تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
“تحت السيطرة”.. في عيون مدمنين متعافين

“تحت السيطرة”.. في عيون مدمنين متعافين

كتابة: عمر سعيد 6 دقيقة قراءة

بات محل اتفاق أن اسم الكاتبة مريم نعوم دومًا ما يكون موجودًا على عمل فني استثنائي. ولكن ربما كان "تحت السيطرة" الأكثر جدلًا بين أعمالها السابقة، وهو ما قد يعكسه تخطي معدل مشاهدات أي من حلقات المسلسل، على موقع "يوتيوب"، حاجز المليون مشاهدة (على كل الحسابات الرسمية التي أذاعته). حتى إن البعض وصف المسلسل الذي يتناول الإدمان، أنه في حد ذاته كان كجرعة المخدر بالنسبة للمشاهدين.

من بين الجدالات المهمة التي أثارها المسلسل كان مدى تأثيره في المدمنين أنفسهم، خصوصًا المتعافين منهم، وهل كان له عليهم نفس أثره على المشاهد العادي؟

سارة (اسم مستعار)، كانت مدمنة لمدة 5 سنوات على تعاطي أنواع مختلفة من المخدرات كالكوكايين والهيروين. تقول: "بدأت التعاطي في سن 17 عامًا، وأوقفت أول مرة في الثانية والعشرين. أول محاولتين باءتا بالفشل، إلا أني أوقفت التعاطي تمامًا في مارس من العام الماضي، بدعم من زمالة المدمنين المجهولين".

تروي سارة انطباعها عن فكرة المسلسل قبل عرضه، وتقول: "عندما علمت أن هناك مسلسلًا سيتحدث عن الإدمان شعرت بالخوف والحماسة في آن. تحمست لأن الموضوع نفسه كان يتم تناوله في الأعمال الفنية بشكل مبتذل: دائمًا هناك المدمنون من الطبقة الاجتماعية نفسها، دائما مجرمون، دائمًا ذكور، دائمًا المشكلة مشكلة فقر وسوء تربية. تحمست لإحساسي أنّي سأشاهد شيئًا مختلفًا وأعمق. وخفت أن يحبط المسلسل تصوري، وأيضًا خفت من رد الفعل الاجتماعي على وجود المدمنين".

سارة، التي لم تستطع إكمال مشاهدة حلقات المسلسل الثلاثين، وجدت صعوبات بالغة في رؤية المشاهد التفصيلية للعمل، وبخاصة إن أرادت مشاهدته دون شركاء. توضح: "في الحلقات الأولى للمسلسل كنت أشاهده مع عائلتي. لكن الأمر لم يكن جيدًا، في الواقع تفاصيل المسلسل أعادت لهم ذكرياتهم معي، كانوا يتأففون أو يتركون المكان، وكان صعبًا جدًا عليّ أن أشاهد المسلسل وحدي، مشاهد التعاطي كانت حقًا مؤلمة. قد تسترجع هذه اللحظات وتفكر أن تذهب حالًا لإحضار جرعة وتعاطيها".

الأمر بالنسبة لسارة ليس مبالغة أو مغالاة. تروي عن زميلتها التي كانت تنتظر الحلقات الجديدة بفارغ الصبر. وبقيت في غرفتها لأيام متتالية، انتكست وكسرت إقلاعها عن التعاطي، واشترت كميات تكفيها لأيام، وبقيت "تتفرج وتضرب".

تستطرد سارة: "هناك شعور سريع وواضح وصريح بالحنين للتعاطي عند مشاهدة الشم أو الحقن. خاصة عندما تشاهد المسلسل مع شركاء يشعرون بالاشمئزاز منك".

وتُجمل رأيها في المسلسل قائلة: "المسلسل إجمالًا جيد جدًا، وفيه مجهود بحثي مميز، لكني لا أستطيع حسم شعوري تجاهه، كنت أتمنى أن يكون هناك تحذير للمدمنين المتعافين والساعين للتعافي بأن بعض المشاهد قد تكون مؤذية لهم".

إبراهيم (اسم مستعار)، مدمن للترامادول، ولا يزال يتعاطاه من حين لآخر، يقول لـ"مدى مصر": باختصار المسلسل مُحبط. إنه يصوّر الإدمان على أنه مرض مزمن لا يمكن العلاج نهائيًا منه، ويصوّر أن المدمن المتعافي يعيش حياته يومًا بيوم، وكأن هدف حياته اليومي أن يأتي غدًا دون أن يسقط. الأمر بالنسبة لي أبسط من ذلك.. كنت أتعاطى الترامادول يوميًا لمدة سنتين، وانعكس ذلك على حياتي ونفسيتي وجسدي، لكنّي في أسبوع واحد استطعت التخلص من هذا التعلق، والآن أتعاطاه على الأكثر مرة كل أسبوع وبجرعة خفيفة.

إلا أن إبراهيم يشير إلى قضية أخرى مهمة. ويقول: "نسبة المدمنين الآن مرتفعة بشكل لا يمكن أن يصدقه أحد، في منطقة سكني، أستطيع القول إن أغلب الشباب والمراهقين يدمنون على الحبوب، كالترامادول والتامول، وأغلب هؤلاء لا يستطيع ممارسة يومياته دون أن يتعاطى. في الفترة الأخيرة كثرت الإعلانات على القنوات الفضائية عن وصول العقار الفلاني ليخلص الجسم من المخدر في أيام، أو عيادة الشيخ فلان لتخليصك من الإدمان في لحظات.. كل هذه عمليات نصب، أكد المسلسل أن لا سبيل للعلاج إلا إرادتك وبمساعدة أطباء أو مشرفين مختصين.. هذا أمر مهم لفت نظري".

يبدو أن سياق المسلسل، بمشاهده الكثيفة عن التعاطي والنشوة اللحظية، كان له أثر مختلف في المدمنين المتعافين أو المستمرين. طبيب الأمراض النفسية وعلاج الإدمان محمد مصطفى، يقول لــ"مدى مصر": إنه "من الصعب القول إن أمرًا ما، كقاعدة عامة يؤدي إلى انتكاس المدمن المتعافي، نستطيع أن نقول إنه يساعد على الانتكاس، أو نقول إن له أثرًا كبيرًا على شريحة كبيرة من المدمنين أو يزيد احتمالات انتكاساتهم. في النهاية الأمر يختلف من شخص إلى آخر".

وفي هذا السياق، كان رأي نور (اسم مستعار) مختلفًا عن سارة وإبراهيم. تقول: "كنت مدمنة على الهيروين لسنتين وتوقفت منذ تسع سنوات، وتعرضت لانتكاسة وقت عرض المسلسل، قبل أن أعاود التوقف. لا أستطيع القول إن المسلسل أدى إلى هذه الانتكاسة، كنت في ظروف نفسية سيئة عمومًا. إلا أنه أصابني بحالة غضب وإحباط أدت لاكتئابي".

وعن مشاهد التعاطي تقول نور: "مشاهد التعاطي في الحقيقة كانت أقل قبحًا من الواقع، أعادت لي ذكريات الشعور بنشوة الشمّ. لكن المسلسل أيضًا أعاد لي الفوبيا من أن تصيبني واحدة من نهايات الإدمان البدهية، والتي لم أمر بها لأن حظي كان جيدًا.. نعم كانت مشاهد التعاطي كثيرة وتفصيلية، لكن السيناريو أفرغ المساحة الأكبر للتبعات. في النهاية لن يكون مسلسل سببًا في الانتكاس، بالطبع المتعافي المنتكس لديه أسباب أقوى، ومشاهد المسلسل كانت مجرد مبرر نفسي".

تضيف نور: "كنت حريصة على أن أشاهد المسلسل وحدي، بل عملت على أن أقلل احتمالات أن تشاهده عائلتي، بالطبع كان سيعيد شكوكهم في توقفي عن التعاطي أو عودتي إليه".

تختم نور رأيها عن المسلسل قائلة: "أشعر بالامتنان لعرض المسلسل، استرجعت أحاسيس النشوة، لكني استرجعت أيضًا ما سيؤول إليه أمري لو عدت. هناك جملة لن أنساها ذكرت في الحوار: مفيش حاجة اسمها هَندَلَة (التحكم في التعاطي)، فيه تبطيل".

الطبيب محمد مصطفى، يتناول المسألة من الزاوية الأخرى، ويقول: "مشاهد التعاطي بالكثافة والتفصيلية التي أتت في المسلسل تعرض المدمنين المتعافين لحالة تشبه الهياج والاحتياج لأن يأخذ جرعة مخدر فورًا، وبخاصة أن المشاهد عرضت التفاصيل المشتركة بين كل المدمنين، كملء الحقنة وتسييح الهيروين، وليس الطقس الخاص بكل مدمن كدرجة الإضاءة أو المكان، الأمر الذي يوسع دائرة المدمنين المحتمل تأثرهم بالمشاهد، هذا لا يعني أن المسلسل يؤدي للانتكاس، فالأمر لا يتوقف على عرض مسلسل أو غيره، لكنه يزيد احتمالات المخاطرة".

يضيف مصطفى: "على الرغم من ذلك؛ فإنّني سمعت كلامًا مختلفًا من مدمنين يحاولون التعافي. المسلسل كان يُعرض في عدد كبير من المراكز العلاجية، بشكل جماعي وبحضور مشرفي العلاج. وفي مرة قال لي أحد المدمنين: "خلينا نوصل قاع (مرحلة خسارة كل شيء) في المسلسل بدل ما نوصل له في الواقع".

ويستطرد: "في الحلقة الأولى عرُض مشهد البطلة وهي تطلب من عامل الفندق إفراغ الغرفة من المشروبات الكحولية، وصوّرها السيناريو وهي بالكاد متماسكة، حتى إنها طلبت من زوجها إعطاء العامل بقشيشًا لأنها لم تستطع فعل ذلك.. وإن كان صناع العمل التفتوا إلى تفصيلة مثل تأثير وجود الكحوليات على البطلة (المدمنة المتعافية)، فكان من الأولى أن ينتبهوا إلى تأثير عرض هذا الكم من مشاهد النشوة على المدمنين المتعافين في الواقع. كان ينبغي أن تقل هذه المشاهد، وبخاصة أنها تتكرر بالتفاصيل نفسها، وكان ينبغي تحذير المدمنين والمدمنين المتعافين بضرورة أن يشاهدوا المسلسل برفقة أصدقاء مقربين أو معالجين".

المسلسل بشكل عام جدلي إلى حدٍ بعيد. وعلى الرغم من أثره الواضح على أصحاب المسألة؛ فإن نقطة مهمة تقولها واحدة من الأكثر تعرضًا للمخاطرة، تؤكد سارة: "سعيدة بهذا المجهود، وسعيدة بأن المسلسل عرض حالات لفتيات مدمنات وليس شبابا فقط.. لكننا ننتظر المزيد والأعمق عن القضية".

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#إدمان

فتيات منحرفات وحفلات خارج السيطرة

ترسخت صورة المدمن في أذهان الكثير من الناس كرجل، لذا كان من دواعي سروري أن أبطال المسلسل الرمضاني المحبوب- والأكثر إثارة للجدل- "تحت السيطرة"، كن من النساء. كما أن الشخصيات…

نايرة أنطون 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن