الهروب من الحرب.. آلاف السودانيين يعبرون إلى مصر
«لم أتخيل يومًا أنني سأترك منزلي، لقد بكيته كما بكيت أبي عندما مات» تقول عزيزة لـ«مدى مصر»، وهي في طريقها للحدود السودانية المصرية.
كانت عزيزة تسكن في حي النصر بضاحية شرق النيل، شمالي الخرطوم، الحي الذي تحول إلى مسرح عمليات عسكرية، تتمركز فيه قوات الدعم السريع وتقصفها مدافع الجيش وطائراته الحربية، منذ اندلاع المواجهات العسكرية بينهما صباح السبت 15 أبريل.
تمثل مصر أحد أبرز طرق الفرار عبر الحدود البرية من الحرب المشتعلة في الخرطوم، فضلًا عن إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان. هذا إلى جانب النزوح الداخلي الذي يعد الأكثر بروزًا في السودان، ويجري الانتقال به إلى مناطق قريبة من الخرطوم مثل: شمال كردفان والجزيرة والشمالية والبحر الأحمر.
المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نسمة نوار، قدرت عدد النازحين بنحو 100 ألف نازح سوداني توجهوا للدول المجاورة مثل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى.
وقالت كريستين بشاي، مسؤولة التواصل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إنه حتى الآن هناك 64 ألف من الواصلين عبر المعابر الحدودية المصرية من غير المصريين، منهم 60 ألفًا و222 سودانيًا، والآخرين من جنسيات أخرى.
ووصف نازحون بالمعابر الحركة على الحدود المصرية بالاعتيادية بالنسبة للمصريين وحاملي التأشيرات والمعفيين من التأشيرات، مشيرين إلى أن التكدس والإجراءات الأمنية تتسبب في طول مدة العبور، خاصة في ضوء ما وصفته المصادر بالتشدد الأمني من الجانب المصري، والذي انعكس على تأخر وجود منظمات الإغاثة الدولية في المنطقة الحدودية.
وقال مصدر يعمل في معبر أرقين، لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إنه بخلاف المصريين والسودانيين ومزدوجي الجنسية، هناك بعض مواطني دول إثيوبيا وتشاد والنيجر ضمن الواصلين، فيما أكدت طبيبة تعمل في الجانب السوداني من الحدود، لـ«مدى مصر»، مفضلة عدم ذكر اسمها، أن هناك سوريين أيضًا من العابرين إلى مصر. وأوضحت بشاي في ذلك السياق، أن غير المعفيين من تأشيرة الدخول، يجري التواصل مع سفاراتهم.
وأفاد ضابط جوازات سوداني بمعبر أرقين، لـ«مدى مصر» أن إجراءات الدخول إلى مصر كما هي ولم تتغير، موضحًا: «الرجال بين 16 و50عامًا يجب أن يكون لديهم تأشيرة دخول، ومن ليس لديه التأشيرة يتم ارجاعه. ومن كانت جوازاتهم منتهية منذ شهور قليلة، يحصلون على تجديد في المنفذ السوداني من خلال ختم وتوقيع». وتؤكد بشاي «أن إجراء تجديد الجوازات المنتهية ينطبق على المصريين عند المعبر».
وكانت اتفاقية الحريات الأربع التي وقعت في 2004 بين الحكومة السودانية والمصرية تمنح المواطنين المصريين والسودانيين حق الاقامة والعمل وتملك العقارات في البلد الآخر، ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ، بشكل أساسي من قبل المصريين.
وأوضح مسؤول في غرفة الباصات السفرية في مدينة حلفا السودانية، لـ«مدى مصر»، مفضلا عدم ذكر اسمه، أنه الضغط على معبري أرقين وقسطل ارتفع، موضحًا أن معبر أرقين مجهز للأفراد، وقسطل مختص بنقل البضائع. وأشار بالوقت نفسه إلى أن الرحلات التي تصل للمعابر، لم تعد تأتي فقط من الخرطوم بصورة مباشرة، ولكن من مدن أخرى في ولايتي الشمالية ونهر النيل عبر وسائل نقل مختلفة.
وبحسب مصدر حكومي مصري، عند الوصول للجانب السوداني من الحدود، هناك حافلات كثيرة تنتظر مرورها، بعضها يحمل مصابين وكبار السن ونساء حوامل، فيما ينقص هذه القوافل الإمدادات الطبية الأساسية.
تستغرق عملية المرور وقتًا طويلًا، بحسب المصدر الحكومي، الذي أشار إلى أن الأولوية لمرور المصريين والنساء والمصابين والأسر المصاحبة لأطفال.
وقال مصدر من النازحين المصريين من السودان لـ«مدى مصر»، إن «التفتيش استمر ست ساعات في الجانب المصري»، مضيفًا «في الجانب المصري، سلمنا الجوازات الساعة 6 مساءً، واستلمناها 5 صباحًا بسبب الزحام. اكتشفنا أن طالبين اثنين احتجزهما الأمن الوطني للاستعلام والتحري الأمني».
وحول الوضع السيء للنازحين، قالت مواطنة سودانية وصلت القاهرة، لـ«مدى مصر» بعدما طلبت عدم ذكر اسمها، إنها خرجت من منزلها بحي بري شرق الخرطوم، حتى موقف غندهار، وشاهدت في طريقها جثث ملقاة في العراء بشارع الغابة، غربي الخرطوم.
وأوضحت أنها عندما وصلت إلى الموقف، كان يتخبطها شعور سيء، خاصة أنها تابعت ما حدث بين مشجعي الأهلي المصري والهلال السوداني بعد مباراة دوري المجموعات بدوري أبطال إفريقيا، مشيرة إلى أنه تملكها بعض القلق بخصوص التعامل، الذي ربما يكون سيء مع السودانيين. ولكنها تفاجأت بطريقة القبول عند المعبر، وذلك رغم تعثر الإجراءات بسبب الزحام.
عبرت المواطنة السودانية، لكن أخيها لم يستطع لأنه يحتاج إلى تأشيرة دخول، ما سيتطلب أيام، بحسب ما قاله لها ضباط الجوازات في الجانب السوداني.
وحسب شهود عيان من العابرين من معبر أرقين، يعد الهلال الأحمر المصري هو الجهة الوحيدة الموجودة من بداية اندلاع المواجهات، كمصدر للإمدادات الإنسانية بشكل أساسي.
أوضحت بشاي من ناحيتها، أن المفوضية كمنسق عام لعمل المنظمات الأممية الأخرى في المنطقة الحدودية تقدم مساعداتها عبر الهلال الأحمر المصري، وتتمثل تلك المساعدات في الطعام والمياه وبعض الخدمات الصحية.
من جانبها، أكدت نوار أن مساعدات اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتم عن طريق الهلال الأحمر المصري عند المعابر، وتتمثل في المساعدات البشرية واللوجستية لتسهيل أعمال الإغاثة عند الحدود، وتواصل المواطنين الواصلين للمعبر مع ذويهم عن طريق المكالمات التليفونية.
وحول تأخر المنظمات الأممية في الوصول للمعابر، أكد مصدر حكومي مصري آخر، أنه لا تقع على الجانب المصري مسؤولية تسهيل وجود منظمات أممية في المنطقة الحدودية. فيما أوضح أن الحكومة المصرية في تواصل مستمر مع الأمم المتحدة حول عبور الواصلين من السودان. «ندير المنطقة الحدودية محليًا، وبالتأكيد هناك تشديد أمني حول من يمكنه العبور، خاصة أن الأجهزة الأمنية لديها تخوفات من عبور عناصر من الدعم السريع»، قال المصدر .
وطالبت مجموعة من المنظمات الحقوقية في بيان مشترك نشر في 5 مايو الجاري، الحكومات والهيئات الدولية والأممية التدخل لتسهيل الإغاثة، واختصت دول الجوار بأهمية تسهيل عبور اللاجئين وعدم الإعادة القسرية، وتيسير وجود الخدمات الطبية في المناطق الحدودية/ والتعاون من المنظمات الدولية والمجتمع الدولي في تنسيق الجهود الإنسانية.
ويعد العبور إلى مصر الخيار الذي تذهب إليه الأسر التي لديها أقارب في مصر أو علاقات سابقة، بحسب ما يقوله رشدي الصادق، سائق إحدى الأتوبيسات السودانية. قال الصادق إنه حتى يذهب إلى المعابر، هناك طريق واحد وهو شريان الشمال، وصولًا إلى دنقلا، ومن ثم حلفا القديمة، مضيفا بالوقت نفسه أن الأتوبيسات لم تعد متوفرة كما كانت سابقًا بسبب الطلب المرتفع على التذاكر.
وقالت علا التاج، سودانية من سكان حي الرياض، شرق مطار الخرطوم، إن وصول السودانيين للقاهرة في ظل المواجهات العسكرية مرتبط بالاستقرار المؤقت. مضيفة لـ«مدى مصر» أنها لا تفكر في البقاء بالأراضي المصرية كلاجئة، فهي تعودت الحضور إلى مصر في إجازاتها السنوية.
قد يطول هذا الاستقرار المؤقت لمدد متفاوتة. محمد التهامي، خريج إحدى كليات طب الأسنان السودانية، قال لـ«مدى مصر» إنه سعى للحصول على دبلوم عضوية كليات طب الأسنان المشتركة في الكلية الملكية للجراحين بإنجلترا، ولا خيار له الآن إلا الذهاب الى مصر والعبور منها.
وأضاف التهامي أن مجموعة من أصدقائه في كليات الطب البشري يريدون الحصول على الزمالات، وليس أمامهم إلا الدخول إلى مصر من أجل اجتياز الامتحان.
عاطف عبد الله، سوداني يعمل في إحدى دول الخليج، يفكر في نقل أسرته إلى مصر من أجل ضمان التعليم والخدمات، فضلا على الحياة الآمنة، ويوضح عبد الله أن هذه الفكرة تراوده منذ تفاقم الوضع الاقتصادي في السودان.
تشير بشاي إلى أن هناك حتى الآن نحو 1500 طلب لجوء معظمهم من سودانيين، وبموجب تسجيل الطلب، يحصل هؤلاء على الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وغيرها.
تقارير ذات صلة
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل
تحظى العلاقات التجارية بين البلدين بأهمية متبادلة
العودة إلى السودان.. إعادة رسم السياسات من المربع الأول
بينما احتفت وسائل الإعلام الموالية للدولة في كل من مصر والسودان بالعودة، ازدادت خيبة أمل السودانيين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن