تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تُقرأ وتؤكل #18| إنقاذ السبانخ من سوء السمعة

تُقرأ وتؤكل #18| إنقاذ السبانخ من سوء السمعة

كتابة: أسماء الشاطر 8 دقيقة قراءة
تصميم مُهرة شرارة

#جو عام

في الوصفة 18 من السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، تحوّل أسماء الشاطر أكثر طعام تكرهه إلى أكلة جميلة، يتصل هذا التحول بما هو أبعد من الطبخ واجترار الذكريات، فهو عن منح الفرص ولذة الاكتشاف. ولنعود مع أسماء إلى البدايات، الأم وطبخها والنوبة ووصفاتها.    

#تُقرأ وتؤكل

ولدت أمي في مركز المحمودية بمحافظة البحيرة أقصى شمال مصر، حيث غيطان الخضراوات والأرز والقمح وبساتين الفواكه ومواسم جمع القطن ونهارات صيد القراميط وصفقات بيع اللب السوبر. 

في أغسطس 1976، تزوجها أبي واستقرا في قريته النوبية ومسقط رأسه، دِهميت، التي صارت بعد التهجير على بُعد نحو 60 كيلومترًا شمال مدينة أسوان، ولا ترى النيل.

كانت القرى النوبية وقتها نائية، صغيرة، فقيرة، الطرق إليها ومنها غير ممهدة تمامًا، تربتها رملية مالحة، وحتى المياه العذبة لم تكن قد وصلت للمنازل بعد.

حكت لي أمي أن عربة خضار وحيدة كانت تجوب شوارع القرية لتشتري منها جميع البيوت، فلم يعتد أهل النوبة على أسواق الخضار الدائمة. 

لكل قرية بائعها، يأتي مع كل شروق شمس بعربته إلى القرية التي حددها لنفسه. عبد الرؤوف الذي وعيت عليه كهلًا هو بائع قريتنا، يجوب طرقاتها منذ شروق الشمس وحتى انتهاء الخضار، أو عزوف النساء عن الشراء.

يوم: يلّا كوسة، ويوم: يلّا بتنجان، ويوم: يلا فاصوليا. قائمة طعام موحدة لكل القرية فإذا مر عبد الرؤوف بالكوسة، فكل القرية ستطبخ اليوم كوسة، وإذا مرّ بالفاصوليا فطبق اليوم حتمًا الفاصوليا الخضراء.

في ظل انعدام الوفرة والتنوع في بلدات الجنوب، لم أرَ الخرشوف مثلًا إلا في العشرين من عمري، لم أعتد محاشي الخضراوات، لم أتذوق القلقاس إلا عند خالتي في الإسكندرية إذا ما جمَّدت في الفريزر جزءًا منه في الشتاء لنأكله صيفًا عندما تتجمع الأسرتان، لعلمها أن أمي تفتقده. وهكذا أفعل أنا الآن بعد انتقالي بالزواج إلى الإسكندرية، أصبحت أُفرزن القلقاس شتاءً لأطبخه لإخوتي حين يأتون إليّ من الجنوب صيفًا.

الصمود من سمات أبناء القرى، أما أبناء المدن فلديهم من التنوع والوفرة ما يجعلهم ملولين ومحبين للتغيير، لذا لم تستسلم أمي لهذه المحدودية، فكانت تذهب مرة أسبوعيًا إلى سوق مدينة كوم أمبو لتشتري خضارًا لم يمر به عبد الرؤوف، أو ربما سمكًا بلطيًا أو بياضًا، أو ممبارًا مما لا يستخدمه الجزارون في أسوان وقتها، لتجد الأسرة أن قائمة طعامها اتسعت قليلًا. 

كانت لدينا منظومة ثابتة من الطبخ: أرز ونوع من البروتين وطبيخ أحمر وآخر أخضر. 

نحن نطلق كلمة طبيخ على كل ما هو مطبوخ وليس ما طُهي بالصلصة الحمراء فقط، خلافًا لمنطق صديقتي السكندرية التي أصرت في أحد النقاشات أن الطبيخ «هو اللي بنعمْلّه صلصة طماطم يا أسماء»، وبعد محاولات عدة انتهينا إلى أن الطبيخ هو ما يتم تشويح البصل من أجله. إذا شوحت بصلًا لأي سبب، فأنا طبخت. 

في الجنوب المصري، صعيدًا ونوبة، هناك تفرقة بين طبيخ أخضر وآخر أحمر. فالويكا (البامية المفروكة) طبيخ أخضر مقابل طاجن البامية الحمراء التقليدي. 

وفي النوبة، الطبيخ الأخضر هو بالأساس أي نوع من الأوراق الخضراء كالملوخية أو السبانخ أو ورق اللوبيا، يُطهى في أي شوربة متاحة، وتُستخدم أداة خشبية صليبية الشكل تعرف بـ«المفراك» لهرس أو فرك الأوراق في الشوربة بعد أن تغلي، ثم تُضاف إليه تقلية الثوم لتزيد الطعم حرشةً. وإن وُجدت بعض البامية المجففة المطحونة تزود في أثناء الطبخ لتغليظ قوام الأكلة قليلًا كتفضيل شخصي.

تُعرف كل أنواع الطبخات الخضراء في القرى النوبية الناطقة باللهجة الكنزية بـ«الجاكود»، بينما تُعرف في القرى الناطقة باللهجة الفادجيكية بـ«الإتِّر». وهي تؤكل إما بالأرز الأبيض كالملوخية المصرية العادية، وإما بالخبز النوبي المرقوق بنوعيه «الكسرة أو الكابد». مطبخ فقير لندرة الموارد.

في هذا الإطار وعيت على السبانخ، أخضره وأحمره، ونشأت مثل معظم بنات جيلي لا أطيق السبانخ، لا طعمًا ولا ملمسًا، ولا أحب اليوم الذي تُطبخ فيه. بينما أمي -وبشهادة الجميع- كانت أفضل مَن تطهو السبانخ باللحم والصلصة الحمراء في قريتنا كلها. تجيد أمي انتقاء الحبوب التي تضيفها للسبانخ،  فمرة تختار الأرز، و مرة اللوبيا أم عين سودا، وأحيانًا تضع بعض الفريك المنقوع لتزيد الأمر غرابة. تطهوها أحيانًا مرتين في الأسبوع لأن «أبوكي بيموت فيها» هنا يسود الصمت البيت كله، فكيف أجادل أمي «وأبويا بيموت فيها»، ولكن لم يغير هذا أبدًا من كونها أكلة سيئة المذاق والسمعة بالنسبة لي. 

كبرت الطفلة الكارهة للسبانخ ومعها بالمرة الكوسة والفاصوليا الخضراء. لم أحبها في طفولتي، ولم أقتنع بفوائدها في مراهقتي، وكنت ألجأ إلى حيلة الأطفال الأشهر بأن أنتقي الصلصة الخالصة دون الخضار وأمزجها بالأرز، لتجنب نصائح أمي المستمرة وتكرار نفس الجمل المحفوظة، ولكن حتى هذه الحيلة لم تنجح مع السبانخ مثلما نجحت مع الكوسة والفاصوليا.  

وفي رحلة عمل إلى القاهرة في 2013، اصطحبني صديق إلى «سيموندس» لتناول الإفطار. وسيموندس -لمَن لا يعرفه- هو مكان في القاهرة يقدم القهوة والمخبوزات الساخنة. ولثقتي في اختيارات الصديق طلبتُ منه أن نفطر على ذوقه. فذهب ليطلب لنا قهوة وكرواسون وعاد سريعًا.

طلب لي كرواسون جبنة، ولنفسه باتيه بالسبانخ.

- سبانخ؟ إزاي يا عمرو سبانخ في الباتيه؟

- أنا عارف إنك مبتحبيش السبانخ.. بس دوقي.. ده شكل مختلف يمكن يعجبك.

أحسستُ بشيء من الفضول للتجربة، وغالبًا كانت تلك هي اللحظة الفارقة في محبتي لتجربة الطعوم الجديدة وحب دخول المطبخ وتجريب أشياء مختلفة ومتنوعة. 

قضمتُ الباتيه، تذوقتُ طعم العجين الطري الشهي الساخن، لكنني لم أجد سبانخ، أو بالأحرى لم أجد طعم السبانخ الذي اعتدته.

أكملتُ مخبوزة السبانخ للنهاية باستمتاع شديد، وطلبت من صديقي أن يأكل هو كرواسون الجبنة، فرد ضاحكًا: قلتلك هيعجبك. طلبت واحدًا آخر بالسبانخ لآكله لاحقًا، لأصدق أنها ليست فرحة البدايات فقط.

اتصلت بأمي على الفور لأخبرها أنني أكلت سبانخ يا ماما، امتعضت طبعًا وبادرتني قبل أن أكمل كلامي: «مين بيعملها أحسن من أمك؟»، أمي من مواليد برج الأسد، وبالطبع لا أحد يجرؤ أن يفعل الأشياء أفضل منها. فرددت مُسرعة بأنني «أكلتها في باتيه في مخبز يا ماما.. محدش يقدر طبعًا» فتمتمت أمي كالعادة بما معناه إنني كائن غريب الأطوار.

في 2018، تزوجت وانتقلت إلى الإسكندرية لأبدأ رحلة عكس رحلة أمي، هذه المرة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال. من المحدودية والأكلات المتكررة إلى التوتر من كثرة التنوع ووفرة المعروض. 

بحماس المتزوجين حديثًا، والوافدين للمدينة حديثًا أيضًا، وبكل إصرار الفتاة على إظهار أنها الأجدر والأشطر أذهب يوميًا للسوق، أجلب خضراوات متنوعة، وأطهو يوميًا مثلما كانت تفعل أمي. كنا في شهر فبراير، والشتاء هو موسم السبانخ لمَن لا يعرف. فلا بد وأن ينتهي مشوار السوق يوميًا بحزمة سبانخ طازجة، فقد تعلمت من يوم الباتيه أنها ليست النبتة سيئة السمعة، لكنها للأسف الطبخة، فمَن هذا الأحمق الذي أضاع طعم هذه النبتة في طعم صلصة الطماطم؟ 

منذ 2013 لم أضف الصلصة للسبانخ أبدًا، طبختها مرات عديدة بأشكال مختلفة، مرة كيش مع قطع الفراخ والجبن الكريمي، أو مع المكرونة والصوص الأبيض، ومزجتها بالمانجو والموز مرات عديدة.

بعد العودة من السوق أفتح اليوتيوب بحثًا عن طرق لطبخ الخضراوات التي جلبتها. وفي إحدى المرات صادفت طريقة شوربة الخضار المطحون بالشوفان. وسألت نفسي عما هو الخضار المطحون، فتحت الفيديو متحمسة لأجدها شوربة خضار بسيطة ضُربت في الخلاط مع شوفان، المقصود المخفوق وليس المطحون، فالطحن هو صفة للأشياء الصلبة وليس الخضار. ألهمتني الوصفة بفكرة الخفق، والاحتفاء بغرامي المتأخر بأوراق السبانخ، فاخترعتُ وقتها وصفة حساء من تلك النبتة الخضراء الأكثر ثراءً مع قليل من الشوفان وكريمة الطهو.

لدي ثوابت في الطهو نادرًا ما أحيد عنها، فالخضار دائمًا يشوّح مع بصلة صغيرة في قطعة زبدة وملعقة سمن بلدي، أو في زيت جيد. ثم تقرر ما إذا كان سيتحول في النهاية إلى سوتيه أو خضار بصلصة، فصدمة الخضار مع البصل في البداية تجعله يحتفظ بطعمه ولا يمتزج كلية بالإضافات، خصوصًا الصلصة. 

إن كان هناك داعي للصلصة، فالصلصة يجب أن تُصنع على مهل، يشوح البصل أولًا حتى يصفر، لكن لا تضع الطماطم على البصل المشوح، فالطماطم قوية الطعم والشخصية، تضفي طعمها ولونها على ما تمتزج به، لكي ندمجها بالبصل نضع قليلًا من الملح والماء فوق البصل المشوح أولًا، ثم نسكب عصير الطماطم أو الطماطم المبشورة، فتمتزج الطماطم مع صوص البصل، فتكوّن طعمًا مختلفًا للصلصة. 

قطعة من الفلفل الأخضر وفصان من الثوم مع الطماطم المعصورة أو المبشورة، قد تغير طعم الصلصة للأفضل.

أحضر المكونات: السبانخ والزبدة والليمون وزيت الزيتون وشوفان وكريمة، وثوم وبصل، وأبدأ رحلتي للطهو.

أقطع السبانخ بعد غسلها جيدًا دون الاستغناء عن الأعواد. أقطع الربطة كاملة، ثم أضع الزبد في الحلة على نار متوسطة. أضع بعض البصل المفروم في الزبد، مع تصاعد رائحة البصل المشوح أضيف القليل جدًا من السكر. أقلب البصل جيدًا ثم أقلب لآخر مرة قبل وضع السبانخ. تقليبتان  إضافيتان لتمتزج السبانخ بالبصل، أتركها معًا.. أخفض النار وأغطي الحلة.

وخلال تناولي فنجان القهوة، مرت السبانخ بمراحلها في التسوية «نزلت ميتها وشربت ميتها تاني استوت فيها» هذا ما شرحته لي ماما لاحقًا. 

الطبخ في هذه الآونة كان وليد اللحظة بالنسبة لي، وضعت قليلًا من كريمة الطهي. أحسستُ بدسامة زائدة، زودت القليل من الشوربة، فتخلصت من إحساس الدسامة. أضفتُ فصي ثوم، والخليط صببته في الخلاط، زودت ملعقة شوفان، ثم ضربت المزيج، وضعت جزءًا في بولة الغرف، طعم غني وشهي جدًا. سبانخ ليست في المخبوزات، لكنها شهية أيضًا. والنتيجة: حساء السبانخ المخفوقة مع الشوفان والكريمة جيد جدًا، وهو شهي لدرجة أنني التهمت البولة بأكملها في مرحلة التذوق.

ثم تساءلتُ مرة أخيرة: مَن الأحمق الذي أضاع طعم هذه النبتة بوضعها في الصلصة؟

ملحوظة: يمكنكم إضافة قطع من الكوسة والفلفل الأخضر مع السبانخ والبصل في أثناء التشويح لزيادة القيمة الغذائية.

 For healthy recipes:

  • يمكنكم استبدال كريمة الطهي بالجبن القريش، وستعطي نفس الطعم. 
  • لحساسية اللاكتوز، يمكنكم التخلي عن الألبان والاكتفاء بالشوربة والشوفان. 

للترويق أو الترويح عن النفس، يمكنكم إضافة جبنة براميجان مبشورة على سطح بولة الشوربة بعد الغرف.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن