ترشيحاتنا لأهم أفلام الدورة الـ17 لبانوراما الفيلم الأوروبي
من 28 نوفمبر إلى 7 ديسمبر في «زاوية» و«الزمالك»
من 28 نوفمبر – 7 ديسمبر نكون على موعد مع الدورة الـ17 لبانوراما الفيلم الأوروبي، وأفلام منتقاة من أهم المهرجانات السينمائية الأوروبية لهذا العام. تختلف هذه النسخة في استحداثها أقسامًا جديدة تدعو المشاهدين «للتعرّف على الأفلام برؤية مختلفة في ضوء الأقسام الجديدة واكتشاف كيف تتناسج وتتحاور سويًا». عبر 40 فيلمًا تتوزّع على خمسة أقسام، هي «الأرض» و«الهواء» و«الماء» و«النار»، بالإضافة لقسمٍ خاصّ يضمّ فيلمين قصيرين للفرنسي ليو كاراكس. يُعرض البرنامج الكامل للبانوراما في سينما زاوية وسينما الزمالك بجانب بعض العروض المختارة في سينما أركان، وبوينت 90، وجيزويت الإسكندرية.
نقدّم هنا ترشيحاتنا لأهم أفلام هذه الدورة، لنساعدكم في تنظيم جدول المشاهدة. بعد تحديد اختياراتكم، يمكنكم الاطلاع على جدول العروض هنا، وحجز التذاكر أونلاين هنا.
«المادة/ The Substance» (المملكة المتحدة وفرنسا) - 140 دقيقة
إخراج وكتابة: كورالي فارجا

«أنت، ولكن أفضل في كل شيء»، هذا هو وعد المادة التي تعطي الفيلم عنوانه: منتجٌ ثوري يعتمد على انقسام الخلايا، ما يخلق -بشكل مؤقت- نسخة بديلة أصغر سنًا وأكثر جمالًا وكمالًا.
أحدثَ الفيلم هزّة في قصر المهرجانات، حين عُرض للمرة الأولى في مهرجان كانّ السينمائي منتصف العام الجاري، معيدا للأذهان الجدل المثار حول فيلم فرنسي آخر توّج بالجائزة الكبرى لنسخة 2021، «تيتان» لجوليا دوكورنو. والحقيقة أن كورالي فارجا تضاعف الرهان الذي بدأته مواطنتها في قصص الأحشاء والدماء، لتقدّم هجاءً شرسًا للتحولات المتطرّفة التي ترغب بعض النساء في تنفيذها على أجسادهن من أجل الاستمرار في الاستجابة للتفويض المهيمن والأبوي الذي لا تزال تفرضه وسائل الإعلام.
فيلم فارجا -التي جذبت الانتباه بالفعل بفيلمها الأول «انتقام» (2017)- يأتي أيضًا بمفاجأة، فهو يمثّل عودة ظهور نجمة الثمانينيات ديمي مور كبطلة. مور التي لم تتوقف قطّ عن التصوير ولكن دون أن تحصل على دورٍ تصل فيه إلى ذروتها كما هو الحال الآن في «المادة»، حيث تلعب (بشكل أو بآخر) نفسها إلى حدودٍ غير متوقعة. إنها إليزابيث سباركل، نجمة هوليوود في الثمانينيات التي تمكّنت من الحفاظ على شعبيتها من خلال برنامج تليفزيوني صباحي للياقة البدنية. كما يوضّح المشهد الأول، سباركل في أفضل حالاتها، لكن منتِج البرنامج القاسي (دينيس كويد) يقرّر استبدال «تلك البقرة العجوز» بأخرى شابّة نضرة في مقتبل العشرينيات.
من الأفضل ترك ما يحدث منذ ذلك الحين فصاعدا دون الكشف عنه -لأنه جزء من اللعبة- ولكن يكفي القول إن فارجا تستمد من «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» لروبرت ستيفنسون، مثلما من جميع المجازات الفاوستية التي غذّت هذا النوع من الخيال منذ صار نوعًا أدبيًا. هنا يأتي دور جوهر العنوان، العقار الغريب الذي يخلق نسخة شابّة أخرى من الذات -على طريقة سينما ديفيد كروننبرج- أنا أخرى لإليزابيث، ولكن بالعمر والكمال الجسدي الذي يتطلّبه ذلك السيرك الأبدي المسمّى بالتليفزيون، والذي لا يبدو أنه تغيّر كثيرًا منذ فيلم «شبكة» (1976، سيدني لوميت). هذه النجمة الجديدة -المستعدة لفعل أي شيء للاستمتاع بلحظة شهرتها وجمالها- تلعب دورها مارجريت كواللي، التي، بدورها، تحقق مع زميلتها الأكبر سنّا تحالفًا تمثيليًا لافتًا لا يخشى المخاطرات الأدائية.
يقترح الفيلم مقاربة أنثوية (ونسوية) لرعب الجسد، وأساطير كلاسيكية مثل دوريان غراي، وفرانكنشتاين، وجيكل وهايد، وفاوست، ولأعمال سينمائيين مثل براين دي بالما وستانلي كوبريك. عواقب الضغوط والاستغلال من قبل الرجال في السلطة، أو الشيخوخة التي يمكن التخلّص منها، أو تشييء الجسد الأنثوي أو عبادة الجمال والكمال دون مراعاة العواقب والتأثيرت، ليست سوى بعض الموضوعات التي تتناولها فارجا في ما يبدو اتجاهًا سائدًا بين مخرجات فرنسيات، من جوليا دوكورنو إلى ناومي ميرلان.
بمعنى آخر، فيلمٌ يتمتّع بقدر كبير من التسويق والتأثير، ولكنه يحتوي أيضًا على الكثير من «الجوهر» في هذه التجربة الغامرة. وهكذا، مع «انتقام» وهذا الفيلم، تعزّز فارجا نفسها سينمائيةً وازنة ضمن الأنواع الأكثر تطرفًا، لذا يجب متابعتها عن كثب في خطواتها التالية.
جائزة أفضل سيناريو بمهرجان كانّ السينمائي 2024
ـــــــــــــ
«أرض محروقة/ Scorched Earth» (ألمانيا) - 101 دقيقة
إخراج وكتابة: توماس أرسلان

ربما كان أحد أكثر الأفلام المنتظرة في مهرجان برلين السينمائي لهذا العام، رغم برمجته في قسم بانوراما، الأقل صيتًا. عنوان الفيلم «أرض محروقة»، ومخرجه هو توماس أرسلان. الملخصّ واعد: يستعيد الفيلم بطل وعالم ما يُعتبر -على الأقل في رأي كاتب هذه السطور- أفضل أعمال المخرج ذي الأصول التركية، «في الظلال» (2010). في ذلك الفيلم، يتتبّع أرسلان شخصية تروجان، اللصّ الذي لا نعرف عنه أي شيء تقريبًا، والذي لن نعرف عنه الكثير حقًا. كان «في الظلال» فيلمًا عن الحركة/الأكشن، وهو مستوحى بشكل كبير من سينما دون سيجل. مثله كمثل فيلمنا، لم يهتم أرسلان بالبناء النفسي للشخصية، بل بفعاليتها.
وكما كان الحال في الفيلم الأول، فـ«أرض محروقة» فيلم أكشن، بمعنى أن الإيماءات والأعصاب وتعاقب الأحداث تحكم الصور. يستعيد أرسلان، تروجان (ميشيل ماتيشيفيتش). مرة أخرى، لا نعرف ماذا حدث له في هذا الوقت، أو من أين أتى، أو ماذا فعل خلال السنوات الـ12 التي مرّت منذ هروبه. بالكاد نفهم أنه عاد إلى برلين وأنه يحتاج إلى المال. وبالتالي يعود إلى العمل مرة أخرى. هكذا يقدّم أرسلان شخصيته، حيث يقتحم قصرًا يسرق منه بعض الساعات الفاخرة. كما حدث بـ«في الظلال»، يقترح أرسلان رحلة نحو مصيرٍ لا يخلو من بعض العبثية. فمنذ بداية الفيلم، لا تسير الأمور كما ينبغي، حيث تسوء عملية تصريف الساعات عندما يريد المشتري الاحتفاظ بالأشياء المسروقة والمال. وهذا الجزء الأول ليس سوى عرض صغير النطاق لما سيحدث بعد ذلك عندما يتعرّض تروجان لضربة أكبر، تتمثّل في سرقة لوحة لمشترٍ جشع. اللافت أن اللوحة التي يتعيّن على تروجان سرقتها هي «امرأة بمواجهة الشمس المشرقة» للرسّام كاسبار ديفيد فريدريش، بطل الرومانسية والتعبير عن المشاعر من خلال المناظر الطبيعية. أما بطل «أرض محروقة» فهو لا يقول أي شيء، إنما يعبّر عن نفسه فقط من خلال احترافيته ويبدو معفيًا من أي انفعال. وبالتالي فبورتريه عالم الجريمة المقدَّم هنا أبعد ما يكون عن الملحمية والشبحنة التي تحكم عادة نوع أفلام الإثارة.
«أرض محروقة» فيلم متوتّر، لكن بلا ذروات أو مشاهد بهلوانية حرّاقة. لا مشهد السرقة في المتحف، ولا اللقاءات بين تروجان وشريكه مع أتباع المشتري الذي لا يريد الدفع، تحدث ببهرجة أو فرقعة. يشيّد أرسلان فيلمه مثل بطله، باحترافية وتأنٍ وهدوء. «أرض محروقة» بالون منكمش، عظمته تكمن في الطريقة التي يعمل بها أرسلان على الأكشن. هذا الميل للأكشن أكثر من إثارة العواطف والانفعالات يأخذ الفيلم إلى أرض لدنة، إذا جاز التعبير، أرض ظلال، وأضواء ليلية، وحركة، وإيماءات. فيلم نوار مشبع بغروب الشمس يحكي قصة سرقة فنية وكل ما يمكن أن يحدث خطأ عند توزيع الغنائم. ومع ذلك، في لغته السينمائية البسيطة، يسمح أرسلان أيضًا بنصّ فرعي مختلف تمامًا عن وحشية المجتمع، الألماني والبرليني تحديدًا.
جزء ثانٍ متعوب عليه من ثلاثية يتبقّى لديها قسط أخير. إذا لم تألف اسم توماس أرسلان من قبل عزيزي القارئ/المتفرّج، فربما حان الوقت للتعرّف على عالم هذا السينمائي الكلاسيكي الرائق.
ــــــــــــ
«حمّام الشيطان/ The Devil's Bath» (النمسا وألمانيا) - 121 دقيقة
إخراج وكتابة: فيرونيكا فرانز وسيفيرين فيالا

لنبدأ من العنوان، وهو مصطلح قديم لأمراض مشابهة للاكتئاب اليوم، لا يلخصّ فحسب بشكلٍ غريب ومباشر شيطنة المرض العقلي والمعاناة النفسية من جانب مجتمع رجال الدين المسيحيين. بل أكثر من ذلك، يصبح رمزًا مخيفًا لمرجل التعصّب الديني والقيود الاجتماعية التي تدفع أجنيس (المذهلة آنيا بلاك)، المتديّنة الحسّاسة، إلى مصرعها. في النمسا العليا في أواخر القرن الثامن عشر، عندما كان الانتحار يعادل اللعنة الأبدية، كانت الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي القتل في «حمّام الشيطان».
هذا الشكل من الانتحار غير المباشر الذي نادرًا ما تأتي سيرته وغير المعروف كثيرًا، هو محور فيلم الرعب النفسي الفولكلوري الرائع الذي حقّقته فيرونيكا فرانز وشريكها القديم سيفيرين فيالا. ينشأ الرعب في هذا الفيلم الروائي المبني على وقائع تاريخية من هستيريا بطلته الساعية إلى خلاص/ شفاء، والتي يتعزّز يأسها من فشل أحلامها المتواضعة في إنجاب طفل وحياة زوجية سعيدة مع زوجها الجديد وولف (ديفيد شايد)، بفعل الأخلاق القمعية في ذلك الوقت.
رغم أن محيط القرية والمناظر الطبيعية الشتوية الباردة التي تستحضر لوحات بروجل وهانز بالدونج تنضحان بالأجواء الغريبة لعمل نوعي generic، إلا أن الإخراج الدقيق يعكس بذكاء زخارفه ودوافعه المميّزة. ثمة حشرات مجفّفة تستدعي بهجة ميّتة، وصليب مقلوب يشير إلى انحراف ديني، فيما ترمز العلقات والعلاجات البدائية إلى عنفٍ طبّي شاع ضد مَن لا يتكيّف مع بنية معيارية متزمتة. ثم، أخيرًا، مشروب الدمّ، الذي لم يؤخذ من أفلام الرعب الرخيصة بل من كتب التاريخ، يعلن عن وحشية كهنوتية تلتهم نفسها والآخرين.
بعد فيلمهما السابق، «النُزُل» (2019)، يغوص الثنائي مرة أخرى في الأعماق القديمة للحماسة الدينية المتعصّبة. صورها، المروية هنا مع اعتناء لافت بالتفاصيل، أكثر إثارة للقلق لأن الحاضر يظلّ ملموسًا تحت قشرة العصور الوسطى للحبكة، المستوحاة من سجّلات محاكمات حقيقية. يتبيّن أن الأهوال المتربّصة بغابات أوروبا ليست إلا من صنع الإنسان، ويذكّرك الفيلم بأنها لا تزال موجودة بيننا إلى اليوم. المقدّمة الإجرامية والختامية المجازية تحيلان الفيلم الجميل والمخيف نداءً ذكيًا فنيًا ونقديًا ضد العقائد المسيحية (والدينية عمومًا) الباقية حتى يومنا هذا والتي يؤدي إكراهها إلى الموت، وذلك لمَن يُفترض أن يأتيهم الدين خلاصًا ونجاة.
جائزة الدبّ الفضي - أفضل مساهمة فنية (التصوير) بمهرجان برلين السينمائي 2024
ـــــــــــ
«الحجرة المجاورة/ The Room Next Door» (أسبانيا والولايات المتحدة) - 110 دقيقة
كتابة وإخراج: بيدرو ألمودوفار (عن رواية لسيجريد نونيز)

يصعب استعراض أول فيلم روائي طويل ناطق بالإنجليزية لألمودوفار دون كشف الكثير. أشكّ جدّيًا في مدى ما يمكن توقّعه، لذا، في ما يتعلّق بالتحولات السردية، اخترت كحدّ أدنى ما ورد في كتالوج مهرجان فينيسيا السينمائي: كانت إنجريد (جوليان مور) ومارثا (تيلدا سوينتون) صديقتين حميمتين في شبابهما، عندما عملتا معًا في إحدى المجلات. أصبحت إنجريد روائية تكتب السير الذاتية ومارثا مراسلة حربية. بمرور الوقت، فرقّتهما ظروف الحياة. بعد سنوات من الانقطاع، تلتقيان مرة أخرى في موقفٍ عصيب ولكنه غريب وحلو.
منذ فيلم «ألم ومجد» (2019)، كان المخرج الذي أغوى العالم في 1988 بفيلم «نساء على حافة الانهيار العصبي» يجرّد بعض السمات المميّزة لأسلوبه، ويصقل الأشكال، ويتخلّى عن ذلك الجانب الباروكي من أعماله الأولى والذي تحوّر بمرور الوقت. بالطبع، لا يزال تصميم الإنتاج بطلًا أساسيًا للفيلم، ولا تزال باليتة الألوان الشخصية موجودة، وإن كانت أكثر أناقة وأقل بهرجة، مع نغمات كاملة ولكن أقل فقعانًا. هذا متصل أيضًا بالقصّة التي يرويها، ولكن هناك حيوية أقل، وتشتّت أقل، ويبدو اهتمامه بالاختلافات والانعطافات الجانبية أقل.
في الواقع، ذكريات الماضي flashbacks الأولى (تلك التي لا تظهر فيها بطلتا الفيلم الحاضرتان في كل مكان) تبدو في غير مكانها، ومُبرزة وتجعل المرء يخشى الأسوأ (كما حدث بالفعل في ذكريات الماضي في فيلمه الويسترن الأخير المخيّب «شكل غريب من الحياة»، من عام 2023). في لقاء إنجريد ومارثا بعد فترة طويلة من عدم رؤية بعضهما البعض، يكون لمّ الشمل مهمًا، ولكن أيضًا اليقين من وداعهما. خلال تلك الأيام التي تقضيانها في نيويورك، تركّز الكاميرا على وجوههما طوال الوقت تقريبًا. نعلم أننا في تلك المدينة بسبب السياق والإشارات، لكن المخرج يقع في حب هاتين الممثلتين العظيمتين وتفانيهما، ويركّز على اللقطات االمقرّبة للغاية، ويغوص في أعينهما لاكتشاف مشاعرهما، بما يتجاوز ما تقولانه.
يأتي وقت الـcatch up (مع بعض ذكريات الماضي الكثيفة بالتأكيد، مع إشارات ثقافية أمريكية سطحية إلى حد ما) وترتيب رحلة إلى منزلٍ جميل بعيدًا عن المدينة مع فكرة أن كل صديقة تشغل «الغرفة المجاورة». هنا يتولّى ألمودوفار المساحات مرة أخرى، وتظهر أجساد الممثلات أكثر قليلًا والممثلون المساعدون القلائل الذين ينضمون إلى فريق التمثيل. علاقة حبّ قديمة، يلعبها جون تورتورو، الذي يوجّه جملة جميلة إلى إنجريد («أعجبني دائمًا فيكِ أنكِ من الأشخاص القلائل القادرين على المعاناة دون إشعار الشخص المجاور لكِ بالذنب»)؛ ومدرب اللياقة البدنية، الذي يلقي إحدى النكات القليلة التي يسمح بها ألمودوفار لنفسه هذه المرة.
يتناول الفيلم موضوع المرض والموت بإنسانية عميقة، دون أن يفقد أبدًا حسّ الفكاهة المرح. كما يسلّط الضوء على جمال التحرّر الأخلاقي والعلاقات العاطفية، حيث يمكن للصداقة أن تتجاوز الحب الإيروتيكي أو الرومانسي. يتحدث الفيلم عن القسوة اللامحدودة للحروب، والطرق المختلفة التي تتعامل بها البطلتان مع الواقع وتكتبان عنه، ويتحدث عن الموت والصداقة والمتعة الجنسية كأفضل حلفاء لمحاربة الرعب. ويتحدث أيضًا عن الصحوة الحلوة على صوت زقزقة الطيور، في بيتٍ يتوسّط محمية طبيعية في نيو إنجلاند، حيث تعيش الصديقتان في وضعٍ عصيب وحلو بشكل غريب.
«الحجرة المجاورة» فيلم جاد. يتحدث الأصدقاء طوال الوقت عن «ذلك الموضوع»، وتؤكّد الإشارات البصرية والموسيقية والأدبية والسينمائية على الموضوع. هذا شيء لم يكن جزءًا من عالم ألمودوفار. ونحن نفضّله عندما يكون على هذا النحو الجديد.
جائزة «الأسد الذهبي لأفضل فيلم» بمهرجان فينيسيا السينمائي 2024
ــــــــــ
«عن سقوط/ On Falling» (المملكة المتحدة والبرتغال) - 104 دقيقة
إخراج وكتابة: لوري كاريرا

أنتجَ هذا الفيلم بواسطة «Sixteen Films»، الشركة التي أنشأها كين لوتش، وبمشاهدة باكورة أعمال المخرجة البرتغالية المقيمة في اسكتلندا، يمكن فهم السبب، لأنها تظهر كوريثة مباشرة للواقعية الاجتماعية والسينما السياسية والنظرة الإنسانية والمتعاطفة والمدافعة عن الطبقة العاملة التي أفنى فيها كين لوتش جهده منذ بداياته. لكن، على عكس العديد من أفلام المخرج الانجليزي المخضرم، تجرّد لورا كاريرا نفسها من أي إغراء للتنميق أو شدّ الخطوط أو الديماجوجية لبناء فيلم من وجهة نظر أنثوية يتمتّع بحساسية هائلة وفي الوقت نفسه وثيق الصلة وراهن. بورتريه قوي وحسّاس في الوقت ذاته لعواقب انعدام الأمن الوظيفي من منظور حميمي لامرأة شابّة.
أورورا (عملٌ متأمّل ودقيق من جوانا سانتوس) امرأة برتغالية تعمل في مستودع عملاق لشركة مثل «أمازون» في مدينة اسكتلندية. تتلخصّ مهمتها في السير عبر ممرات طويلة، واختيار العشرات من العناصر من على الأرفف، وتدوينها وتسجيلها باستخدام ماسح الباركود، ووضعها في عربة التسوق الخاصة بها وأخذها للتوزيع. وهكذا، ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وبأسرع ما يمكن (عندما تصل إلى حصّتها، تُمنح شوكولاتة كمكافأة؛ وعندما تتأخّر، «يدعوها» مشرفها إلى الإسراع).
تتقاسم البطلة منزلًا مع مهاجرين آخرين (بولندي، وإسبانية)، وعلى الرغم من أن لكل منهم غرفته الخاصة، فالمطبخ وغرفة الطعام هما المكان المشترك للتواصل الاجتماعي. لكن أورورا تشعر بالوحدة والقلق والإحباط والاغتراب بشكل متزايد. إذا تعطلّت شاشة هاتفها المحمول، ينهار اقتصادها غير المستقرّ. يصبح الضغط لتغيير الوظيفة وصمة عار، وتُشعر بالآثار نفسيًا وجسديًا.
إلى جانب الكشف عن خصائص هذا النوع من العمل ونطاقه وعواقبه، ببصمة تشبه الأفلام الوثائقية تقريبًا، فإن ما يجعل «عن سقوط» أقرب لمعجزة سينمائية هو التقشّف والصرامة اللذان تصوّر بهما كاريرا كلّ مشهد على حدة وكيفية تصميمها عملية التراكم وتطوّر القصة ومستقبل شخصيتها (تذكّرنا بفيلم «موارد بشرية» للفرنسي لوران كانتيه). من النادر جدًا في السينما المعاصرة، وخاصة في حالة سينمائية واعدة لم تكن بلغت الثلاثين عندما صوّرت هذه القصة، أن نقدّر مثل هذا النضج والرصانة الفنية. غالبًا ما تكون العين النقدية أكثر فعالية عندما يكون الخطاب أقل وضوحًا. قولٌ يجعل فيلم «عن سقوط» أحد أفضل البواكير السينمائية لهذا العام.
حاصل على جائزة أفضل عمل أول بمهرجان لندن السينمائي 2024
جائزة أفضل إخراج بمهرجان سان سباستيان 2024
ـــــــــــــــــ
«سامّ/ Toxic»(ليتوانيا) - 99 دقيقة
إخراج وكتابة: ساولا بلوفَيتا

كانت باكورة المخرجة الليتوانية بمثابة الاكتشاف العظيم للنسخة الأخيرة من مهرجان لوكارنو السينمائي، بفوزه بأعلى جائزة في المسابقة الدولية وجائزة أفضل فيلم روائي أول وجائزة لجنة التحكيم المسكونية، من بين جوائز أخرى.
يبدأ الفيلم بمشهد شديد القسوة: تتعرّض ماريا (فيستا ماتوليت)، وهي فتاة مراهقة تبلغ من العمر 13 عامًا، لسرقة بنطالها الجينز في غرفة تبديل الملابس. البنت -المصابة بعرجٍ ولا تزال مبلّلة في ملابس سباحتها- تعاني في مشيتها حول المسبح ولا يغادرها الانزعاج، فيما لا يتوقف المراهقون الآخرون عن السخرية منها.
بالرغم من صعوباتها الجسدية، تلتحق ماريا، وهي فتاة نحيفة وطويلة جدًا، بمدرسة عرض أزياء تعد بأفضل الوظائف في اليابان وكوريا الجنوبية وحتى باريس ونيويورك. هناك تتعلّم الطالبات كيفية «الموديلينج»، وتصميم الرقصات، والوقوف أمام الكاميرا. إلا أن عالم ماريا بعيد كل البعد عن بريق منصّات العرض. فوالدتها بعيدة، هجرتها، ما اضطرها للعيش مع جدّتها -التي تكرّس نفسها لتجارة الزهور- في تلك المدينة الصناعية المتدهورة (في الخلفية مصانع أو محطات طاقة).
بعد بعض المشاجرات، تبدأ ماريا في إقامة علاقة وثيقة ومكثفة بشكل متزايد مع كريستينا (إييفا روبيكايت)، وهي شقراء تقاربها عمرًا تعيش مع والدها، الذي يبدو في بعض الأحيان أكثر اهتمامًا بشريكته الجديدة من ابنته. وستكون مغامراتهما ومصائبهما القلب العاطفي لفيلمٍ تحضر فيه ضغوط قوية للحفاظ على نحافة الجسم (الاضطرابات النفسية الغذائية واستخدام الحبوب موجودة على النظام اليومي)، مثلما توتّرات جنسية، وهيمنة ذكورية وإغراء دائم للإفراط في تعاطي المخدرات والكحول.
فيلم قاتم وتعيس ومفجع، ولكن في الوقت ذاته مبني على حساسية لافتة وتعاطف تجاه هاتين الفتاتين اللتين تواجهان سياقًا بأكمله ضدهما، لكن صداقتهما تمثّل لكلتيهما رابطًا وملجئًا. ليست المرة الأولى (ولن تكون الأخيرة) التي يتناول فيها فيلمٌ عالم المراهقين «السامّ» (واستغلال أجسادهم)، لكن ساولا بلوفَيتا (وهي شابّة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها تتمتّع بشيء من لاري كلارك، وإن بحنانِ ورقّة أكبر)، حوّلته لوحةً جدارية اجتماعية مهمّة دون اللجوء إلى شجب زاعق أو تنديد فضائحي. وبالتالي، بتجنّبه الوقوع في البؤس والنظرة القاسية التي أحسسنا بها بعد ذلك المشهد الأول، يصبح «سامّ» باكورة يجب أخذها -وصانعتها- في الاعتبار.
جائزة الفهد الذهبي لأفضل فيلم بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي في العام 2024
ــــــــــــــ
«سلام عليكِ يا ماريا/ Salve María» (أسبانيا) - 111 دقيقة
إخراج وكتابة: مار كوي

ماريا أغيري (لورا فيسمار) كاتبة شابة تمرّ بفترة ما بعد الولادة في خضم أزمة عاطفية عميقة، وتشعر في كل لحظة أنها ليست مُحبّة وصابرة وفعّالة مع طفلها إيريك مثل قريناتها في جروب الأمّهات الجدد الذي تحضره. يحاول، شريكها، نيكو (أوريول بلا) -دون الكثير من الليونة- مرافقتها واحتوائها، لكنه في النهاية يظلّ هادئًا في عالمه الخاص، غافلًا عن مخاوفها.
لطالما تساءلت مخرجة «ثلاثة أيام مع العائلة» (2009) و«كلّنا نريد الأفضل لها» (2013) عن التفويضات العائلية الأسرية والنفاق الاجتماعي. في فيلم الإثارة النفسية هذا -المتميّز ببعض الانفجارات التصويرية المسجّلة على شريط 35 ملم في مناطق حضرية (وهي من برشلونة في الأصل) وريفية (مثل وادي بوهي)- تواصل مار كوي تحقيقها في سيكولوجيا بطلتها التي تصبح مهووسة بقضية أليس إسبانيت، وهي امرأة فرنسية تعيش في كاتالونيا أغرقت توأميها البالغين من العمر عشرة أشهر في حوض الاستحمام.
في حين يجري تناول الأمومة سينمائيًا في معظم الحالات بنظرة متعالية وممجِّدة تقريبًا، تسمح كوي لنفسها بمقاربة (دون عُقد أو تجاوزات سادية) واقعة وحشية ومتطرفة مثل قتل أمّ لابنائها الرضّع من داخل خيال وعقل امرأة لا تلتزم بالمعايير والشرائع والإملاءات (الطبيعية؟) التي تفرضها الأعراف والتقاليد المجتمعية على صورة الأمّ ودورها. في مرحلة معيّنة تقرأ البطلة «أشياء فقدناها في الحريق» (مجموعة قصصية للأرجنتينية ماريانا إنريكيز، نُشرت في 2016، تستكشف أبعادًا متعددة للحياة والموت في الأرجنتين المعاصرة- المحرّر)، ولا يبدو هذا التفصيل نزوة بل بالأحرى اعتراف بوجود علاقة معيّنة بين عوالمهما الإبداعية (هناك أيضًا اقتباسات صريحة من أدريان ريتش، سيلفيا بلاث، سيمون دي بوفوار، وسوزان سليمان).
والنتيجة؟ فيلم مزعج، في بعض الأحيان مرعب ومقلق، ولكنه في الوقت ذاته حسّاس ورائع بسبب العمق وكمية الفروق الدقيقة /الخفية (دون الابتعاد أبدًا عن التناقضات) التي تستكشف بها المخرجة الكاتالونية عالم ماريا الداخلي والخارجي، ككائنٍ يحتاج ويسعى -سواء في رحلة في غير أوانها، أو في الكتابة، أو في رقصة برّية- إلى التنفيس، و.. نعم، التحرّر.
ــــــــــــــ
ومن السينما التسجيلية:
«داهومي/ Dahomey» (فرنسا والسنغال وبنين) - 68 دقيقة
إخراج وكتابة: ماتي ديوب

في «داهومي»، هناك ثلاثة أفلام على الأقل في مدة تزيد قليلًا عن ساعة. الأول هو الفيلم المشار إليه في الملخصّ: نوفمبر 2021، تستعد 26 قطعة أثرية من كنوز مملكة داهومي لمغادرة باريس للعودة إلى بلدها الأصلي، جمهورية بنين الحالية، بعد حوالي 130 عامًا من نهبها، رفقة آلاف الكنوز الأخرى. حدثٌ تاريخي. بهذا المعنى، ذلك فيلم تسجيلي إلى حدّ ما حيث تنبهر ماتي ديوب بطبيعة العمل: كيفية تعبئة القطع، وكيفية تفريغها ووضعها في أماكنها الجديدة. ولكن فجأة، يبدأ صوت التعليق، وهو صوت القطعة رقم 26، في التحدّث والتأمّل في حالتها وماضيها ووظيفتها الرمزية. هذا هو الفيلم الثاني، الذي يأخذنا مثل فيلم ديوب الأول، «الأطلنطي» (2019)، إلى فكرة متعلقة بالعالم الشبحي لأرواح الأفارقة الذين ماتوا في رحلتهم إلى أوروبا. ومن عجيب المفارقات أن هذه الأشباح الجديدة تمكّنت من العودة إلى أرضها بعد النهب الاستعماري وإقامتها في باريس. وهنا يبدأ الفيلم الثالث، الذي يركّز على نقاشٍ بين طلاب في جامعة أبومي كالافي (بنين) حول الاستعمار. وبدلًا من اتباع فورمات المقابلات التوثيقية أو التعليق الصوتي، تجد ديوب منجمًا ذهبيًا في هذا الاجتماع (أو الاجتماعات) حيث يواجه النقاش ما بعد الاستعماري، بعيدًا عن إعادة تأكيد مواقفه، كلّ تناقضاته الداخلية المعقّدة. أولًا: يُجرى النقاش بالكامل باللغة الفرنسية، لغة المستعمِر، الذي أعاد الكنوز المسروقة في القرن التاسع عشر، لكنه استعمر وسيلة الاتصال الرئيسية لدى أهل مستعمرته السابقة. يشرح أحد الطلاب هذا ويقدّم طالب آخر مثالًا آخر قاطعًا بشكل جذري: إذا أراد أحدنا التباهي بكونه مثقفًا، فيكفي الاستشهاد بأرسطو أو أفلاطون، اللذين لا يمثلان سوى مراجع لثقافة غربية استعمارية، وليس ثقافة إفريقية أبدًا».
ليس سهلا استخلاص الكثير من موضوعٍ جاف إلى هذا الحدّ من حيث المبدأ، يميل غالبًا إلى الدوجمائية الأبوية أو المباعدات الأيديولوجية. لا تتدخّل الكاميرا في الأحاديث (مهارات ديوب التسجيلية جديرة بالثناء)، ولكن الأكثر من ذلك إصرارها على اقتراح خطّ انتقال من الملموس إلى الخيالي. كما هو الحال في «الأطلنطي»، يدخل الواقع السياسي إلى عالم الأشباح. الكنوز المستعادة تتحدّث بصوت أسلاف من عالمٍ آخر، وتضفي عليها ديوب الحياة. في جميع أنحاء «داهومي»، هناك جوّ من الغرائبية والسحر: في انعكاسات زوّار المتحف في خزائن العرض أو في اللقطات النهائية الرائعة للبحر تحت الليل والضباب. قليل من صنّاع الأفلام المعاصرين يصوّرون الليل مثل ديوب؛ هذا النبض الجمالي القوي يحتاج إلى الاندماج الكامل مع ما يُبغى روايته أو إخباره، لأنه في بعض الأحيان يشكل الخطاب فيلمًا والخيال الشعري فيلمًا آخر.
حاصل على جائزة «الدبّ الذهبي» لأفضل فيلم بمهرجان برلين السينمائي الدولي 2024
ـــــــــــ
«ثماني بطاقات بريدية من يوتوبيا» (رومانيا) - 71 دقيقة
إخراج وكتابة: رادو جود وكريستيان فيرينز- فلاتس

ساعة وعشر دقائق من الإعلانات. هل هناك فكرة أبسط من هذه لإنجاز فيلم تسجيلي يقارب أوضاع وأحوال بلد في حقبة ما بعد الاشتراكية؟ رادو جود يفعلها لينجز عملًا نقديًا ثقافيًا شقيًا.
غالبًا ما تتسبّب الإعلانات من العصور الغابرة في تأثيرات غريبة حين مطالعتها في الزمن الراهن. غالبًا، تكون مضحكة. وفي أوقات أخرى، إشكالية. وفي جميعها تقريبًا، فضولية. في حالة «ثماني بطاقات بريدية من يوتوبيا»، يحدث شيء مختلف. فهذا فيلم تسجيلي اكتشافي/ found-footage documentary مبني كليًا على إعلانات مصوّرة من رومانيا ما بعد تشاوشيسكو، أي منذ سقوط النظام الشيوعي الموالي للسوفييت في 1989 حتى 2024. وبفضل معرفة السياق، تصبح الإعلانات فضولية ومضحكة وإشكالية في الوقت نفسه. مثلما تعمل كانعكاس أمين للتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية وحتى المثالية في المجتمع الروماني. أعتقد أن هذا النوع من الأفلام ينبغي أن يُصنع في كل البلدان، لأن إعلانات كل دولة تكشف عن أشياء كثيرة أخرى غير المنتجات التي تبيعها أو تعلن عنها: أحلام وطموحات وصراعات شعب ما.
عمل جود مع مواطنه الفيلسوف كريستيان فيرينز فلاتس على الكشف عن صورة رومانيا على مدار أكثر من 30 عامًا، من خلال الإعلانات التليفزيونية الموجّهة للجمهور المحلي. وهذا أيضًا ما يمنح الفيلم طابعًا فريدًا. فالإعلانات وبعض منتجات التليفزيون «الرخيص»، على عكس السينما أو المسلسلات، أكثر محلية بكثير وتكشف عمّا يشبه طابعًا وطنيًا أومزاجًا عامًا. فالأفلام، بحكم مشاركتها في سوق دولية للاستهلاك والتحليل، تتضمّن عناصر (أساليب، وأشكال، وبحث عن برستيج) لا تهتم بها الإعلانات و«التليفزيون الرخيص». وجود، القادم أصلًا من عالم الإعلانات والميديا، يعمل دائمًا مع وضع هذا الجانب في الاعتبار، حتى في أفلامه «الجادة»، رغم أنها لا تكون جادة حقًا.
«ثماني بطاقات بريدية من يوتوبيا» لا ينقسم إلى فترات زمنية بل إلى موضوعات. فهناك ثمانية عناوين تتألّف من محاور مختلفة توحّد الإعلانات، وهي محاور تعكس تلك الطموحات والقصص والمخاوف وأشكال السلوك. وربما تكون قصّة مقسّمة إلى فترات زمنية قادرة على الارتباط بشكل أفضل بتطوّر (أو تراجع) طريقة التفكير و«رغبات» المجتمع، ولكن الاختيار الموضوعي و/أو الشكلي مثير للاهتمام بالقدر نفسه لأنه يكشف، أكثر من أي شيء آخر، عن المحاور التي تعبرها ثقافة بلد ما بمرور الوقت. وفي حالة رومانيا، بعد عقودٍ من حكمٍ شيوعي، كان الأمر عبارة عن انفجار جامح وغير منضبط لاستهلاك أي شيء، مهما كان، طوال الوقت.
يقوم الثنائي بربط وتحرير الإعلانات معًا دون السماح لها بالبدء أو الانتهاء، حيث يعرضان ما يقرب من 400 إعلان على مدى 77 دقيقة يستغرقها الفيلم. بعضها مضحك للغاية، وبعضها الآخر مؤسف، والعديد منها يحتوي على نكات سياسية، والبعض الآخر يركّز على شخصيات محلية لا يعرفها الأجانب. هناك العديد من الإعلانات المصنوعة منزليًا و«الرخيصة» من التسعينيات، والبعض الآخر أحدث وأنتجته علامات تجارية كبيرة، لكن جميعها تقدّم ذلك العرض اللطيف للفكاهة والنقد الاجتماعي الذي يظهر بوضوح في أفلام جود. في الواقع، عند مشاهدة هذه الإعلانات التجارية، يفهم المرء من أين تأتي تلك الفكاهة، المفاجئة والصادمة أحيانًا، من مخرج «لا تتوقّع الكثير من نهاية العالم».
كل الإعلانات المعروضة هنا مباشرة جدًا وليست «دقيقة» جدًا في محاولتها بيع أي شيء، من بيبسي إلى الخصخصة، وقصّات الشعر والنوادي الليلية، والحانات، والمطاعم، والبيرة، ومنتجات التنظيف والأدوية، ومعظمها بجودة أشرطة الفيديو أو مواد عصرها، وبمظاهر وأنماط كانت بالفعل خارج موضة الإعلانات الغربية في ذلك الوقت. لكن هذه المحلية الصرفة والصارمة هي ما يجعل الارتباط بين هذه المواد والعالم الحقيقي أكثر مباشرة.
ما يعكسه الفيلم في مراحله المختلفة ليس شيئًا آخر غير طموح بلد خرج للتو من نظام شديد القسوة -هناك العديد من الإعلانات التي تسخر من تشاوشيسكو نفسه- ليستهلك، ويستهلك، ويستهلك. هناك فصول مقسّمة حسب الموضوعات والأنماط، حيث يستخدم بعضها التاريخ الروماني في نصوصها، فيما تُنظم أخرى أكثر من أي شيء حسب مواردها وفورماتها؛ بعضها موحي جنسيًا وإغرائي، وبعضها أكثر شاعرية، والعديد منها غريب في محاولته دفع المتفرّج/المستهلك لشراء أي شيء.
هذا عمل ذو طبيعة أكاديمية تقريبًا، أطروحة لافتة وبسيطة حول مستقبل بلد ما من خلال ما نفترض أنه بعض الإعلانات التقليدية ـوبعضها الآخر أكثر تطرفًاـ وهي إعلانات تنجح في الوقت نفسه في وضع المنطق الرأسمالي المتطرّف في صراع مع المنطق الذي هيمن على عقول وثقافة العديد من بلدان أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية، بطريقة مفهومة ولكن مبالغ فيها على حدّ سواء. يقول أحد الإعلانات إن انتقاد تشاوشيسكو لم يكن مجانيًا، ولكن الآن أصبح إجراء المكالمات الهاتفية عبر الهاتف المحمول مجانيًا إذا اشتركت في تلك الباقة الممتازة التي يبيعونها لك. وهذا، بطريقة أو بأخرى، ملخصّ كاشف لما يقرب من نصف القرن الأخير من التاريخ.
ـــــــــــــ
«الموسيقى التصويرية للانقلاب/ Soundtrack to a Coup d'Etat» (بلجيكا وفرنسا) - 150 دقيقة
إخراج وكتابة: يوهان جريمونبريز

هل من الممكن أن نعود إلى تلك الأفلام «السياسية» التي ملأت الستينيات والسبعينيات بحبكات المؤامرات، والبلدان التي كانت تعتبر آنذاك «غريبة» وتخضع لمصالح «القوى العظمى» والأبطال الذين يستعرضون خيبة أملهم عبر تلك المناظر الطبيعية المتقدة؟ ربما لا، ولكن إذا كان هناك شيء يقترب من هذه الطريقة في التعامل مع الأمور في الآونة الأخيرة فهو أحدث أعمال البلجيكي يوهان جريمونبريز، الذي تحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه «فيلم له معجبون مخلصون» cult movie منذ عرضه في مهرجان صندانس الأخير. تدور أحداث الفيلم حول استقلال الكونغو، ما دفع رئيس الوزراء الجديد حينها، باتريس لومومبا، إلى آفاق غير متوقعة، وخاصة بعدما اغتيل في العام 1960 نتيجة لمؤامرة شاركت فيها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات البلجيكية، بعد إطلاقه حركة تحرير إفريقية أعلنت نفسها مناهضة للاستعمار والرأسمالية. استراتيجية جريمونبريز تحوّل هذه المعطيات الروائية إلى شيء مختلف تمامًا: فيلم تسجيلي يجمع المواد من هنا وهناك، بوتيرة محمومة ومجنونة، وينتهي إلى الكشف عن كلّ تفاصيل المأساة.
أما عنوان الفيلم فيأتي من مكان آخر، على صلة بإيقاع الجاز، انطلاقًا من وقوع حدث غير متوقع أعقب اغتيال لومومبا: حيث اقتحم موسيقيان، المغنية آبي لينكولن وعازف الطبول ماكس روتش، جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للاحتجاج على الجريمة. من هذا الحدث، يمزج فيلم جريمونبريز بين التاريخ والموسيقى، وسياسات ذلك الزمن والجاز، لتقديم فسيفساء مبهرة تلعب أيضًا بعناصر أخرى (اقتباسات من كتب ووثائق رسمية تظهر على الشاشة بجرافيكس مذهلة، تكسر إيقاع الصور، أو أجزاء من عروض جون كولتران، ونينا سيمون، ولويس أرمسترونج، وتلونيوس مونك، وديزي جيليسبي، من بين موسيقيين آخرين، يتداخلون أيضًا في القصّة لتقديم نقطة مقابلة قريبة دائمًا من النضال العنصري المناهض للاستعمار في ذلك الوقت). الرسالة واضحة: الفن أيضًا سياسة، خاصة حين استخدام أرشيف مزدهر ومتعدد الأشكال، لا يميّز بين أي نوع. وبالرغم من أن الإجراءات المتبعة في إظهار هذه التقاطعات تكون في بعض الأحيان تعسّفية إلى حد ما، أو أن الصيغة مستنفدة أو متكررة (نحن أمام فيلم مدته ساعتان ونصف، يعيد اختراع «السينما الملحمية» بهذا المعنى)، لا يخيّب الفيلم الآمال: فهو لا تشوبه شائبة سياسيًا، ومبتكر وخلّاق، كما أن مونتاجه القوي يجعل منه تجربة سمعية بصرية استثنائية على أقل تقدير.
جائزة لجنة التحكيم الخاصة للابتكار السينمائي بمهرجان صاندانس السينمائي 2024
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن