«تعليق الاستيراد».. ما بين حماية السوق المحلية ومخالفة قواعد «التجارة العالمية»
مطلع الأسبوع الجاري انتشر خبر صدور قرار بحظر استيراد مئات السلع من عدة شركات ومصانع أجنبية، تشمل «المراعي» السعودية، و«يونيليفر» البريطانية، ومنتجات تركية وإيطالية شهيرة. أثار الخبر قلق المستهلكين، خاصة مع ربطه بالأوضاع الاقتصادية المضطربة، إلا أن وزارة التجارة والصناعة سرعان ما أوضحت أنها لم تمنع استيراد تلك المنتجات، وإنما أوقفت استيرادها مؤقتًا.
بحسب بيان الوزارة، تم تعليق استيراد منتجات تلك الشركات لحين توفيق أوضاعها وتجديد شهادات الجودة اللازمة للسماح لها بتصدير منتجاتها للسوق المصرية، وفقًا لقواعد التسجيل بالهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، التي حددها القرار رقم 43 لسنة 2016، موضحًا أن تلك الشركات سيكون عليها تجديد شهادات الجودة اللازمة بناءً على القرار 195 لسنة 2022، الصادر في مارس الماضي، بتعديلات في قواعد التسجيل التي أقرها القرار 43.
كانت الوزارة أدخلت في مارس الماضي تعديلات على القرار 43، رأى سكرتير عام شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية، محمد رستم، أنها تسهم في تسريع الحصول على الموافقة على واردات مصر من السلع التي تضمنها القرار، بعد أن كانت الإجراءات القديمة طويلة ومُعقدة بشكل ساهم في إحجام المستثمرين عن الدخول في شراكات تجارية في مصر.
وتوقع رستم في حديثه لـ«مدى مصر» أن تحرك التعديلات اﻷخيرة المياه الراكدة في ملف الاستيراد، شريطة إسراع المستوردين بتسجيل المصانع والشركات الراغبة في تصدير منتجاتها للسوق المصري.
من جانبه، رأى رئيس شعبة الأجهزة المنزلية والكهربائية بغرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، أن الوقت لا يزال مبكرًا لقياس مدى نجاح التعديلات الجديدة في القضاء على أزمة الاستيراد، موضحًا أن من بين عشر شركات تتقدم للحصول على التسجيل، واحدة فقط تنجح في إتمام الإجراءات.
وأضاف هلال أن التعديلات لم تتطرق لبعض النقاط الجدلية في القرار الأساسي؛ مثل أحقية الوزير المختص في إعفاء بعض الشركات بدون إبداء أسباب لفترة مؤقتة أو دائمة، وهو في رأيه، ما يمكن أن يؤثر على تنافسية المنتجات الموجودة في السوق المصري.
كانت مصر قد بدأت في تقييد عمليات الاستيراد مع بداية 2016، حين أصدر وزير التجارة والصناعة في ذلك الوقت طارق قابيل قرارًا يلزم المصانع والشركات الراغبة في توريد منتجاتها للسوق المصري بالتسجيل بهيئة الرقابة على الصادرات والواردات. وشمل القرار لائحة بضائع تضم: السلع الزراعية، والغذائية، ومستحضرات التجميل، والألعاب، والمنسوجات، والملابس، والأجهزة المنزلية، والأثاث، والسيراميك.
وقت إصدار القرار 43، وصفه مسؤولو الوزارة بأنه يعمل على تنظيم السوق المحلية، واعتبر رجال أعمال مصريون أنه يعمل على حماية الصناعة الوطنية، غير أن كلا الرأيين لم يكونا كافيين لإيقاف الهجوم الحاد من قبل المستوردين، الذين طالبوا رسميًا بإلغاء القرار، بخلاف إشارتهم لعدم وجود صناعة وطنية متكاملة في مصر، واعتماد الصناعة المصرية على استيراد مدخلات إنتاج. واعتبر المستوردون أن القرار لم يراع البعد الاجتماعي للمستهلك المصري وقوته الشرائية، كونه يساهم في احتكار فئة معينة من رجال أعمال وكلاء الماركات العالمية في مصر، ويستبدل 850 ألف مستورد شرعي وقانوني على مستوى الجمهورية بـ200 إلى 300 محتكر من وكلاء الماركات العالمية بمصر.
بحسب أشرف هلال فإن قرار 43 كان يهدف بالأساس لحماية احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي، بعد انخفاضه بشكل كبير وصولًا إلى نحو 16 مليار دولار فقط في يناير 2016. لكن، وبرغم حسن نية الوزارة، على حد تعبير هلال، شجع ذلك الإجراء على قيام سوق سوداء للتجارة وتهريب البضائع المستوردة، وهو ما ساهم في المزيد من إهدار العملة الصعبة.
مطالبات المستوردين لم تثن الحكومة عن قرارها، بل أنها وضعت قيودًا أخرى على الاستيراد من خلال مزيد من القرارات التي ساهمت في خفض عدد المستوردين ورفع تكلفة الاستيراد؛ كرفع حد رأس المال لقيد المستوردين، لتستمر مطالبات المستوردين برفع تلك القيود لفتح مجال للمنافسة في التجارة العالمية.
مصدر مطلع بحركة التجارة بين مصر ودول العالم، قال لـ«مدى مصر» إن القرار منذ البداية كان يهدف لكبح جماح الاستيراد الذي يستهلك العملة الصعبة المحدودة في مصر. ولذلك، فإن تطبيقه -والاعتراضات عليه- خضع لتغيرات السوق. فمثلًا، بعد حصول مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار في نوفمبر 2016، شهدت الشركات المستوردة هدوءًا نسبيًا مقارنة بالفترة التي سبقتها، كما قلت أيضًا الاعتراضات التي وجهها المستوردون للحكومة. لكن، ومع بدء أزمة جديدة في توافر الدولار مع انتشار فيروس كورونا في 2020 و2021، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا هذا العام، سعت الحكومة لتقييد استيراد السلع من الخارج للحفاظ على موارد الدولة الدولارية، حسبما يشرح المصدر.
الاعتراض على تقييد الواردات لم يقتصر على المستوردين، بل امتد للحكومات اﻷجنبية التي تصدر شركاتها منتجات لمصر. بحلول 2018، كانت عشر دول على الأقل قد تقدمت باستفسارات حول سياسات مصر التجارية والإصلاحات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة، وتأثيرها على العلاقات التجارية المتبادلة. وأجمعت تلك الدول على أن قرارات تقييد الاستيراد من أهم عوائق التبادل التجاري، وتسبب تعقيدًا في إجراءات التسجيل.
برغم اعتراضات الحكومات والمستوردين، أصدرت وزارة التجارة والصناعة في 2019 القرار 44، الذي أضاف المزيد من السلع للقائمة التي تتطلب تسجيلًا في الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، للسماح باستيرادها.
بنهاية 2019، أتت نيفين جامع وزيرة للتجارة والصناعة. وفور توليها الوزارة، سارعت إلى طمأنة المستوردين أن القرار تحت الدراسة، ثم قالت في 2020 إن القرار 43 وملحقه «44» صدرا «دون مرجعية تطبيق أو عمل»، مضيفة أن وزارتها تعمل على تجهيز رؤية لكيفية تطبيق هذا القرار، بالرغم من استمرار العمل به.
لكن، وعلى الرغم من مرور نحو عامين على توليها الوزارة ووعودها للمستوردين، اتجهت جامع لوضع المزيد من القيود على الواردات. بقرارات شملت حظر استيراد قطع الغيار والأجزاء المفككة بغرض التصنيع، والذي ألغته بعد أسبوع فقط من إصداره، بعدما ووجه باعتراضات واسعة.
بعد استجابة الوزارة للضغط، كرر المستوردون مطالباتهم بإلغاء القرارين 43 و44، من خلال لجنة التجارة الخارجية بالشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، التي قال رئيسها أحمد الملواني، إن القرارين تسببا في ارتفاع الأسعار واحتكار السوق المصري من قِبل فئة قليلة من المستوردين الذين تمكنوا من تسجيل المصانع، ليتمكنوا بذلك من التحكم في الأسعار في ظل غياب المنافسة.
وبينما جادلت الحكومة أكثر من مرة أن الباب مفتوح أمام الجميع لتلقي طلبات تسجيل المصانع، قال هلال إنه منذ 2016 تقدم لتسجيل ثلاثة مصانع يستورد منها أجهزة منزلية وكهربائية، لكنه -حتى منتصف أبريل 2022- لم يتلق أي رد سواء بالموافقة أو الرفض من الهيئة، وهي شكوى تكررت من مستثمرين آخرين.
على الجانب اﻵخر، وفي بداية العام الجاري، بدأ الاتحاد الأوروبي إجراءات قانونية أمام منظمة التجارة العالمية ضد مصر بشأن نظام تسجيل الواردات. وقال المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، إن تلك القيود على الواردات «غير قانونية» بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، معبرًا عن أسفه لعدم تحرك مصر لإزالتها رغم المطالبات المتكررة.
ويعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمصر، باستحواذه على 24.5% من حجم التجارة المصرية في عام 2020، وتستورد مصر أكثر من ربع وارداتها من الاتحاد، فيما تبلغ صادرات مصر إليه نحو 21.8%.
المفوضية الأوروبية، التي تشرف على السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي، قالت إن صادراتها لمصر من 29 فئة من السلع، انخفضت 40% بعد أن فرضت مصر هذه الاشتراطات على تسجيل الواردات في 2016، مشيرة إلى أن عملية التسجيل عشوائية وقد تستغرق أعوامًا.
من جانبها، وفي بيان على لسان مصدر لم تسمه، اعتبرت وزارة التجارة والصناعة أن ما قام به الاتحاد الأوروبي هو تقديم طلب للمنظمة لبدء مشاورات مع الحكومة المصرية للتوصل إلى حلول في ما يخص هذه الاشتراطات، دون أن ترد بشكل واضح على مطالبات الاتحاد الأوروبي. وبعد هذا بنحو شهر، انضمت روسيا للاتحاد الأوروبي في مطالباته.
بحسب منظمة التجارة العالمية، تبدأ الإجراءات القانونية أمامها بمشاورات بين الطرفين لمدة 60 يومًا، وإذا لم ينجح الطرفان في حل الخلاف يمكن للاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت أن يطلب من لجنة تابعة للمنظمة البت في الأمر.
حال وصول المنازعات إلى تلك الخطوة، تكون المنظمة لجنة تابعة لها خلال 45 يومًا، ثم تبدأ في بحث النزاع خلال ستة أشهر لتقدم بعدها توصياتها للحل، وهو الإجراء الذي يستغرق نحو عام وثلاثة أشهر إذا طعن أحد الأطراف في التوصية. وبالرغم من قدرة المنظمة على إصدار أحكام ملزمة قد تبدأ من تغيير الاشتراطات التجارية وتصل إلى العقوبات الدولية، فإن المشاورات يظل لها الأولوية في تسوية المنازعات.
قبل انقضاء مدة الشهرين، اجتمع ممثلو هيئة الرقابة على الصادرات والواردات مع سفارات عدة دول، منها هولندا والولايات المتحدة، لبحث أثر القرار 43 وما تبعه. وبعدها بأيام، أصدرت جامع قرارًا بتعديل بعض أحكام وبنود القرار، لتسمح للشركات والمصانع بالتقدم لتسجيل منتجاتها بشكل فوري، على أن ترد الوزارة بقرار نهائي خلال 15 يومًا.
ياسر جابر، رئيس الإدارة المركزية للعلاقات العامة والإعلام وخدمة المواطنين بوزارة التجارة والصناعة، قال لـ«مدى مصر» إن قرارات الوزارة تهدف للحفاظ على «مصلحة الدولة العليا»، رافضًا التعليق عليها للصحافة، برغم تأكيده أن «ما عندناش حاجة نخبيها».
جابر اكتفى بالإشارة إلى أن مهلة الـ60 يومًا التي تحتاجها المفاوضات أمام منظمة التجارة العالمية لم تنته بعد، إذ أنها تبدأ من بدء المفاوضات وليس من وقت تقديم الطعن، لكنه رفض الإجابة عما إذا كانت المفاوضات قد بدأت بالفعل.
أما المصدر المطلع على حركة التجارة، فقال إن مصر بدأت بالفعل مفاوضات مبدئية مع الاتحاد الأوروبي لحل أزمة الطعن المقدم ضدها في منظمة التجارة العالمية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إقناع الاتحاد بصلاحية القيود التي فرضتها على الاستيراد، مشيرًا إلى أن وزارة التجارة والصناعة تحاول الآن الاستمرار في مسار المفاوضات أثناء سعيها لتأمين مصادر إضافية من العملة الأجنبية، سواء عبر قروض مباشرة أو من خلال أدوات الدين الحكومية، تسمح لها باستمرار الاستيراد، وهو ما قال المصدر إن الحكومة تتوقع الانتهاء من ذلك قبل نهاية يونيو المقبل.
تقارير ذات صلة
سوق السيارات يرجع إلى الخلف
تراجع سوق السيارات في مصر بعد قرارات حكومية صدرت خلال السنوات القليلة الماضية
كيف تؤثر العقوبات الاقتصادية على روسيا.. ومصر؟
منذ بداية الأزمة الروسية اﻷوكرانية لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تهديد موسكو بعقوبات اقتصادية. وبعد بداية الغزو رسميًا، أصبح التهديد واقعًا، مع قرارات اتخذتها دول التحالف اﻷمريكي-اﻷوروبي للضغط على روسيا…
ماذا يعني تراجع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.. وهل نقلق؟
صافي الأصول الأجنبية هو حجم ما تملكه البنوك من العملة الأجنبية مخصومًا منه التزاماتها بالنقد الأجنبي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن