أمي هي ألا أترك بيت الزوجية، أبداً. فهمتها كنصيحة باطنها أن لا أطلب الطلاق مهما حدث، وأن هذا ليس له علاقة بزيارة غرفتي في الأسكندرية كلما شعرت بالغربة في «القاهرة*.»
بعد شهرين من الزواج زرتها، وفي نيتي أن أجلس في غرفتي وعلى مكتبي محاولة استدعاء ما فقدته من شخصيتي وشحذ البوصلة النفسية. لكني وجدت أمي فوّرت الغرفة، ومسحت الرسومات التي كانت على الحائط ووزعت لوحاتي على غرف إخوتي وتخلصت من سريري، ولم يتبقى سوى رائحة الدهان الجديد. لماذا أنا منزعجة؟
حدث ما تمنيته طوال العشر سنوات الأخيرة، أن أترك الإسكندرية. كنت قبل التعرف على علاء زوجي والاستقرار معه بالقاهرة، أحضر نفسي للانتقال وحدي هناك، مشحونة بسخط على النوستالجيا التي تُفرض علي، وغاضبة على أن هناك شكل معين للمثقف السكندري يجب بشكل أو بآخر أن أكونه حتى أسلك، ومنزعجة من تعريفي من أحد لآخر بأنني "كاتبة سكندرية" ولست "كاتبة" دون وضع المدينة التي أتيت منها في الحسبان. وبالطبع ساخطة من عدم القدرة على قول كل هذا دون الخوف من أن تسحب مني الجنسية السكندرية، بعد رميي في شارع لا يرى البحر، فتنهشني الكلاب. رغم ذلك لم أكن جاهزة لقطع الحبل السري مع الإسكندرية بهذه السرعة. والعودة لبيت الزوجية في القاهرة، معدومة الهوية، وبدون قبو وهمي أرمي فيه ما يجب أن أواجهه. «هل بالقاهرة بيئة ثقافية عكس التي بالإسكندرية؟*» لم أعرف بعد، لأني غرقت فيما هو أبعد من المخاوف التي تخص الوسط الثقافي، غرقت في المهام المنزلية.
هذا هو التدهور؟ نعم هو ذاك. بعد الزواج تغيرت مناماتي/ أحلامي، أراني فيها منهمكة في تنظيف البيت، اخترع تكنيكات لتنظيف الأرضية وترتيب الدولاب وغسل الصحون في نصف ساعة، أستيقظ وأحاول تطبيق ما حلمت به وأفشل. فأجرب حلم آخر يقنعني أنه بإمكاني فعل ذلك لكن في ساعة. فأجرب وأنجح نصف نجاح. كنت في الماضي أحلم بما أكتبه، فأحرر لذاتي في المنام وأستيقظ لأطبق ما حلمت به على نصوصي. هذا التغير في لاوعيي لا يعجبني. لأنه يؤكد على تغير مكانة الكتابة عندي، من المكمن الذي تخرج منه.
هذه المرة طلبت نصيحة أمي. فحكيت لها ما أمر به من انغماس شديد مع المهام المنزلية وإهمال للكتابة . «لكنها أخبرتني أنني بطرانة.*»
- «أنا زي دود الحمام يا ماما*».
قلتها بعصبية وأغلقت ليس الهاتف في وجهها فقط، إنما باب الاستعانة بها. كم من الذيذ أحياناً اعتبار الناس مخدة لتنفيس الغضب ورمي كل ماهو غامض عليهم خصوصاً عندما لا يبذلوا مجهود في فهمنا.
- ما أحتاجه فعلاً هو كتالوج يعينني على الانتقال من مدينة الاسكندرية للقاهرة دون الزحف على بطني بشكل غريب أو الدخول في اضطرابات نفسية بسبب عدم قدرتي على التكيف
ترن في أذني كلمة تدهور وأنا أمارس -ما أصبح- روتيني الصباحي تنظيف الحمام من الدود مع باقي المهام المنزلية.
كلما رآني علاء «زوجي*» مسحولة في مهام البيت، فينبهني أن علي الكتابة أو التفكير أو حتى الأنتخة، يخبرني أن تحضير الطعام وتنظيف البيت يمكن تأجيلهم أو عدم فعلهم، طالما أقرأ، أكتب أو أشاهد فيلماً وأريد النوم بعده، وأنه سيخلص مهام البيت. كلامه يعني أن حرب المهام المنزلية المفروضة على المرأة لن أخوضها.
أو بمعنى آخر، أنه ليس هناك ما يعيقني من الكتابة. حاولت إفهام «أمي*» هذا لكنها أخبرتني أنني بطرانة.
أنا زي دود الحمام يا ماما، ما أحتاجه فعلاً هو كتالوج يعينني على الانتقال من مدينة الاسكندرية للقاهرة دون الزحف على بطني بشكل غريب أو الدخول في اضطرابات نفسية بسبب عدم قدرتي على «التكيف*».
وأغلقت ليس الهاتف في وجهها فقط، إنما باب الاستعانة بها.
يصعب فعل ما اقترحه علي علاء زوجي. طوال الوقت يوجد هناك تراباً في البيت. أعيش في منطقة المقطم، وهي عبارة عن هضبة صخرية كبيرة وصفراء ومنعزلة، تتمتع بمنظر ساحر على القاهرة. لكن في الطريق للبيت أتعثر بمغارات أطلالوبقايا/ هياكل لكازينوهات بمعمار ثمانيناتي. بعض منها يمكن أن نقول عليه أنه كان مشبوهاً، لكن هناك جمال وحرية في هذه الشُبهه. تم تنظيف اخصاء هذه السمعة من المقطم بداية من الكورنيش الذي أصبح مليئاً بالكافيهات والكمائن، حتى أنه لا يوجد سوى منفذ كحول واحد بالمنطقة ومكان واحد للسهر. وفي الطريق من الهضبة الوسطى للهضبة العليا أرى البيوت فوقي بمعمار غرائبي، فمن أسفل تبدو وكأنها فوق سفح جبل ويصعب الوصول إليها، لكن بعد دقيقة تجد نفسك وقد صعدت أمام البيت فتغيب الغرائبية عنه، وتتكشف الزهور والشجر وقد نموا بسبب رشح المياه الجوفية. وبيوت أخرى دائماً مطفأة الأنوار، لكنك لا تشك أبداً أنه بيت مهجور. أو ربما فيه محمود المليجي يصور فيلم موعد مع إبليس حيث أتخذ - إبليس- من المقطم بيتاً له بسبب الفراغ والدماء التي أسيلت على مر الزمن في المنطقة.
كل هذا يدل على المساحة الرحبة التي تمتعت بها المقطم لتجريب كل «شيء*». ورغم كل هذا السحر هناك تراباً أصفر يشوش على هذا الفراغ الجميل. تراب لعين كاشف أكثر مما هو رادم لعقود من التاريخ. غرفة المكتب التي جهزها لي زوجي كهدية للزواج حتى يشجعني على الكتابة في الجغرافيا الجديدة. كان التراب الأصفر يردمها، فيرسم -وعن قصد- المسار الذي مشيت فيه، وهو عتبة باب هذه الغرفة. كلما نظفتها رُدمت من جديد حتى بعد اغلاق الباب جيدًا وقبله الشباك المثبت عليه ستارتين، فأجد في اليوم التالي طبقة مزعجة من التراب الأصفر فوق المكتب، ودالة على أنني لم ألمسه. هذا الكشف كان يقتلني، وكأنه يشير بأصبعه علي وهو يضحك ليخبرني أنني بطلت كتابة. وأن هذه الجغرافيا الجديدة بمساحتها الرحبة لا مكان لي فيها ولا تشبه أي شيء أعرفه. الجغرافيا التي نشأت فيها لا تهتم إن كتبت أو لم أكتب، أو إن كنت سأفعل شيئًا في حياتي أصلًا أم لا. «مثل كل المدن مدينة التي تطل على بحر*».
لا شيء مهم فيها سوى البحر وبعده المعمار. بجانب أن البيت الذي خرجت منه والبيوت التي كانت حولي، كانت قائمة على الاكتفاء الذاتي؛ الرسومات والخواطر والذكريات، كلها وقود لدفء العائلة وتماسكها. لكني أكتشفت أن بيتي الجديد موجه «نحو الإنتاج*» وربما التصدير أيضاً. كل كتاب أو حدث أو ذكرى هو إمكانية لرواية أو نص أو قصيدة بالنسبة لي، ومنحوتة أو رسمة أو دراسة بالنسبة للعلاء زوجي. كل شيء يمر علينا أو نعبر به هو خاضع للمساءلة والنقد أو حتى السخرية من أجل التفكيك. لا يمر شيء بشكل عادي. أجد في كل هذا دفء فكري كنت افتقده طوال حياتي، لكني لا أستطيع استيعابه، لأنه بشكل أو بآخر يحث على الإنجاز، وهو ما يضغطني.
«غذت الحرب على غزة*»، شعور بأن قدراتي على التعبير ساذجة وأن لغتي قديمة، وأدواتي تلمة. و في نفس الوقت لدي مشاريع يجب إنجازها بهذه الأدوات والقدرات. ومع ذلك لم تتخلى عني رغبة الكتابة، وبالفعل أكتب بشكل شبه يومي قصيدة أو سؤال. لكني أقف أمام هذه الرغبة كما أقف عند عتبة باب غرفة المكتب، وأنفر منهما، لأنها رغبة بلا موضوع أو قصد. أشاهد الأشياء وهي تعبر من أمامي سواء على شاشة الموبايل أو في البيت، حيث لا شيء يلح علي لأبحث له عن إجابة أو سرد يناسبه. إنما مجرد انزياح آخر من أجل الشعور بالإنجاز. لا تكتفي هذه الجغرافيا الجديدة بما هو قائم إنما تضغط أكثر ليتكشف كل ما هو معطوب في حياتي الحالية والتي تركتها خلفي. فكلما ردمتني السعادة الزوجية لا أستطيع أن لا أرى العيوب بل وأسباب المشاكل التي عانى منها والداي في زواجهما. ليس شعورًا بالذنب إنما الرؤية الواضحة لكل ما كان غامضًا في طفولتي ومراهقتي. الراحة التي أعيش بداخلها الآن تجتر -وبلا هدف- كل اللحظات المؤلمة. لا أجد أهمية كبرى في إدراك كل هذا، لأني لا أستطيع تغييره أو محاسبة المسؤولين عنه. ولمقاومة هذا الثقل الشعوري أقنع نفسي بأنني أتعامل ببراعة مع الحياة الزوجية، كأنني تزوجت آلاف المرات.
فأشارك «في إدارة البيت مع علاء زوجي*» بخبرة وحكمة، أتت من مروري بكل ماهو غلط داخل زواج والداي، فتكشف ما لا يجب ويجب علي فعله أنا وشريك حياتي، منذ طفولتي. وهذا ما يحجب عني ولو قليلاً ما أجري وراءه ويجري ورائي والذي يمكن اختصاره في: الخوف من التخلي عن الكتابة، وعدم الاتزان بسبب فقدان الاتصال بالحكمة الأنثوية للأسلاف، ومعهم فقدان للهوية. فيتخذ كل ذلك شكل انزياح ثم إسقاط على عفش وسيراميك البيت. لم يعد ذلك كافياً للهرب من شعوري بتدهوري في الكتابة.
هل أمي مضطرة لبذل مجهود لفهمي؟ أو غيرها من نسوة العائلة؟ اخترنا اختيارات مختلفة في هذه الحياة. كن في نفس عمري في لحظة ما اختاروا رجال أو رجال اختاروهن للإرتباط. وصاروا معاً في اتجاهات لم أحبها يوماً لكنها أثرت في بشكل سلبي. اختيارات جعلتهن يتخلين عن العمل والطموح من أجل التفرغ للمنزل. الآن -فقط- اعلم كم هو متعب العمل داخل المنزل وخارجه. أتذكر أن لا رجل من ازواج نسوة عائلتي كان يشارك في مهام المنزل كما يفعل علاء معي. وأتذكر أن مع كل مشكلة واجهتها أمي أو أي من نسوة العائلة أدخل في معارك وهمية في دماغي. أنطق فيها ردوداً متخيلة لخناقة البيت أولى من العمل. اخترعت مناورات وجمل دلع لتهدئة الوضع كنت عندما أفشل في سرد احتياجي للعمل. أتطلق واختار رجل آخر لهن.
كل هذا بشكل ما جعلني جاهزة للمعركة الواقعية- أخيراً- التي سأدخلها لا محالة في لحظة ما مع علاء. كم مرة اصطدمت بهدوءه، واستقلاله النفسي والفكري؟ كم مرة قال لي أن عشرين سنة مرت عليه وهو يغسل ويطبخ ويمسح الأرض لنفسه ومن أجل نفسه. كم مرة قال أن هذا هو الطبيعي يا مي؟ لماذا أنا كارهه للوضع الذي أتيت منه ومرتبكة مما اخترته؟ هذا نوع آخر من التدهور.
مازلت أحلم بالدود، أراه يزحف ناحية غرفة المكتب وليس على سيراميك الحمام. يقترب الدود مني. أم أنه يسقط مني؟ لم ير علاء ولا أمي دود الحمام. يصدقوني بالطبع. لكن ما هو دليل وجود هذا الدود فعلاً سوى عيناي وزجاجات مياه النار الفارغة؟ نعم يخرج الدود مني أنا. أقول ذلك وأنا جالسة على أرض الحمام. تبدأ الأشياء في الحمام. في كل مرة أدرك شيء يكون وأنا في الحمام. لم أكن أعرف حتى هذه اللحظة أن للقلق إرادة حرة من خلالها يختار الشكل الذي سيتجسد به. كم مرة تجسد القلق لآخرين على هيئة آخرين. كم أنا محظوظة أن قلقي تجسد على شكل بسيط لم ينل حظه من التطور، بعد. وقت طويل مر وأنا أدرك كل ذلك. فأصبحت اللعبة مملة، وقريباً سأكتشفها وسيكتشفها من حولي. لكن الأن الدود يزحف ناحية غرفة المكتب وعلى الاستيقاظ لرشه بمياه النار.
يبدو أنني «واعية*» بجزء كبير مما يدور في حياتي.
«لكن هل الوعي كاف*؟» أسأل ذلك وأنا أسمع الدابل زوكش في أغنيته صلاة الزين وهو يقول: "ناس كتير Illuminati بس أنا فايق لسة لذاتي". في سوق الروحانية سواء بشكله الغربي المتخذ هيئة التدرب على التنفس وممارسة التأمل واليوغا، والتحاوط بأحجار كريمة والإهتمام بكتابة التوكيدات. أو بشكله الشرقي عبر اتباع تعاليم منهج صوفي مع الصلاة والصوم وترديد آيات معينة بأرقام معينة في أوقات معينة. يتم تصدير الوعي على أنه مفتاح الفرج. كنت أؤمن بذلك، معتقدة بأنني حينما أعى لن ارتطم بالمعيقات النفسية على الأقل. لكني ارتطمت أكثر. نعم، كان ارتطام على شيء يشبه الأسفنج وليس الأسفلت كما سبق لي. لكنه ظل ارتطام.
أرسلت لمعلمة روحانية تقرير طويل عن حالتي وختمت الإيميل بسؤال عن ماذا أفعل بكيلو الوعي الذي في حقيبتي؟ ردت علي بأن هذا كله طبيعي، استمري في الصلاة والكتابة عن ما يشغلك، اعملي على ذاتك ولا تنسي التوكيدات ونصحتني بإرتداء حجر القمر كي يحمي هالتي. لكنني ترجمت كل ذلك بـ :واضح أن مافيش حاجة بعد المحطة دي، مضطرة أقولك إللي بقوله للفلورز على انستجرام اتعاملي أنت بقى. هل تعاملت؟
في أحلامي الأخيرة، أراني منهمكة في تنظيف البيت، اخترع تكنيكات لتنظيف الأرضية وترتيب الدولاب وغسل الصحون في نصف ساعة، أستيقظ وأحاول تطبيق ما حلمت به وأفشل. فأجرب حلم آخر يقنعني أنه بإمكاني فعل ذلك لكن في ساعة. فأجرب وأنجح نصف نجاح. كنت في الماضي أحلم بما أكتبه، فأحرر لذاتي في المنام وأستيقظ لأطبق ما حلمت به على نصوصي. ربما هذا ما يخيفني، نعم هذا ما يخيفني ليس كل ما فات إنما ما يحدث في لا وعيي. أنا واعية بأن التغيير حدث في الخلف.
ربما دود الحمام كان مجرد إنعكاس لشيء يخص كتابتي.
لأنني حلمت بالدود هذه المرة يزحف على المكتب وليس على سيراميك الحمام. غرفة المكتب بجانب غرفة النوم، يقترب الدود مني، وهذا يعني أنني بحاجة لفرش جديدة ولزجاجة مياه نار لرشها أمام عتبة غرفة نومي.
تقارير ذات صلة
حذف وإضافة #2 مع أسماء عزايزة
لأن التحرير ليس سرًا.. سلسلة عن الأدب وتحريره بالتعاون بين «مدى» و«فَمْ»
حذف وإضافة| مع أسماء عزايزة: مسودة #2
هذه المسودة ضمن ثاني حلقات سلسلة «حذف وإضافة» بالتعاون مع مجلة فَمْ
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن