تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تُقرأ وتُؤكل #14| لحم بارد يحتمل التجربة

تُقرأ وتُؤكل #14| لحم بارد يحتمل التجربة

كتابة: إسراء مقيدم 6 دقيقة قراءة

جو عام #

تكتب إسراء مقيدم من جنة الآكلين التي دخلتها على كبر، بعد عناء مع اضطراب الشهية، وتقدم وصفة عرق اللحم البارد التي تناسب الولائم، إن طُبخت، وتُمتع إن قُرأت مثل باقي وصفات سلسلة «تُقرأ وتُؤكل» التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، ويقدمها «ديتوكس».

# تُقرأ وتُؤكل

حُشرت وأنا في التاسعة من عمري بداخل سيارة ميكروباص، مكدّسة عن آخرها بنساء حلوقهن مالحة من البكاء. لم أكن أعرف معظمهن، لكنني أعرف لماذا يبكين. فاليوم تُوفي أبي، سليل الأسرة الريفية. 

لا يكون البكاء هنا بالضرورة صادقًا، بل هو نوع من المجاملة، تؤازر النساء زوجة الميت بمشاطرتها الدموع. تأكدت فكرتي هذه عندما كفّت امرأة ما عن البكاء فجأة، وطلبت من رجلٍ مارٍ أن يناولها شربة ماء! كيف يشرب المرء، أو حتى يأكل، وهو حزين؟ الحزن بالنسبة إليّ -آنذاك- هو عطش وحرارة وقيظ وهلاك، مفردات تتعارض كلها مع برودة المياه.

الحزن يعني أن تهضم إنزيمات معدتك وتشرب عصارتها، شعور ممض يأكل المرء من الداخل، وأي محاولة لمقاومته، ينزع عنك أصالة ما تحسه، ويجرّدك من الإخلاص لمشاعرك.

ظلت تلك الفكرة تلازمني طوال طفولتي، تتوارى بمكر تحت طبقات الأيام، ثم تنبعث فجأة من تحت الأنقاض كلما وجدتني أستمتع بوجبة طعام. فأجدني أنتفض، وأخاف أن هذا قد يعني تجاوزي وفاة أبي. فاملأ جوفي بالحنق بدلًا من الطعام. وفي مراهقتي اضطربت علاقتي بالطعام تمامًا. وعام بعد عام، تتوسع قائمة المرفوضات من الأطعمة، أكره الجبن، وأرفض العنب، والبطيخ، والخوخ، أرفض الزيتون وأكره المخللات، أكره الكوسة والسبانخ، لا أحب المكرونة بالصلصة الحمراء، لا أحب البصل وأكره أنه يفرض نفسه على كل أصناف الطبخ التقليدي. فانخفض وزني 20 كيلوجرامًا عن المعدل الطبيعي.

اتبعت نظامًا غذائيًا للمرة الأولى في صيف 2008. كنت قد أنهيت الثانوية وأستعدُّ للجامعة. بالنيابة عني، قررت أمي مصالحتي على الطعام من جديد، ففرشت -دون قصد منها- الطريق لاضطراب الشهية بتعليمات طبيبة عنيفة. كانت تصرخ بوجهي، وتضع لي جدولًا غذائيًا صارمًا.

وفي نهاية كل أسبوع، تعنفني لأنني لم أزدد إلا بضع جرامات فقط. فيعترض جهازي الهضمي هو الآخر بعنف مقابل: قيء، والتهاب بالمعدة، مع إمساك مزمن. سلسلة اعتراضات كمّمت فمي عن حشر الطعام فيه.

قضيت سنوات الجامعة كلها ألتهم مشاعري نيئة، إخفاقات الحب، نهايات الصداقة، غضبي لموت أبي، ثم غضبي من أمي لأنها لم تجمّل لنا الحقائق بعد وفاته. فمثلما حرصت على تذكيرنا بأن نحضر خمس ملاعق على مائدة الغداء بدلًا من ست، آثرت أن نفهم جيدًا عواقب فقدان عائل الأسرة: التراجع الملحوظ لمستوى المعيشة، وصعوبة تقبّل مجتمع منغلق لفكرة أن تقود امرأة بيتها دون رجل. هكذا، قضيت طفولتي ومراهقتي مستغرقة في صراعات أكبر من سنّي، أراقب كل شيء يدور حولي، وأتأمل تحولنا، كأسرة بلا رجل، إلى وجبة يرفض مجتمعنا المحيط أن يهضمها.

قدّمت لنا أمي العالم على صينية مستديرة كما هو، من دون إنضاجه ومن دون أي نكهات. كانت ترغب في أن نكتسب الصلابة اللازمة لمواجهة الواقع، فما كان منا أنا وإخوتي إلا أن ظللنا نلوكه في صمت، لا نقوى على ابتلاعه بمذاقه الصدئ، ولا نجرؤ على أن نبصقه من أفواهنا. 

لم أستسغ الطعام إلا بعد زواجي. ليس فقط لأنني صرت أمتلك مطبخًا ووقتًا يسمحان لي بالابتكار، لكن أيضًا لأنني اكتشفت مهارة فطرية في الطبخ. مهارة عطلتني عن اكتشافها سنوات السكن المشترك وصراعاته المطموسة، بشكل دائمًا ما قلّص مساحة تحركي إلى حدود غرفتي، إذ كان المطبخ دومًا ميدان معركة بين شركاء السكن. 

مطبخي طرازه أمريكي، مفتوح على حجرة الاستقبال بشكل يعكس مشاعري المفضوحة، وعدم قدرتي على كتمانها. ومثلما ينكشف ارتباكي وتسكّعي بين القدور أمام الضيوف، أميل -دون وعي مني- إلى كشف هشاشتي أمام الجميع ولتزحف كل فوضانا الداخلية إلى الصف الأمامي!

أمدني الزواج بالحب، وبمساحة آمنة، وبمطبخ مجهَّز بالمعدات. هكذا بقدرة الله وحده تحوّلت إلى طفل يدخل جنة الجائع التي دائمًا ما نبذتها، أتعرف على أطعُم الأكل بفضول وشغف وحب استكشاف. أمضيت شهور زواجي الأولى أجرب كل شيء، وأسأل نفسي عن كل شيء؛ ماذا إن أضفنا المشمش إلى اللحم؟ ماذا إن نقعت البط في عصير الرمان؟ هلا نجرب إضافة التمر هندي إلى الدجاج؟ أسئلة عدة نتج عنها أخيرًا اكتساب الـ20 كيلوجرامًا المفقودة منذ زمن!

لكن وصفتي المفضلة دومًا هي عرق اللحمة الباردة، ليس لأنها تشبهني، بل لأنها تمثل كل ما أريد أن أكون عليه. يمثل عرق التريبيانكو المستخدم في الوصفة النقيض من هشاشتي، فهو يأتي من أخشن عضلة في الذبيحة وأكثرها سمكًا، وهو القطعية المثالية لتلك الوصفة، لأنه سيتحمل الحرارة، وعناء الإنضاج لساعات طويلة، ببساطة: سيتحمل التجربة.

يُلف العرق بخيط سميك من كل جوانبه، يخضع للتكتيف حرفيًا. السبب وراء تلك الخطوة أن يحتفظ بشكله المستدير بعد تعرّضه للحرارة. وبسكين حاد نُحدِث فجوات صغيرة في العرق، نحشوها بفصوص الثوم، وحبوب الفلفل الأسود الصحيحة. ثم نمسّد العرق كاملًا بالملح من كل الجهات. يمس الملح كل جروح عرق اللحمة المفتوحة.

في أكبر حلة نملكها، نضع كمية وفيرة من السمن. ننتظر حتى يذوب تمامًا، ثم نلقي بالعرق في الحلة كي يأخذ الصدمة الحرارية الأولى.

لسنوات كنت أظن تلك الصدمة تهدف لإكساب اللحم لونًا ذهبيًا، لكن مؤخرًا اكتشفت أن هدفها الأساسي حبس العصارة داخل اللحم. الصدمة إذًا تصقل العرق، تكسبه طعمًا غنيًا وتعزز من طراوته. أود في تلك الخطوة لو أنزل إلى القدر، أحتضن العرق وأمتزج به حد الالتحام فلا أفرّق بين صدماتي وصدماته. طعمه الغني سينفذ إلى أنسجتي، كل شيء سيكون بخير، كل هذا سينتج عنه وجبة لذيذة تسعد بطون أحبّتي. 

نضيف البصل والجزر وفصوص الثوم وورق الغار مع كوب من المياه. يفضّل البعض أن ينضج اللحم في الفرن، لكنني أرى في هذا تعجّلًا. في المقابل، أتركه في الحلة على نار هادئة، وأمهله كل الوقت اللازم كي يستوعب الأمر، مع إنعاشه بكوب من الماء بين الحين والآخر. 

عادةً تحتاج تلك الوصفة إلى أربع أو خمس ساعات، اعتمادًا على وزن العرق. وفي ذلك تربية لي أنا المتعجلّة دومًا، اللهوف التي تريد أن تعيش تجارب حياتها كلها في الخمس دقائق التالية، كي تقضي ما تبقى من عمرها بلا ترقّب ولا انتظار لشيء إلا الموت. تروّضني تسوية اللحم وتعينني على تقبّل الزمن كمتغير أساسي في المعادلة.

بعد نضج اللحم يُنقل إلى الثلاجة (مزيد من الصبر على الزمن)، أما المرق المتبقي الممتزج بالخضراوات، فيلزم الاحتفاظ به، ليس فقط لطعمه الفاخر، لكن لأن التكلفة الحالية لقطعية اللحم تلك تجعل التخلص من مرقها نوعًا من الاستهتار. لذا، بقليل من الخفق اليدوي وكثير من الحس الاقتصادي، سنعيد تدوير المرق في إعداد صلصة الجريفي لمصاحبة شرائح اللحم بعد تقطيع العرق. أحب فكرة أن لا شيء هنا يُهدر، حتى البقايا. كل شيء ينطوي على كنز مخفي، يحتاج إلى بعض البصيرة والكثير من الخيال لاكتشافه.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن