تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بثٌ مُفعم بالألوان

بثٌ مُفعم بالألوان

كتابة: بسنت ربيع 5 دقيقة قراءة

أول ما لاحظه (جاسون ستون كينج) حين نظر الى أفق القاهرة هو الكم الهائل من أطباق الاستقبال المُكدسة في صفوف أعلى أسطح المنازل. لم يشاهد الفنان والكاتب الأمريكي ذلك المنظر في بلاده من قبل، وقد أثار اهتمامه تأثير ذلك على الناحية الجمالية.

في حين يرى البعض انتشارها دليلًا على التفكك الاجتماعي، ويراها البعض الأخر منظرًا قبيحًا مؤذيًا للعين في أفق المدينة، وجد ستون كينج في أطباق الاستقبال فرصة لتمكين المجتمع وخلق إبداع جميل في آن واحد. وكنتيجة، خرجت مبادرة (تلوين أطباق الاستقبال في القاهرة) إلى النور.

"بالنسبة لي، فإن المبادرة هي تَلاقي لفكرتين" يقول ستون كينج قبل أن يستكمل مفسرًا: "الأولى هي كيف ترى مصر من الخارج حين تنظر من الطائرة أو الشُرفة، ما الذي نراه بالفعل وكيف نتصور نحن القاهرة؟. والفكرة الثانية هي من منظور فردي لصاحب طبق الاستقبال والذي يستطيع من خلال تلوين طبقه كما يحب أن يُعبر عن شخصيته الفردية، وبذلك فإن المبادرة هي نقطة إلتقاء بين تعبير الفرد عن ذاته وإدراك المجتمع".

جاء ستون كينج إلى مصر في أوائل سبتمبر الماضي ضمن برنامج إقامة فنية لمدة ثلاثة أشهر مع مساحة «آرت اللوا» الفنية بمنطقة أرض اللواء بالجيزة، وقد بدأ بمبادرة تلوين أطباق الاستقبال أعلى أسطح منازل القاهرة بألوان صارخة حتى تبرز وسط فوضى أحياء المدينة. يقول ستون كينج: "كل منا يمتلك طبقًا أعلى منزله كرمز له يلونه كيف يشاء". بدأت المبادرة في أرض اللواء، حيث يقطن ستون كينج، حين جمع ما لديه من مخزون طلاء وصعد أعلى أسطح مباني الحي الذي يسكنه بشكل مؤقت ليلوّن أطباق الاستقبال بمزيج من اللون الوردي الفاتح والأزرق والأخضر.

في أرض اللواء يشعر ستون كينج وكأنه في وطنه تمامًا، حيث يجلس في مقهى شعبي ويلاحقه سكان الحي للحصول على صور كان قد التقطها لهم وطبعها ليعطيها لأصحابها لاحقًا. "أين صورتي وأنا ألوّن فوق السطح؟" يسأله موسى محمد موسى ابن العاشرة من عمره، وعن طريق التواصل بالرموز وبعض الكلمات القليلة بلغة عربية مُكَسّرة، ينجح ستون كينج في أن يُخبر موسى بأن الصور ستكون جاهزة بنهاية الأسبوع، فيهز موسى رأسه بلهفة فاهمًا. يقول موسى: "استمتعت كثيرًا بتلوين الأطباق، وراقتني الألوان"، ثم يعود مرة أخرى لمناقشة موعد استلامه لصوره.

يقول محمود محمد، أحد سكان الحي، وهو ينظر إلى الأطباق مبتسمًا: "إنها جميلة"، وإنه يعتقد أن المنظر سيكون أفضل إذا تم تلوين كل أطباق الاستقبال على هذا النحو، مضيفًا أن ذلك سيُعطي مظهرًا حضاريًا لمصر، "ولكن لا أحد يهتم بمظهر الشارع نفسه، فما بالك بأسطح العمارات!".

"يُسعدني بالفعل أن أفعل شيئًا للأهالي الذين كانوا كرماء جدًا في استقبالهم لي"، يقول ستون كينج، ويضيف: "أهل الحي أناس مُرحبين جدًا وقد كان كرمًا منهم أن يستقبلوننا ويسمحوا لنا بالعمل بينهم. ولذلك كان مهمًا جدًا أن نبدأ مشروعنا هنا ونرد بعضًا من جميل مجتمع أعطى لنا الكثير".

لن يكتفي ستون كينج بمنطقة أرض اللواء، بل يأمل أن يرى المبادرة تتوسع لتشمل أحياء أخرى، ويخطط حاليًا لتلوين أطباق الاستقبال أعلى مبنيين أحدهما في الزمالك والآخر في منطقة وسط البلد.

في بلد يمر بظروف سياسية مشحونة، أراد ستون كينج التخفيف من حدة الانقسامات السياسية بخلق مبادرة تشمل الجميع. ويقول أنه حين قَدِم الى القاهرة كان هناك توجسًا من أنه سينشر فنًا ذا طبيعة سياسية يثير الجدل أويغذي الروح العدائية، ولذلك فقد اختار نوعًا من الفن يساعد على التعبير عن الذات ويسهل وصوله للناس من مختلف الأعمار والخلفيات والانتماءات السياسية.

ومع ذلك، فإن ستون كينج دائمًا ما يُواجَه بسؤال: ما حاجة مصر لشخص أجنبي ليقوم بتلوين أطباق الاستقبال فيها؟، فيرد دائمًا بـ: "لا تحتاجون لأجنبي ليفعل لكم ذلك!". فهو يأمل في أن تستمر المبادرة ويبدأ الناس في تلوين أطباق الاستقبال بأنفسهم. يقول ستون كينج: "أعتقد أنها ستكون بالتأكيد فكرة أفضل أن يلون الناس أطباقهم بأنفسهم بدلًا من أن آتي لمنازلهم وأقوم بذلك، لأنه في نهاية الأمر هذا ليس مجتمعي وهذه ليست بلدي. لذا أحببت فكرة أن أبدأ بالمشروع وأن أُلهم الناس، ولكن في النهاية الأمر يخص هؤلاء الناس وأي الألوان يحبونها وكيف يودّون هم أن يروا أسطح منازلهم".

بدأت المبادرة الآن في تلقّي صور من بعض الناس الذين بدأوا بالفعل بتلوين أطباق الاستقبال خاصتهم بأنفسهم، وكان فادي عزوني، 26 سنة ويعمل طبيبًا بيطريًا، واحدًا من هؤلاء. فقد تشجع للمبادرة بعدما تذكّر الشعور ذاته الذي يراوده حين يهبط بالطائرة فوق القاهرة ليراها مكانًا مُتربًا ورمادي اللون. يقول فادي: "فكرت أنني لو قمت بذلك وكذلك كثيرون آخرون، فستصبح مصر ملونة زاهية". عرف فادي عن المبادرة عن طريق صفحتهم على موقع (فيس بوك) وقد شجّع خطيبته وأهلها على يحذوا حذوه، بل وقد أدى انتشار المبادرة إلى عمل فيديو على موقع (يوتيوب) يشرح للناس كيفية طلاء أطباق الاستقبال خاصتهم، ويأمل ستون كينج أن يسمع عن قصص مماثلة لقصة فادي عزوني، فيقول: "أتمنى ألا تتوقف المبادرة برحيلي وأن تنتشر وتكبر وأن يتخذها الناس وسيلة للتعبير عن أنفسهم".

قبل أن ينتقل للقاهرة، عاش ستون كينج في باريس لبعض الوقت وقد لاحظ أن هناك مميزات وعيوب للمشهد الفني في مصر مقارنة بمثيله في دول أوروبية أخرى. "هناك مساحة كبيرة من الحرية هنا تجعلك تفعل ما تشاء، فالخامات متوفرة وهناك أناس كثيرون يرغبون في العمل والتطوع والمساعدة. أي شئ قد يخطر ببالك قد يساعدك الأخرون على تحقيقه، وهذه فكرة تدعو للانطلاق والتحرر". يقول (ستون كينج) ضارباً المثل بالمُشتغلين بالحرف المحلية والصناعات الخشبية والحِدادة والعاملين بالمطابع. ولكنه يضيف أن غالبًا ما تكون هناك عقبات مؤسسية تعطل سير العمل كانقطاع المياه والتيار الكهربائي.

يقول ممازحًا: "الأمر في أوروبا عكس ذلك. فدائمًا ما تتوفر لك خدمات المياه والانترنت ولكن لا أحد يهتم بما يفعله المرء"، ويضيف أيضًا أنه حين كان يتأهب للرحيل عن باريس كان قد تناهى إلى سمعه أن هناك معرضان أو ثلاثة على الأقل سوف يتم غلقهم لأن المهتمين بالفن قد قلّ عددهم، بينما في مصر فإن هناك مساحات فنية أكثر آخذة في الانتشار، وقد بدأت العديد من الفرق في تنفيذ مشاريع فن الشارع والفنون الآدائية. ولذك فإن ستون كينج سعيد جدًا بمساهمته في المشهد الفني بمصر والذي وصفه بـ"المثير للحماسة". يقول ستون كينج: "مصر قد رحّبت بي، لذا أود أن أنفذ أعمالًا جميلة هنا كوسيلة لشكر المكان وأهله على استضافتهم لي".

يجذب موسى ابن العشرة أعوام كرسيًا في المقهى الشعبي في أرض اللواء ليجلس بجوار ستون كينج محدقًا بحائط خارجي من الطوب والاسمنت لبناية أمامهم ويتساءل: "هل بإمكانه أن يلوّن هذه الجدران أيضًا؟".

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#جرافيتي

لوحات على البيوت: حوار مع إل سِيد حول تغيّر اﻹدراك

تحمل منطقة الزرايب، التي تسكنها أغلبية من الأقباط، اسم "عزبة الزبالين" (جامعو القمامة) بسبب مهنة سكانها: جمع قمامة القاهرة وتصنيفها يدويًا وبشكل يومي. يحقق عملهم في تدوير القمامة أرباحًا طائلة، كما يقدم خدمة جليلة للمدينة…

إيمي داوسون 8 دقيقة قراءة
#تيران وصنافير

“أطفال شوارع”: بين خوف الدولة من السخرية.. وخوفها من الشارع

أمرت نيابة شرق القاهرة الكلية أمس، الثلاثاء، بحبس أربعة من أعضاء فرقة "أطفال شوارع" 15 يومًا على ذمة التحقيق، فيما لم يتم بعد تنفيذ قرار إخلاء سبيل العضو الخامس بالفرقة،…

شادي زلط و محمد حمامة 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن