تجاوز الحدود مع قوت القلوب
قبل قراءة كتاب «سيدة القصر»، كنت أعرف عن قوت القلوب الدمرداشية أنها صاحبة أول جوائز نجيب محفوظ -قيمتها 20 جنيهًا- في 1940 فقط، ولولا تقديرها لتخبط قليلًا، حيث كان يكتب ويضع في الدرج، «في انتظار الفرج، وبعد جائزتها تشجعتُ». في كتابها، لم تتوقف سهير عبد الحميد عند هذا السطر، بل أبحرت في حياة قوت القلوب لتكمل مسيرتها كاملة التي خُتمت بكرسي طائش ألقاه عليه نجلها فأودى بحياتها. جمعت المؤلفة شذرات قوت القلوب عبر مقابلات واستنطاق الأرشيف وجولات بين قصر ومسجد وطريقة صوفية ومستشفى أُسست بتبرعات قوت القلوب وأبيها وأمها، وقصص الزواج والحب والنسب والميراث، مع توظيف الخيال في بعض المشاهد المخفية، لنتعرف على ما هو أكثر من جائزتها وتنظيمها صالون جمع زينة المجتمع ومنهم طه حسين والإمام محمد عبده وفرنسيين مثل جورج دوهاميل.
اكتشفت عبد الحميد، الصحفية في «الأهرام» والكاتبة المشغولة بالتاريخ، أدب قوت القلوب في رحلة البحث، فهي لم تكن تعرف عنها إلا فضلها على مؤلف «رادوبيس». لم تكتب قوت القلوب إلا بعد وصولها إلى الخامسة والأربعين (69)، لكن أدبها جاء منهمرًا غزيرًا، أولى رواياتها بالفرنسية عام 1937: مصادقة الفكر عن دار المعارف، مع أخرى عن جاليمار الفرنسية: حريم، ثم توالت العاصفة، نُشرت القصص مثل «ثلاث حكايات عن الحب والموت» 1945، وأعمال أخرى منها ما قدمه جان كوكتو كـ«الخزنة الهندسية» 1951، ولم يُترجم منه إلا «رمزة»، و«ليلة القدر»، و«زنوبة» التي نجدها مُلخصة في عدد مجلة الهلال ديسمبر 1949، وقُدّمت هكذا: «وضعت هذا الكتاب بالفرنسية السيدة قوت القلوب الدمرداشية، وهي قصة رائعة مفصلة لحياة الأسرة المصرية في أوائل الجيل الحالي، فأدت بذلك خدمة كبيرة للوطن والأدب». (للقراءة اضغط هنا)
تقول عبد الحميد إنها «انبهرت بأسلوب قوت القلوب» لما فيه من عمق وتوثيق تاريخي فقد رصدت الطقوس والعادات «الستات كانوا بيلفوا حول تمثال رمسيس» طلبًا للخلفة، معتبرة أننا يمكننا معرفة التاريخ من قراءة المشاهد التي ألّفتها قوت القلوب «الرواية خلصتها في نفس اليوم من كتر جمالها وحلاوتها».
شُغل أدب قوت القلوب بالقيود المفروضة على نساء الطبقة المتوسطة، بل دعت نساء العباسية إلى قصر الدمرداشية لتسمع منهن حكايات عن الطقوس والعادات، والعلاقات مع الأزواج، وتعلم طُرق الخبيز، والتعرف على الأمثال الشعبية والأغاني. هذه الجلسات بحسب عبد الحميد كانت وسيلة قوت القلوب للتعرف على عالم الحريم لتكتب عنه، بدلًا من أن تبقى أسيرة طبقتها فقد كانت ضمن أغنى خمس شخصيات في مصر. كما ثارت في أدبها على تفضيل إنجاب الذكور، وهو ما ترجعه عبد الحميد إلى معاناة قوت القلوب الشخصية من أفكار والدها حول إنجاب الولد، فهو كشيخ طريقة صوفية لم ينجب إلا ابنتين من زيجتين، فلم يحظ بوريث ذكر يتولى عنه الطريقة والأملاك (قادت قوت القلوب الطريقة من الظل بعد وفاة والدها الذي جعل حفيده/ابنها ذي الست سنوات خليفته).
لكن غياب قوت القلوب عن المشهد الأدبي الآن يبدو غريبًا، فاللغة ليست عائقًا، فلا يزال كُتّاب فرانكفون مصريون مثل ألبير قصيري وجورج حنين وجويس منصور يؤثرون في المشهد الأدبي رغم عدم ترجمة مجمل أعمالهم، منها ترجمات غير متقنة كما هو الحال مع قصيري، لهذا ترجع عبد الحميد غياب قوت إلى سهولة تخوينها ومحاصرتها لأسباب منها علاقة والدها بالإنجليز، فضلًا عن دعمها وتمويلها للصحفي محمود أبو الفتح، الذي أحبته ولم يبادلها المشاعر، مبررًا ذلك «نحن معشر الصحفيين لا نصلح للزواج»، ما علينا من ذلك، فأبو الفتح أيّد نجيب ضد ناصر وباقي الضباط في أزمة 1954، ثم اتُهم بالتواصل مع جهات أجنبية (بريطانيا) حتى تستخدم القوة المسلحة ضد مصر. كما ترصد عبد الحميد تعمد الجمهورية الناشئة حصار قوت القلوب حيث فُصل نجلها من عمله في الخارجية، وحُوّل قصرها القريب من ميدان التحرير والمُطل على النيل ناحية كوبري قصر النيل إلى نفق سيارات، حتى اضطرت للهرب خارج البلاد، ولم تنج من تشهير يتهمها بتهريب أموالها، حتى رحيلها في 1968.
بعد قراءة «سيدة القصر»، الصادر عن دار ريشة، أردتُ إكمال المهمة بقراءة الضفيرة المستحيلة التي جدلتها جيهان زكي بين سيرتي قوت القلوب وكوكو شانيل، وهو الكتاب المُحكوم عليه بالسرقة أو المُقتبس بتوسع من كتاب عبد الحميد، بحثت عنه ولم أجده عند ناشره، هيئة الكتاب، فحين زرتُ أحد فروعها، تصنعت السذاجة كما يفترض في هذه المواقف بالسؤال عن الكتاب بالاسم بوجه ونبرة محايدة: عندكم كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية ضفائر التكوين والتخوين؟ سألوني: كتاب معالي الوزيرة؟ سمعتُ في نبرة السؤال فرحة، وأن هذه المؤلفة لها تقدير كبير، ثم جاء الاعتذار: مش موجود، أصله طلع من زمان.
الكتاب صدر 2024، وسنتان ليست مُدة تنفد خلالها طبعة رسمية. استفسرتُ إن كنت سأجده في فروع أخرى، أو في المركز الرئيسي، متحاولش، ردوا. إذا لا داعي للتساذج.
هل أُخفي؟ كتاب آخر للوزيرة صادر عن المعارف حين سألت عنه لم أجده، فاستبشرت خيرًا إما يعدون طبعات جديدة فاخرة لأعمالهما أو رُفعت منعًا لوجع الدماغ.
حين سألت عبد الحميد عن طريقة اكتشافها للاقتباس الكبير، قالت إنها كانت مدعوة لمناقشة كتاب زكي فور صدوره في ندوة معرض الكتاب قبل عامين، وحين قرأت النسخة البي دي إف التي وصلتها من مسؤولي هيئة الكتاب، شعرت عبد الحميد بالذهول، أحست بأُلفة مع المكتوب، ثم جاء الإنكار فالغضب، أسرعت لمضاهاة النسختين فأدركت الكارثة، وتوالت الأحداث، اعتذار عن الندوة، دون إعلان الأسباب، تقدمت بشكوى رسمية للهيئة، فقالوا لها لن نستطيع أن نفعل شيئًا دون صدور أمر قضائي فحرّكت الدعوى، صدر الحكم في يوليو 2025 معتبرًا أن الاقتباس تخطى الحدود المقررة والمعقولة بحسب حقوق الملكية الفكرية (وصل لـ 50%) وقرر تعويضًا بمئة ألف جنيه، وسحب وعدم تداول كتاب زكي، فيما طعنت الأخيرة على الحكم مبررة ذلك بأنها أشارت إلى عبد الحميد كمصدر، ووضعت كتابها ضمن مصادر ضفائر تكوين وتخوين كوكو وقوت.
وعن الاقتباس وحدوده، نترك القراء مع صفحات كتابي عبد الحميد وزكي التي تتناول كيف لفظت قوت القلوب أنفاسها الأخيرة، وهو مشهد جرى في غرفة مغلقة مع ولدها، المفصول من الخارجية، الذي يطالبها بالمال. الحادث لم تُذكر الصحافة تفاصيله ما تطلب من مؤلفته توظيف الخيال، ونبدأ مع عبد الحميد:

وهذا المشهد كما كتبته الوزيرة:

إكمالًا للحكاية أشارت الصحافة المصرية إلى تشخيص نجل قوت القلوب بالاكتئاب الحاد وإيداعه مستشفى، لكن لا نعرف عنه أكثر من ذلك، ولنرى كيف ستنتهي الحكاية المنظورة في المحكمة بشأن حدود الاقتباس في سيرة قوت القلوب.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن