بازوليني في مئويته.. البحث عن فضيحة
بالتعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة، تعرض سينما زاوية أربعة أفلام للمخرج بيير باولو بازوليني (1922-1975) ضمن برنامجها «نظرة على السينما الإيطالية».
في محاولة منه للتعريف بنفسه قال بيير باولو بازوليني: «تعريف نفسي؟ إنه مثل السؤال عن تعريف اللانهائي. هناك لانهائي داخلي ولانهائي خارجي. عندما أفكر في نفسي، أفكر في شيء لانهائي. من المستحيل بالنسبة لي أن أجد تعريفًا له بالنسبة لك، أنا على الأرجح شيء محدد، لكن بالنسبة لي أنا لا حصر له. أنا مرآة اللامتناهي الخارجي. ولا يمكنني تعريفه. بالتأكيد يمكنني أن أخترع شعارات، أقوال، وربما حكايات لطيفة، ستناسب أحاديث الصالونات. لكن ربما يمكنني أن أقتبس جملة كتبتها عني إلسا مورانتي: قالت ذات مرة إنني نرجسي يحبّ نفسه بسعادة. لكني أضيف، نرجسي يحبّ العالم ولا يجد السعادة في هذا الحبّ».- من كتاب «بازوليني عن بازوليني: مقابلات مع أوزفالد ستاك».
شاعر وروائي وكاتب مقالات وسيناريو ومسرح وممثل ومخرج: هذا هو بيير باولو بازوليني، مثقف شامل حارب أشكال السلطة كافة، بمعارضته قمع الإنسان، فكريًا وجسديًا وحسيًا، لاعنًا الرأسمالية الاستهلاكية، وناقدًا تشدّد الكنيسة وتكريهها الناس في الدين، ومستفزًا البرجوازية وسلطتها.
أثار الجدل في عصر إيطالي لا يقلّ إثارة عن بازوليني نفسه. «روما» بعد الحرب العالمية الثانية التي تحدّدت خطوط قوتها بين فاشية دينية وديمقراطية مسيحية وشيوعية راديكالية، كانت ساحة بزوغ مثالية لمفكّر من طينته، جمع بداخله خلفيات متناقضة ونوازع إبداعية متنوعة، ليخرج بشيء عجيب، ليس بالضرورة جديدًا كليًا وإنما جوهر منهجه كامن في الإتيان إلى العالم بما نساه وأهمله. أراد بثّ الشعر في السينما وفي نفس الوقت سعى إعادة روح الرسم إليها. في الشعر، حاول أن يترك وراءه كل ما هو غنائي وأن يرنّم نثرًا جامحًا يتواصل في ما وراء الكلمات. يمكن القول أيضًا إنه سرعان ما سئم قيود كل حقل فني وإبداعي دخله ونشط فيه، مختارًا تجاوز كل الحدود. فعل هذا بصبر ودأب ومراكمة، بلا افتعال، إنما بكثير من الاستفزاز للعادات البرجوازيَّة والتحريض على مواجهة الثَقافة الوليدة لمجتمع الاستهلاك.
في السينما، عانت أعماله المبكرة التي وَصفها بأنها دلائل على «الواقعية النقدية» -«أكاتوني» (1961) أو «ماما روما» (1962)- من سوء الاستقبال، قبل أن تنحو سينماه تجاه سمت أكثر تمرسًا ورمزية في «نظرية» (1968) أو «أوديب ملكًا» (1967). فيلمه الأخير غير المكتمل، «سالو» (1975)، بإسقاطه السادية المازوخية للماركيز دي ساد على فاشية موسوليني، قد يكون حاسمًا في فهمه للجنس والسياسة. ففي معرضه الوحشي لطقوس الإذلال لكل ما هو جميل في الحياة، تظل تلك الـ145 دقيقة حتى يومنا هذا فرضًا أساسيًا لفهم ومساءلة آليات أي سلطة شمولية.

كان ماركسيًا على الدوام، غير إنه غالبًا ما دخل جدال مع حزبه الشيوعي، لم يكن لطيفًا تجاه زعماء ورموز «ثورة 1968»، كما يظهر في قصيدته الشهيرة «الحزب الشيوعي للشباب»، التي كتبها بعد الاشتباكات في فالي جوليا بين مسلّحين يساريين ويمينيين وقوات الشرطة الإيطالية. «تملكون وجوه أطفال آبائهم. أكرهكم مثلما أكره آبائكم. هيئاتكم الناصعة لا تكذب. لديكم نفس النظرة اللئيمة. خائفين، وغير أكيدين، ويائسين (جيد جدًا) لكنكم تعرفون أيضًا كيف تكونون متنمرين ومبتزين ومدلّلين: قيم البرجوازية الصغيرة، أيها الأعزاء». بشكل عام، كانت علاقته مع الحزب الشيوعي جيدة، بالرغم من قرار الأخير طرده في عام 1949. لكن في السنوات الأخيرة من حياته، اقترب بازوليني بشكل وثيق من مبادرات الحزب الراديكالي، وفي مؤتمر عام 1975 كان من المزمع أن يلقي خطابًا، وجد له وقتًا لكتابته، ولم تسنح له الفرصة لقراءته أبدًا.
في ليلة الثاني من نوفمبر 1975، قُتل بازوليني بوحشية على شاطئ أوستيا قرب روما. موته الملغز يشبه أعماله ويفارق مسار حياته، ويصلح مدخلًا لفهم الأفكار الثلاث الأساسية لعمله، الماركسية والجنس والدين، ودورها في مآله الأخير.

ضفدع، ومجازر.. وسؤال معلّق
لم يكن موته خبرًا عابرًا، كما أراد مناهضوه في ذلك الوقت، إنما نقطة تحول حقيقية في التاريخ الحديث لإيطاليا. أسكتت قوة غامضة صوت المثقف الحرّ، والنزيه، والاستفزازي، و-كأن ذلك لم يكن كافيًا في بلد لا يزال محافظًا- المثلي المفتخر علانية بميوله الجنسية. «إيطاليا تملك أكثر الناس أميّة، والبرجوازية الأكثر جهلًا في أوروبا».
مساء وفاته ذهب الشاعر لتناول العشاء في مطعم بوميدورو بحي سان لورينزو مع صديقه نينيتو دافولي وزوجته وابنهما. في ذلك الوقت، كان بازوليني نشطًا في عمله. كان قد أنهى للتو فيلمه «سالو، أو 120 يومًا من سدوم»، وبدأ التحضير لمشروع فيلم جديد. بالإضافة إلى ذلك، استمر باجتهاد في كتابة المقالات وإجراء المقابلات الصحفية. بعد ظهر يوم 1 نوفمبر 1975 أجرى مقابلة مع الصحفي فوريو كولومبو. «جميعنا في خطر»، كان هو العنوان الذي أراده بازوليني لمقابلته الأخيرة المطبوعة. «أتوقع منك أن تنظر حولي وتلاحظ المأساة. ما المأساة؟ المأساة هي أنه لم يعد هناك بشر، هناك آلات غريبة تصطدم ببعضها البعض».
في ذلك المساء نفسه، مع نينيتو دافولي، أعرب الشاعر عن انزعاجه بسبب خوفه من التجول في الشوارع المليئة بـ«هؤلاء البلطجية الموجودين حوله». بعد العشاء، ذهب بالقرب من محطة تيرميني، وبين ساحتي دي شينكويشينتو وإيزدرا (ساحة الجمهورية حاليًا)، توقّف عند كشك صغير يتردّد عليه المحتالون. من الآن فصاعدًا، لا شيء واضح، ضباب كثيف يغلّف كل شيء في تلك الساعات الأخيرة. بعد أكثر من 40 عامًا، وفتح القضية وإعادة فتحها (آخرها في العام 2015)، ومئات الشهود، والتحقيقات الصحفية، والأفلام عن حياته، لا تزال وفاة بيير باولو بازوليني واحدة من أكثر الحالات غموضًا في التاريخ الإيطالي الحديث.
في ساحة إيزدرا وسط روما، يلتقي بينو بيلوزي، المعروف باسم الضفدع واحدًا من «أبناء الحياة»، شخصية مشابهة لتلك الزاخرة بها أعمال بازوليني. ذهب الاثنان إلى مطعمٍ في سان باولو ثم وصلا في وقتٍ متأخر من الليل إلى أوستيا. في طريق ترابي متسخ، تلفّه بعض المنازل الصغيرة القريبة، يسحب بازوليني فرملة يدّ سيارته الألفا روميو، وبعد فترة وجيزة سيكون عبارة عن كتلة من الدماء الساخنة والعظام المتكسّرة، بعدما ينفجر قلبه وتدهسه سيارته جيئة وذهابًا.

الرواية الرسمية لما حدث معروفة جيدًا. قتل الشابُ اليافع الشاعرَ لأن الأخير ذهب بعيدًا جدًا في محاولته الظفر بالشاب. ذهب «الضفدع» إلى المحكمة، وحُكم عليه بالسجن تسع سنوات وسبعة أشهر. أشير في نصّ الحكم إلى أن المتهم لا يمكن أن يكون قد ارتكب جريمة القتل وحده. لفترة طويلة لاحقة، اعترف بينو بيلوزي بالذنب، إلا إنه في عام 2011 حين نشر سيرته الذاتية في كتاب بعنوان «أعرف... كيف قتلوا بازوليني: قصة صداقة وقتل»، قال إن ثلاثة أشخاص غيره قتلوا الشاعر، تحديدًا ثلاثة أشخاص بلهجة صقلية. قبلها في 7 مايو 2005، بعد 30 عامًا من مقتل بازوليني، وفي برنامج تلفزيوني وثائقي، قال بيلوزي لأول مرة علنًا إنه لم يكن وحيدًا في تلك الليلة، إذ رأى ثلاثة رجال بلكنات صقلية أو كالابرية يضربون بازوليني حتى الموت. قال بيلوزي أسماء، لكن كلها لأموات. حاول الدفاع عن بازوليني، وهكذا أصاب رأسه.
ومن قبل هذا كله، في 14 نوفمبر 1975، نشرت الصحفية والروائية أوريانا فالاتشي مقالاً صحفيًا بعنوان «بازوليني قتل على يد راكبي دراجتين ناريتين». أفادت فالاتشي أنها سمعت، قبل وقت قصير من الجريمة، محادثة هاتفية بين شاب سأل محاوريه عما إذا كان كل شيء على ما يرام بخصوص مسألة بازوليني. «لم يتعرض بازوليني للهجوم والقتل من قبل بينو بيلوزي فقط، وإنما أيضًا من جانب اثنين من السفاحين الآخرين، يبدو أنهما معروفين في عالم المخدرات».
بعد سنوات عديدة، لا يزال الجناة الحقيقيون مجهولين، مثلما لم يُعرف بعد مَن الذي أصدر الأمر بالقتل. لا شك في أن بازوليني استدرج إلى فخّ منصوب: كان يبحث عن الجنس، فتعثّر بحفنة بلطجية تربّصوا به وقتلوه بوحشية. توجّهت أصابع الاتهام نحو المنظمات الإجرامية وعصابات الفاشيين الجدد، إضافة لبعض مناصري الحزب الديمقراطي المسيحي وأجهزة المخابرات السرية، باعتبارهم المحرضين المحتملين على القتل. ومع ذلك، لم يتضح أي شيء في المحكمة.
كان بازوليني نهمًا للحقيقة، مهتمًا بمعرفة دوافع ومرتكبي الفظائع التي تناولتها مقالاته. في مقالٍ بعنوان «هذا الانقلاب؟ أعرفه»، نُشر في الصحيفة المحافظة «corriere della sera»، يكتب: «أعرف أسماء المسؤولين عما يسمّى بالانقلاب. أعرف أسماء المسؤولين عن مجزرة ميلانو في 12 ديسمبر 1969. أعرف أسماء المسؤولين عن مذبحة بريشيا وبولونيا في الأشهر الأولى من عام 1974. الفاشيون القدامى صانعو الانقلابات، والفاشيون الجدد مرتكبو المذابح الأولى، وأخيرًا، المسؤولون المجهولون عن أحدث المذابح».
وكان بازوليني على اتصال وثيق مع جيوفاني فينتورا، الناشر والإرهابي المدان بالسجن والعضو في حركة للفاشيين الجدد، كشف له تيارات وأسماء الأطراف الحكومية المتورطة في المجازر. آخر الرسائل التي تلقّاها بازوليني من فيتنورا، تعود إلى أكتوبر 1975، قبل أيام قليلة من مقتله.
الخيط الآخر الذي يمكن أن يقودنا إلى لغز وفاة الشاعر هو فصل بعنوان «عاصفة فوق إيني»، ضمّنه بازوليني بين أوراق روايته «بترول». الرواية غير المكتملة نُشرت في العام 1992، لكن من دون هذا الفصل، وقيل إنه ضاع. «إيني» المقصودة هي الشركة الإيطالية الرائدة في مجال البترول والمحروقات، وفي المقطع يتحدّث بازوليني عن رئيسها أوجينيو تشيفيس، الذي كان عضوًا في الحزب الديمقراطي المسيحي، وعلاقته بمقتل الموظف الحكومي إنريكو ماتي في حادث طائرة لا يزال هو الآخر لغزًا كبيرًا.
حرب صليبية
«أي فريق كان سيسعد بوجود بازوليني في صفوفه. بدايةً، فقدنا شاعرًا. ولا يوجد الكثير مثله في العالم، ثلاثة أو أربعة شعراء مثله يأتون في قرنٍ بأكمله. عندما ينتهي هذا القرن، سيكون بازوليني من بين القلائل المعدودين. الشاعر مقدّس». هذا مقتطف من خطبة ألبرتو مورافيا التي قرأها في جنازة بازوليني، وبها يُفتتح الفيلم الوثائقي «بيير باولو بازوليني: قديس سيئ السمعة» (2015). يروي الوثائقي، بالإضافة إلى استعادة الأفلام السينمائية للمثقف الشامل، مغامرات بازوليني مع الرقابة والسلطات القضائية.
خضع بازوليني في حياته التي لم تتجاوز 53 عامًا لأكثر من 30 محاكمة. بدأ الأمر في العام 1949، حين كان بازوليني يدرّس في مدرسة إعدادية في مقاطعة بوردينوني. في إحدى الأمسيات، خلال حفلة شعبية في قرية راموسكيلو، رفع مرفقه وأحاط بعضًا من رفاقه الصغار، وفي طريق عودته إلى المنزل التقى بمجموعة من الأطفال، وحادثهم. البلدة صغيرة، وسرعان ما انتشرت الأقاويل حول سلوك المدرس وعلاقته بالأطفال، حتى وصلت إلى إحدى ثكنات الكاربيناري القريبة (وحدة تابعة للقوات المسلحة الإيطالية يُعهد إليها بمهمة حماية النظام العام والشرطة القضائية والأمن العام والشرطة العسكرية في زمن السلم).
يعترف الشاعر بالوقائع، ويصفها بالحدث الاستثنائي الذي تسبّب فيه تأثير الرواية التي كان يقرأها. في ذلك الوقت، لم يكن بازوليني معروفًا لعامة الناس بعد، مع أنه نشر بعض المجموعات الشعرية باللغة الفريولية (لغة منشأ والدته)، وحقق بعض النجاح. إضافة لكونه سكرتيرًا في الحزب الشيوعي الإيطالي. اكتسبت مغامراته القضائية شعبية وأضحى اسمًا معروفًا للجمهور، فقام الحزب الشيوعي بطرده بطريقة متسرعة ومهينة، عبر مقالٍ قصير نُشر في صحيفة الحزب. طُرد بازوليني لعدم جدارته الأخلاقية، كما يفصّل فيليبو سيكاريلي في جريدة «لا ريبوبليكا».
بنشره روايته الأولى «أولاد الحياة» في عام 1955، حقق بازوليني نجاحًا على الصعيد الإيطالي، لكن الرواية نفسها جلبت عليه مشاكل جديدة أوصلته إلى ساحات المحاكم. كما يحدث عندنا في مصر أحيانًا، كُتبت الرواية بلغة تعيد إنتاج الواقع. البطل ريتشيتو وشخصيات أخرى تتحدث باللهجة الرومانية، بخشونتها وقذارتها، البعيدة كل البعد عن الأسلوب السائد في إيطاليا الخمسينيات. المدعي العام في ميلانو أدان الكاتب وناشره لنشرهما الفاحشة. دافع العديد من الكتّاب عن أعمال بيير باولو بازوليني، مثل ألبرتو مورافيا. «أولاد الحياة" تكشف حقيقة واقعة. اكتشف بازوليني الحقيقة، وأظهر لنا الأولاد من القرى، وكشف عن شخصيتهم الملحمية».

في عام 1961، لاحقته مشكلة قضائية أخرى. الشاعر، المعروف الآن للجميع، موجود في شيرشيو حيث يجهز مع سيرجيو شيتي لفيلمه القادم. في نزهة على الأقدام، توقّف عند محطة بنزين ليملأ سيارته بالوقود. يدخل المطعم الصغير ويشرب زجاجة كولا ويطرح بعض الأسئلة الصغيرة ويغادر. في اليوم التالي، قدّم النادل الشاب شكوى ضد الزائر الغريب، زاعمًا أنه سرقه وهاجمه وهدّده بمسدس محشو برصاصات ذهبية. كانت الاتهامات خالية من الدلائل، لكن المحاكمة بدأت وسرعان ما أصبحت آلة تشهير ضد بازوليني ومثليته الجنسية.
من بعدها لم يسلم بازوليني من الاستدعاءات إلى ساحات المحاكم، فقد واجهها مع فيلمه الأول «أكاتوني»، أول فيلم إيطالي يُحظر دخوله على القاصرين دون سن 19 عامًا، ثم مع فيلمه القصير «الريكوتّا»، المتهم بإهانته الدين المسيحي.
السينما بحسب بازوليني
حول أسلوبه كمخرج، كتب بازوليني: «ما يدور في ذهني كرؤية هو اللوحات الجدارية لماساتشيو وجوتو -وهما أكثر ما يعجبني بين الرسامين- بجانب بعض الفنانين (بونتورمو، على سبيل المثال).. لا أستطيع فهم أي لوحات أو مناظر طبيعية أو تركيبات تصويرية لا تتصل بهذا الشغف الأولي الذي امتلكته لفنّ الرسم في القرن الرابع عشر، والذي يجعل الإنسان محور كل منظور. عندما تتحرك صوري، يبدو الأمر كما لو أن العدسة تتحرك عليها على أنها لوحة: أفهم دائمًا الخلفية كخلفية للوحة، كإعداد مسرحي، ولهذا السبب دائمًا ما أقاربها وجهًا لوجه».

لم يدرس بازوليني السينما بل تعلّمها بنفسه. درَّب عينه على فن أساتذة عصر النهضة الإيطالية العظماء وخلفائهم الأكثر حداثة. لذا، غالبًا ما يكمن سرّ جمال صوره السينمائية في ما يتجاوز انكسار وعنف الشخصيات المصورة، بالرغم من الدراما المؤثرة التي تحتويها سيناريوهات أفلامه. «إذا قررت أن أصنع أفلامًا، فذلك لأنني أردت أن أصنعها تمامًا كما أكتب الشعر، وكما أكتب الروايات. كان ينبغي أن أكون مؤلفًا لأفلامي، ولا يمكنني أن أكون مؤلفًا مشاركًا، أو مخرجًا بالمعنى المهني لشخص يقوم بتمثيل شيء ما، كان علي أن أكون مؤلفًا، في أي لحظة من عملي». يستخدم بازوليني هذه الكلمات لوصف دخوله المجال السينمائي في مقالٍ نُشر عام 1964 بعنوان «نظرة دينية-ملحمية للعالم/ Una visione del mondo epico-religiosa». هنا تتضح الصلة القوية بين بازوليني الروائي وبازوليني المخرج، أو بالأحرى السينمائي. غير أن ظهوره الأول خلف الكاميرا لم يكن سلسًا على الإطلاق.
العديد من النقاد، بمن فيهم بعض الذائعين والمؤثرين، مثل أسور روزا، وجوليانو ماناكوردا، لم يتهاونا في نقدهم السلبي لبازوليني. بالنسبة لكليهما، لم تفعل أفلام الشاعر شيئًا سوى إعادة اقتراح التجارب السردية للماضي، دون حداثة جوهرية. عندما قُدّم «أكاتوني» في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1961، ساد انطباع بأن بازوليني جاء إلى السينما للاستعراض وجذب الانتباه فحسب. بدا الفيلم وكأنه محاولة هروب منه لتجديد تفكيره. إلا أنه في حقيقة الأمر، استند النشاط السينمائي لبازوليني إلى أسس متينة من الدراسة والتأملات في الفن السابع وارتباطه الوثيق بالرسم. يكفي أن نتذكر نشاطه كناقد سينمائي، بسلسلة من المقالات نُشرت بين عامي 1959 و1974، في مجلات مثل «Reporter» و«Vie nuove» و«Playboy» و«Tempo illustrato»، جُمعت بعد وفاته في كتابٍ بعنوان «أفلام الآخرين» .

لم يكن بازوليني عديم الخبرة سينمائيًا عندما أنجز فيلمه الأول. ففي الخمسينيات قُدّم المخرج المستقبلي إلى عالم السينما بواسطة الشاعر والروائي جورجيو باساني، ككاتب سيناريو. في ذلك الوقت، استخدمت صناعة السينما بكل سرور موهبة الكتاب، ليس فقط بتكليفهم بصياغة بعض المشاريع، وإنما أيضًا لتقوية القصص الهشّة ببناء أقوى للشخصيات وإثراء السرد. هذا ما حدث لبازوليني الذي تعاون مع العديد من المخرجين، مثل ماريو سولداتي في «فتاة النهر» (1954)، وإيرمانو أولمي في فيلميه القصيرين «نافذة مانون» (1956) و«جريجيو» (1957)، وفيدريكو فيلليني في «ليالي كابيريا» (1957) و«الحياة الحلوة» (1960). إلى جانب أفلام وأسماء أقل شهرة، مثل «ليلة طويلة من عام 43» (1960) للمخرج فلورستانو فانشيني، وثلاثة أفلام للمخرج ماورو بلونيني، هي «ماريسا البومة» (1957)، و«أزواج صغار» (1958) و«ليلة سعيدة» (1959).
هذا الأخير ظهر في نفس عام ظهور فيلم «ليالي تيدي بويز» للمخرج يوبولدو سافونا. يحكي الفيلمان قصة متشابهة للغاية، تتمحور حول مجموعة من الشباب الطائشين يظهرون انزعاجهم وضيقهم ليلة رأس السنة. أضحى الفيلم منسيًا تقريبًا، وغير متوفر على منصات البث المباشر، كما أن رحلة وجوده تمثّل حالة نموذجية لإنتاج الأفلام الإيطالية. وقّع سيناريو الفيلم كل من توماسو تشياريتي وفرانكو جيرالدي وإليو بيتري، إلى جانب المخرج. بعض المصادر تذكر بيير باولو بازوليني من بين مؤلفي الفيلم، لكن اسمه لم يظهر أبدًا في تترات الفيلم.

تمتلك قصة الفيلم العديد من سمات بازوليني. لا يختلف الأبطال الصغار كثيرًا عن شخصيات بازوليني؛ كما أن الإشارات إلى الدعارة، وهي موضوع متكرر عند بازوليني، مركزية في بناء قصة الفيلم. وبالتالي، فإن مساهمته أكثر من حاسمة في كتابة الفيلم، لكنها لم تذكر أبدًا في العناوين. من المفترض أن هذا حدث لأن الفيلم أُنجز ضمن معادلة ترنو إلى الأرباح. «يونيا فيلم»، الشركة المنتجة، لم تهتم بالفنّيات، بقدر جمع الأموال في شباك التذاكر. كان من الممكن أن يثير اسم بازوليني قلق الوزارة ويخلق العديد من المشاكل مع الرقابة. كانت مشاركة الشاعر أيضًا محاولة لامتصاص موهبته داخل السينما، وهي محاولة ماتت في مهدها، نظرًا لأن وقتًا قصيرًا سيمرّ قبل أن يعلن بازوليني نفسه مخرجًا ومؤلفًا سينمائيًا بباكورته «أكاتوني».
أراد ابتكار «سينما شعرية»، في حدود البسيط والضروري والشائع: «كما تعلمون، التقنية خرافة». في «أكاتوني» يفعل هذا بالضبط، مع العديد من اللقطات المقربة، والقليل من حركات الكاميرا. «إنها طريقتي في رؤية الواقع وكأنه مقدس. والقداسة بسيطة للغاية».
البحث عن فضيحة
يمكن للمرء المراهنة: كم من الوقت سيستغرقه مقال تذكاري للوصول إلى الإعلان بأن الشخص المحتفى بذكراه «لا يزال ذا صلة بواقعنا» أو في حالات أفضل، «أكثر راهنية من أي وقت مضى»؟ في أيامنا الحالية، المطبوعة بإثارة الجدل حول أي شيء تقريبًا والمهووسة بملاحقة الأجدد والأحدث، غالبًا ما يتمثل الثناء الأكبر في الادعاء بأن ذلك الشخص كان «سيُلغى» بالتأكيد اليوم.
كلا الأمرين يمكن أن يقالا بسهولة مريبة عن بيير باولو بازوليني. نعم، هناك قدر هائل في كتاباته وأفلامه يمكن للمرء أن يربطه بعالم اليوم، من نقده للاستهلاك إلى اهتمامه بغير المستهلَك والقديم والمهجور. وهناك أيضًا الكثير مما يمكن أن يسيء إليه، بدءًا من مساءلة وجهة نظره عن القديم/المهجور وحدود استغلاليته لطبقة ظلّت بعيدة عنه رغم عشقه لها. فضلًا عن الأسئلة الأكثر صعوبة والتكهنات المختلفة حول علاقاته مع الشباب في أوساط المحتالين والمتسكّعين التي أدت، بطريقة ما، إلى مقتله الغامض.
لنأخذ، مثلًا، اقتباسه من الكتاب المقدس «إنجيل القديس متّى» (1964). يلتصق الفيلم بشدة بالنصّ المقدّس، وفي الوقت ذاته لا توجد هنا عمليات إعادة بناء متقنة للجدران القديمة ولا خدع كاميرا خاصة تكيّف القصة القديمة مع عادات المشاهدة لدينا. ذهب بازوليني إلى فلسطين لمعاينة مواقع التصوير، لكنه في الأخير، بدلاً من ذلك، وجد أماكن ووجوهًا في الأمداء الزراعية الجرداء والقرى المتهدمة في جنوب إيطاليا قادرة على جعل قصة المسيح تبدو متماسكة تاريخيًا. لا تتحقق أصالة تلك الصور والمشاهد لأنها تناسب فكرتنا الحديثة عما نعتبره قديمًا، فحسب. إنما بحالتهم البائسة ووقوفهم على حواف الأشياء، يصوّر الممثلون الهواة والمواقع المختارة مجتمعًا يتردّد فيه صدى أطروحات المسيح الثورية الثقافية بطريقة يمكن وصفها بالخطيرة، حتى بعد 2000 عام.

تفضيل بازوليني للجمال غير المصقول للوجوه العادية يعطي الفيلم روحانيته الخاصة. فهناك الوهج في عيون يوسف النجّار، والحزن العميق في عيون السيدة مريم المسنّة (لعبت دورها سوزانا والدة بازوليني)، والإباء الصارم ليوحنا المعمدان؛ تملأ وجوههم الشاشة، وتضفي الحيوية على المعرفة التقليدية/الدينية بفضل القوة الجماعية لأداء تمثيلي عاطفي بامتياز، يقترب من الوجد الصوفي. هذا النوع من الشعبية المباشرة موجود في العديد من أفلام بازوليني. في أقوى لحظاتها، تحقق المثل الأعلى «للفن الشعبي» الذي لا ينزل من السماء، وإنما يخلق صورًا مؤثرة بجمالٍ جليل، خشن وخام، وفي نفس الوقت نقدًا حادًا وصريحًا للوجود أبعد من الإطار الضيق لمواجهة ثنائية الثقافة الشعبية والرفيعة. كان لهذه الجمالية الشعبية لبازوليني تأثيرًا أبعد من إيطاليا. على سبيل المثال، من السهل التعرُّف في المحتالين الصغار الفكهين المتسكّعين في الشوارع في «أكاتوني» على نماذج لأبطال مارتن سكورسيزي، الثرثارين والكتومين على السواء.
بدلًا من التأكيد المستمر على أهمية بازوليني والحديث عن خلوده، ربما من الأفضل الإشارة إلى أن أفلامه غالبًا ما ستكون أكثر تنفيرًا اليوم مما كانت عليه بالفعل في زمنها. أي تصنيف، سواء كان ضمن السينما «الفنية» أو الواقعية الجديدة، يحجب أكثر مما يقدمه إلى هذه النقطة. بالرغم من كل هذا، جمع بازوليني دون عناء بين الواقعية والشعرية، والشعبية والفكرية، مثلما ساد عمله توترًا دائمًا بين المحدود واللانهائي، والمدنّس والمقدّس.
في الوقت نفسه، أحبّ بازوليني أن يخيب الآمال من جميع الجوانب: ملحد يتوق للروحانية، غير ملتزم بما يكفي بالنسبة لشيوعي، وهو أمر مزعج بالطبع للشاعر (أي شاعر في الحقيقة)، ويفتقر إلى روح النشاطية في نظر كثيرين بالنسبة لشخص سياسي صريح جدًا. كان محور نقد بازوليني للرأسمالية والتكنولوجيا والمجتمع الاستهلاكي شكواه من اختفاء الخاص والمقاوم، والذي اعتقد أنه حوفظ عليه لفترة أطول بين الفقراء والمهمشين والمحرومين أكثر مما فعلت الطبقة الوسطى المتجانسة والمتماهية في ما فوقها. وفي حين أن مثل هذا النقد بحد ذاته يظل موضعًا للاستشهاد بسهولة، يبدو الملمح الثاني، أي تبجيل بازوليني «للبروليتاريا الرثة» (في التحليل الماركسي، الطبقات الدنيا غير المنظّمة/المسيّسة في المجتمع غير المهتمة بالتقدم الثوري.)، المائل نحو المبالغة في أغلبه، فاقدًا للشعبية والوجاهة في الوقت الحاضر المسكون بسيادة التوجهات الشعبوية والاستقطابات السياسية الحادة.
وينطبق الشيء نفسه على تأملاته في الحبّ والغرام، كما ينعكس في أفلام مثل «ميديا» (1969) و«الديكاميرون» (1971) و«نظرية» أو حتى الفيلم الوثائقي «مقابلات الحبّ» (1964). في هذا الأخير، يسافر المخرج، مع المنتج ألفريدو بيني، في جميع أنحاء إيطاليا للعثور على أماكن ووجوه لفيلمه «إنجيل القديس متّى». بالرغم من ذلك، كان لدى بازوليني هاجس وحيد واضح: معرفة آراء الإيطاليين حول الحياة الجنسية. هكذا وُلدت شهادة سينمائية ثمينة لإيطاليا التي كانت. وقت ظهوره، نُظر إليه باعتباره نقدًا للمبدأ الكاثوليكي عن الخطيئة الأصلية، واحتفي به على أنه تحرٌّر من مشدّ الأخلاق المحافظة المتعصبة. بعد أكثر من 50 عامًا، أضحت مجالات الجنس والشهوة والرغبة موضع شكوك وتساؤلات بطريقة لا يزال من الواضح أن بازوليني لم يجد لها عينًا لمقاربتها، ولكن هذا، على العكس، يجعل أفلامه أكثر إثارة للاهتمام. هو السابح دائمًا عكس التيار، كان سيحبّ أن ينشط سينمائيًا وينجز أفلامًا في زمننا المطبوع بشرطة حساسيات لكل مذهب هويّاتي ومحاذير رقابية ذاتية تستبدل -أو ربما تتعاون مع- الرقابة الكلاسيكية.

اللافت أكثر هو ما يجمع سينما «القديس الرجيم» بالأفلام الإيطالية الحديثة المعروضة إلى جوارها ضمن فعالية «نظرة على السينما الإيطالية». الفيلم التسجيلي «مستقبل» (2021) لبيترو مارسيلو وفرانشيسكو مونزي وأليتشي رورواتشر، يعدّ تحية وتكريمًا لبازوليني، ولفيلمه « مقابلات الحبّ» على وجه التحديد. ملامح تأثيرية أخرى تظهر في بقية عروض البرنامج. في «إلى شيارا» (2021) لجوناس كاربينانو استعانة بالممثلين الهواة وانغماس في هوامش المجتمع الإيطالي. وفي حكاية «الحفرة» (2021) لمايكل أنجلو فرامارتينو حول استكشاف الكهوف، صدى لمحاولات بازوليني ابتعاث القديم وإعادة المهمَل. وفي «قصة الملك السلطعون» (2021) للمخرجين أليسيو ريجو وماتيو زوبِس، تحضر الأسطورة جنبًا إلى جانب التاريخ الشفوي وعوالم التراجيديات والأمثولات الشعبية. إجمالًا يصعب وضع قائمة بخلفاء شاعر كاسارسا في السينما الإيطالية، لكن يستحيل عدم تحديد آثار بازوليني في أعمال كلاوديو كاليجاري أو الأخوين دينوشينسو. فضلًا عن مسؤوليته المباشرة في إطلاق مسيرة كل من سيرجيو شيتي وبرناردو بيرتولوتشي.
الأكيد أن بازوليني كان سيفضّل وصفه بـ«الحاضر في غير أوانه»، إن لم يكن «عتيق الطراز»، على تسميته «الخالد» أو «الرجعي». استعادته الآن تتناسب مع ما حاول فعله في زمنه وحرّض عليه كإنسان وفنّان حرّ فكّر دائمًا في الأشياء بلا أن ينشغل بعواقبها. ففي زمن الإثارة المجانية والرائجة، تبدو علاقته الإيجابية بالفضيحة أكثر إلحاحًا. «إثارتها حقٌّ، وتجربتها تدعو للسرور، وكل من يرفضها هو أخلاقي»، هكذا يقول أحد أكثر اقتباساته شهرة. بهذا المعنى، يكمن الخطر الأكبر في مشاهدة أعمال بازوليني كملاذات فنية منفصلة أو لا منحازة. من الأفضل الاستمرار في البحث عن الفضيحة بداخلها.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن