تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«تلات ستات»: أثر القراءة أهم

«تلات ستات»: أثر القراءة أهم

كتابة: تامر فتحي 6 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

هذا النص ضمن العدد #01 من «مُنتهى الأدب».

بعد أن انتهيتُ من كتاب تلات ستات ظللتُ، لبضعة أيام، أعاني من كآبة لا أعرف كيفية تجاوزها. بالتأكيد لم أكن أتصور أن مطالعة سيّر ثلاث عاملات في الجنس ستكون أمرًا ممتعًا، لكني لم أتخيّل كذلك قدر المشاعر التي ولدتها القراءة. 

السبب وراء ذلك يعود إلى هذا الاتفاق الضمني الذي يعقده الكاتبان مع القراء في مقدمة الكتاب: أن كل ما ستقرأه هو واقع مخيّل أدبيًا، وليس خيالًا مُستلهمًا من الواقع. الواقع هنا هو المبعث الأساسي للكتابة. كذلك الإشارة إلى أن الكتاب نتاج سنوات عدّة من العمل على تقرير صحفي، وفيلم وثائقي. هذا فضلًا عن أن المؤلفين صحفيان أي يتعاملان مع الوقائع والأدلة والمصادر.

caption

كل هذا يدفعك إلى تقديم الواقع على الخيال ووضعه أمامك عند القراءة. رغم أن المقدّم هو واقع منقوص، فلا أسماء حقيقية هنا، ولغة الحكي لا يمكن أن تصدر إلّا من شخصيات لها علاقة بالأدب، كما أن الأحداث عُولِجت وأُعمِلت فيها تقنيات السرد القصصي بحذف وإضافة وتقديم وتأخير، إلا أن ذلك لا يقف أمام استقبالك لهذا الواقع بكل تفاصيله وما ينقل إليك من معارف حول مهنة قلّما اقترابنا منها ومن العاملين فيها.

ومع استخدام الكاتبين لتقنية ضمير المتكلم في السرد، يتورّط القارئ أكثر في الواقع المسرود، وتدريجيًا ينتقل إلى عوالم سمرا، وعفاف، وانشراح. وهنّ شخصيات نمطية في حد ذاتها وتبدو قصصهن كإعادة تدوير لما قُدّم في الدراما التليفزيونية والسينمائية، حبيب غدر بمحبوبته، ثم معلمة قوادة، ومصير محتوم لمَن تنال أجرًا مقابل الجنس. غير أن السرد المتدفق والكاشف بتفاصيله ولغته الجريئة -رغم محاذير النشر- ينجح في نقل فجاجة وقسوة هذه العوالم بشكل واقعي ويلفت النظر إلى سوق الرغبة المستعر تحت غطاء التدين الظاهر.

caption

يحاول «تلات ستات» أن يقف عند الحد الفاصل بين الأدبي وغير الأدبي، بين القصة الأدبية والصحفية (الفيتشر). وهو توجُّهٌ زاد مؤخرًا في الكتابة المستقصية بحثًا في الذات أو خارجها، إذ يتكئ النص على لغة أدبية من ناحية قد تصل إلى الغنائية أحيانًا ولغة خبرية استقصائية أو تحليلية أحيانًا من جهة أخرى. واستخدام الأدب بغرض نقل المعلومات في حد ذاته غرض قديم من أيام «الشعر ديوان العرب» وأيام ما كان يطلق على القصص أخبار، غير أن الشق الخبري الاستقصائي المتأمل أو التحليلي في هذه الكتابة هو العنصر الجديد المحرك الذي يعكس تطور أدواتها ووعيها من خلال إعادة النظر في كثير من المسلمات،  وهذا ما يغيب عن «تلات ستات»، فرغم الديباجة الأولى الشارحة لطبيعة العمل التوثيقي والصحفي إلّا أن الكتاب بدونها يصبح مجرد مجموعة قصصية. فالصوت الصحفي الاستقصائي، غير موجود، فلا معلومات أمامنا، ولا استقصاء حول حيوات عاملات الجنس وظروف عملهن، ولا تأمّل في ميكانيزم الرغبة وطبيعة سوقها وروادها وما يكشفه ذلك من أزمات جندرية عاصفة في مجتمعنا. ولغياب هذا الجزء، غابت الحركة داخل الكتاب، الحركة الناجمة ليس عن تلاحق الأحداث بل عن استقصاء الأماكن ولقاء مصادر أخرى، حركة الميداني في العمل الصحفي، وهذا ما يعطي الكتب غير الأدبية صفة الكتب الصحفية.

يعتبر كثيرون كتب صلاح عيسى وفواز طرابلسي كتبًا صحفيةً، إلا أنها من هذه الزاوية لا يمكن اعتبارها كذلك، رغم وجود تخييلٍ سردي قائم على ردم الفجوات التي تسقط من الأرشيف التاريخي المدون، وبحثٍ يعكف عليه الكاتب الباحث بالأساس وليس الصحفي.  هذه الكتابة البحثية تعتمد في المقام الأول على استنطاق الأرشيف، الدراما المقدمة هنا منشأها إعادة قراءة التاريخ، أو سرد المسرود من قبل في السجلات. في حين تعتمد الدراما في الكتاب الصحفي على الحركة الميدانية الاستقصائية ومن تلتقيه من مصادر وما تقابله من إخفاقات ونجاحات وما يتكشّف لها في أثناء رحلتها حتى تتحصّل على حقيقة الواقع المستهدف. 

الحقيقة أن دور هذه الحركة إنما هو توسيع دائرة النظر، أو الزووم أوت، الذي يمنح القارئ رؤية أكبر وأعمق أحيانًا بعد الرؤية المقرّبة، أو الزوم إن، التي تصنعها الكتابة الأدبية التي تقترب كثيرًا من الشخوص لدرجة أنها تحكي بألسنتهم. 

وبسبب عدم اتساع المنظور، غابت تفاصيل في الكتاب تتعلق بطبيعة العمل في الجنس، إذ يوجد في قصة سمرا نموذج للعمل داخل مؤسسة هي هنا بيت الدعارة، وفي قصة عفاف نجد نموذجًا لرائدة أعمال تفتح بيت دعارة في ليبيا، في حين في قصة انشراح يظهر نموذج الفريلانسر. كذلك بخلاف قصة انشراح وحادثة ختانها والمتابعة الطبية، لا يتعرض الكتاب مثلًا للمشاكل الصحية وطبيعتها وكيفية علاجها دون أي غطاء تأميني باعتبارها إصابات عمل، وغيرها من التفاصيل الأخرى. 

ويبدو أن الكاتبين احتارا في تصنيف كتابهما، ففي الوقت الذي يقولان فيه: «ھذه كتابة لیست مشغولة بتصنیف نفسھا، وأن كتابنا لیس أدبًا یصور خیالًا ممزوجًا بالواقع، كما أنه لایقدم سردًا أدبیًا لعالم خیالي أو مستلھم من الواقع، ولا هو أيضًا سیرة ذاتیة لمشاھیر»، نجدهما يخلُصانِ إلى أنهما «اتفقنا أن تكون كتابتنا في سیاق السیرة الذاتیة الأدبیة، أو السیرة الأدبیة». 

غير أن هذا التناقض بين نفي الأدب وتأكيده، يرجع هنا -كما أكّدا- إلى أهمية نقل الحقيقة بالأساس وليس الخيال، وأن الخيال إنما استُخدِم لتوريط القارئ في مشاعر وصلت لهما أثناء الحكي مع مصادر القصص.

لذا جاءت جرعة المشاعر التي تقدمها اللغة وأصوات العاملات في الجنس بكل تفاصيلها كثيفة ومؤلمة وجعلت الكتاب يحقق ما هو أكثر ثقلًا وتأثيرًا من معرفة المعلومات، وهو الإدراك المشاعري وانتقال الأحاسيس والصدمات النفسية الناجمة عن العمل في الجنس إلى وجدان القارئ. ولم يقف كون الكاتبين من الذكور أمام تدفق المشاعر الأنثوية ووصولها للقارئ، هذه المشاعر التي قد يعتقد البعض أنها ستكون أكثر مصداقية لو كتبتها امرأة.   

غير أن كون الكاتبين من الذكور ساعد من ناحية أخرى على تسليط الضوء أثناء الحكي على إشكاليات الذكورة المهيمنة في مجتمعنا التي تنظر إلى الجنس على أنه غزوة أو صراع لفرض القوة، وإلى العضو الذكري على أنه مطواة أو سلاح لا بد أن يكون كبيرًا ومشهرًا، وإلى أي امرأة على أنها استحقاق. بل أن حقيقة أنهما ذكران تعطي زخمًا لحكايات عاملات للجنس، وتنقذ الكتاب من اتهامات نمطية من نوعية «أن المرأة تتعاطف طبيعيًا مع امرأة مثلها»، وهو ما قد يستفز أكثر قراء الكتاب من الذكور ويضع قطاعًا كبيرًا منهم أمام حقيقة أزماتهم الجندرية، ويكشف استعار الرغبة تحت القشرة الخارجية التي تفرضها المركزية الطبقية تحت مسمى الفضيلة.

لذا فهو كتاب صادم قد يزعج قطاعات محافظة ويخدش حياءها، وهو ما جعل الناشر يقيّد قدر المستطاع جراءة اللغة ويضع نجومًا فوق بعض الكلمات ويحدّ من صراحة حكي الشخصيات خشية المصادرة وتفجُّر أزمة رقابية حول الكتاب، كما ذكر الكاتبان في المقدمة إلى أنهما اضطُرا إلى تعديل وتخفيف اللغة لعدم المسألة القانونية. كما أن الغلاف لم يحمل ما يدل على المحتوى، وجاء العنوان عاديًا لا يقول شيئًا عما هو موجود في الداخل: «تلات ستات: سيرة من ليالي القاهرة». في سياقات أخرى كانت ستقدم قراءات ومناقشات حول الكتاب في دوائر أوسع لفهم أعمق لكن يبدو أن علينا كلما ألقينا حجرًا في ماء راكد، أن نفعل هذا في صمت كي لا ينتبه الجميع!

لقراءة اشتباك آخر مع الكتاب ضمن العدد نفسه من «مُنتهى الأدب» اضغط هنا.

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن