تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الشطرنج ذكرى حية

الشطرنج ذكرى حية

#116 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: عمر عوف 9 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

يحكي زميلنا عمر عوف عن فنون الشطرنج؛ الخطط والطرق والأكمنة، يخبرنا كيف يرقي شطرنجيّ لعبه مثل عسكري يصير وزيرًا. وخلال اللعب، فإن الكاتب والشطرنج ثلاثة، وذلك الثالث ليس المنافس بل ذكرى تكبر ولا تخفت، ليصير اللعب في هذا العدد من ديتوكس طقسًا شعوريًا يذكي جذوة الذكرى، ويخبرنا الكثير عن أنفسنا. 

#لعب

تعلمت الشطرنج على يد أبي، وكنت ألعب مباراة كل حين. لكني اتخذته هوايةً أمارسها باستمرار منذ ثلاث سنوات، بعدما توفى. 

لم أهزمه إلا مرتين. لا أتذكر إلا مرة واحدة منهما؛ أخذ حصاني ينط مطوحًا بقطع أبي كأنها لم تكن. أكل الحصان ثلاث قطع في تلاحق. مرة عسكرٍ أو فيل، ومرة طابية، ومرة الوزير. كان حصانًا وقح حقًا.

ولم تكن إلا سهوة من جانب أبي، فقدان تركيز بعد مباراة أو اثنتين، وعاد فهزمني في اللاحقة. لكن لحظات قفز الحصان من رقعة إلى أخرى كانت محملة بمعانٍ أبعد من طاولة الشطرنج. بجانب الفرحة الغامرة، شعرتُ بفخر أني كبرت، وبحزن أن أبي كبر. شعرت بتبادل ما للأدوار، كأن الزمن جاء ليقرع على الأبواب، لكن تركه الوالد منتظرًا طويلًا حتى ملّ واضطر أن يبعث رسالته بطريقة أخرى.

كان ذلك اليوم من أواخر ذكرياتي معه، وآخر مباراة أتذكرها. توفي بعدها بقليل، ربما بأسابيع أو بأشهر أو بسنة. لا أتذكر، لكنه قليل. 

كنت أدرس في فرنسا حينها، فعدت بعد العزاء لأكمل دراستي. وفي ذلك الوقت بدا لي أكثر شيء طبيعي الانغماس في عالم الشطرنج، فأنشأت حسابًا على موقع الشطرنج Lichess وبدأت مشاهدة فيديوهات على يوتيوب عن اللعبة، سواء كانت تحليلات لمباريات مستجدة أو تاريخية، أو فيديوهات تدريبية عن افتتاحيات واستراتيجيات لعب. تفرجت ولعبت كثيرًا عبر الإنترنت، في البداية يوميًا بعد محاضراتي في الجامعة. كنت أسخّن البيتزا وأخفض النور كأني سأشاهد فيلمًا، فأتفرّج على فيديو أو اثنين لعمنا آجادماتور الكرواتي مُحلل الشطرنج. 

تلك السهرات مطبوعة في ذاكرتي برونق مبهج. أظن عيشي وحدي لبضعة أشهر بعد وفاة أبي قبل أن أعود إلى مصر كان مفيدًا لاستيعاب أمور الحياة والزمن والشطرنج بعيدًا عن ضوضاء المعروف الذي لم يعد كقبل

ذهبتُ سريعًا من المعرفة فقط بحركة نابوليون -التي علّمها لي والدي في سن السادسة- إلى الضلوع بأسماء معظم افتتاحيات المباراة، ومعرفة أسماء أبرز اللاعبين الحاليين والتاريخيين، وتكوين نوع من نمط للعب، أو على الأقل انجذاب لطريقة معيّنة ومحاولة تطبيقها.

أجد نفسي منجذبًا تجاه طريقة لعب «وضعية positional»، وهي طريقة رزينة ليست متسرعة، تعتمد على نقل القطع بهدف تحسين فعاليتها وتناغمها على رقعة الشطرنج، وخنق قطع المنافس لتفقد قيمتها. يعتمد اللعب الوضعي على المباريات المغلقة، أي التي لم تؤكل فيها قطع كثيرة فتتسم بمساحات محدودة، عكس المباريات المفتوحة التي قد تصبح حادة، إشارةً إلى وجود تسلسل حركات فيها تبادل قطع (أن تأكل القطع بعضها) ومراوغات تكتيكية مكثفة، قد تُحسَم المباراة فيها. 

وجدتُ جمالًا في خفة يد اللعب بطريقة وضعية، في تحريك قطعة رقعة واحدة للاستفادة من موقعها بعد عدة نقلات، وفي هزم المنافس تدريجيًا، حركة حركة، رقعة رقعة، بدقة واتزان، في سلسلة مكاسب صغيرة تؤدي للفوز الكبير. 

لا أتذكر بدقة، لكن أظن أن أبي كان يلعب بنفس الطريقة. إن صحّت تلك الذكرى، فلن أتفاجأ، وإن انجلى خطأها، لن أتفاجأ أيضًا، لأن الخيال يعكّر -أو يجمّل- الذكريات. 

ومع ذلك، أجد نفسي منجذبًا لطريقة اللعب الهجومية الحادة، خاصةً في لعبي للمباريات السريعة، أي تلك المباريات ذات الوقت المحدود جدًا، مثل دقيقة أو ثلاث أو خمس لكل لاعب. أظن تلك الازدواجية في طرق اللعب تعبّر بشكل ما عن ازدواجية موازية في شخصيتي؛ مثلما أجد نفسي حائرًا بين اللعب المغلق والمفتوح، بين جمال الفوز التدريجي ومتعة العاصفة الهجومية، وبين النقلة الهادئة المتزنة والحركة التكتيكية العنيفة، قد أجد نفسي عالقًا بين هدوء الانطواء وشوق للعِشرة، وبين جمال اليوم العادي والبحث عن حياة استثنائية، وبين الخطوة المنطقية والمجازفة قدمًا وساقًا. 

قبلت منذ فترة أني -بل الإنسان عامة- عبارة عن تناقضات. وربما ساعدني الشطرنج على ذلك، لأني قد تعلمت أنه من المقبول -بل المفيد- أن يتمكن اللاعب من طرق لعب مختلفة. كذلك وجدت أن الإنسان يجب ألا يُحد بطابع محدد. 

لذلك، أحيانًا أحب اللعب بجرأة -أو تهور- دافعًا بقطعي إلى الأمام في عاصفة بيادق، مدعومة بحصانين مراوغين وفيلين يستهدفا منطقة ملك المنافس، ووزير عنيف، ويا لهجومي إن تمكنت من قيادة الطابتين، القلعتين، خارج مغارتهما لتصبحا قناصتين خطيرتين مع الفيلين. 

قد أضحي بقطعة أو أكثر لأجرّ رجلي ملك المنافس في شرك، فيقبل المنافس التضحية بسعادة ثم يجد الأمور تنقلب عليه بسرعة لا يقدر على مجاراتها. وأحيانًا قد يرى المنافس ما بعد التضحية لكن يجد ألا خيار له إلا القبول، أو قد يرفض وتسوء أموره بطريقة أخرى. 

بالطبع، تفشل تلك الاستراتيجية كثيرًا، وكلما يُتاح كم أكبر من الوقت في مباراة تقل تلك التضحيات وتلك النزعة الهجومية لصالح دقة اللعب واللعب المتزن. وحتى في المباريات السريعة، قد ينقلب الأمر على المهاجم بسرعة إن واجه هجومًا مرتدًا ليس مجهزًا لتصديه، أو ببساطة يكون المنافس مستعدًا للدفاع وماهرًا فيه. 

وفي الفترة الأخيرة، وجدت أني أستمتع أيضًا بالدفاع ضد هذه النوعية من الهجمات، كأني أقول للمنافس -والحياة: يلّا.. وريني آخرك؛ تظن أنك قوي يا زمن؟ لم تأخذ الكباري مصر الجديدة مني، فأنا أعيش في نفس العنوان الذي قضى أبي فيه طفولته، وأنت لن تأخذ مَلِكي، لأن المقابر متفرعة من شارع نبيل الوقاد الذي به «بون أبيتي» حيث كانت تأكل فيه مصر الجديدة بأكملها. لم يعد يأكل أحد هناك، لكننا مازلنا موجودون. أتظن أني لا أعرف كيف أرد الهجوم؟

شاهدت تحليلات مباريات للمهاجم العظيم وبطل العالم السابق ميخائيل تال، الذي كان يعلّق قطعة واحدة تلو الأخرى، تدفعه الغريزة والسليقة حتى يمسك بالمباراة بين أنيابه أو يُترك بلا قطع لمواصلة الهجوم. تال الذي أحب تعقيد اللعب حتى تختفي فرصة التعادل وتُحسم المباراة بفوز أو خسارة. هجومك لا يعنيني بشيء يا منافس. 

لكن اليوم، في زمن الكمبيوترات ذات القدرة المذهلة، يقل ذلك النمط من اللعب أكثر من أي وقت. تكون كل خطوة، بل الخمس التي تليها، محسوبة، فتقلّ التضحيات خاصة تلك التي ليست مُقدّرة بدقة. لكنها لا تختفي، لأن أحيانًا، تكون التضحية الحركة الأقوى والأدق، فيمكن أن تُعلّق قطعة، أن تُترك ليأكلها المنافس لصالح المبادرة، أي لصالح الحركة الإضافية التي تجعلك تتحكم بوتيرة المباراة، وأن تكون الفاعل بدلًا من مَن يرد الفعل. 

تساعد الكمبيوترات كل اللاعبين في تحليل مبارياتهم، إذ يمكن لأي شطرنجي يلعب أونلاين مراجعة كل أخطائه، بل كل حركة غير دقيقة، بالضغط على زر واحد. وهذه طفرة شديدة الأهمية جعلت الشطرنج أكثر إتاحة للجميع، وقللت الفوارق بين ذوي الموارد الكثيرة والقليلة. 

اللعب ثم التحليل، بجانب الفيديوهات، هي الطريقة التي أتعلّم بها الشطرنج وأحسّن من مستواي تدريجيًا. حاولت قراءة كتاب لكن استعسرته، وأظن أنه يوجد الكثير من الهواة مثلي، بجانب آخرين يتعلمون عبر الطرق التقليدية. 

لكن، كحال كل تقدم، للآلة سلبيات تؤثر على اللعبة. مثلًا، بسبب سهولة تحليل المباراة تلقائيًا، نادرًا ما أحلل مبارياتي حركة تلو الأخرى بنفسي لأجد حركات أفضل. ذلك كان سيكون تدريبًا مهمًا لي. كما تجد برامج التحليل الحركة الأفضل «موضوعيًا»، والتي قد تأتي بثمارها بعد عشرين حركة أخرى، فيحفظ اللاعبون أفضل افتتاحيات في رأي الآلة، فيزداد تحضير الافتتاحية -حفظ كل الحركات- أهمية. 

بطل العالم السابق بوبي فيشر كان يكره الحفظ في الافتتاحيات، ويرى أنها تقتل الشطرنج. لذلك، اخترع فيشر لعبة مشتقة تزداد شعبيتها تدريجيًا، وهي لعبة شطرنج الـ «فيشر راندوم Fischerrandom» أو «شطرنج 960»، وهي مباراة شطرنج عادية في كل نحو إلا وضع القطع في البداية، إذ توجد 960 طريقة يمكن أن تُنظم القطع بطرق تختلف عن الشطرنج التقليدي، فيمكن في مباراة البدء بالطابتين بجانب بعضهما، أو بالوزير على أطراف الطاولة بدلًا من منتصفها. تلك اللعبة مصممة لتتفادى الحفظ.

أذكر أن أبي كان يلعب على برنامج Chess Master -مقرصن بالطبع- ضد الكمبيوتر على أقوى مستوى متوفر. كان دائمًا يخسر، لكن أحيانًا كان يقول لي إنه كان قريبًا جدًا من الفوز، لكن فعل حركة غلط في النهاية. كان يتعمد اللعب ضد أقوى مستوى ليتعلم منه ويرقي من مستواه، كي يهزم صديقه الذي كان يأتي له في المكتب يوميًا للعب الشطرنج . وحكى لي أبي مرة أو اثنتين، بفخر شديد، عن هزمه للكمبيوتر. وعندما كان يعود إلى المنزل كثيرًا ما كان يحكي لي عن فوزه على صديقه في معظم المباريات، أو خسارته دورًا أو اثنين في البداية ثم هزمه في عدة مباريات متتالية. أو، في الأحيان الأندر نسبيًا، كان يأتي منزعجًا بسبب عدة خسارات، فلا يحكي، لكن يعود للثأر في اليوم التالي. 

للأسف، لأني استثمرت وقتًا كبيرًا في اللعبة، ولم يفعل أصدقائي ذلك، فأنا ببساطة أفضل منهم في الشطرنج. ومع ذلك نلعب أحيانًا، لأنها أيضًا لعبة اجتماعية بالنسبة لي كالطاولة والكوتشينة. ومع صديق معين، نحب أن نلعب جزئيًا من باب الضحك على حركاته الغريبة، لكننا أيضًا نلعب مباريات أكثر جدية، ويتحسّن فيها عن أدائه السابق، فيزداد عامل التحدي. أحيانًا في تلك المباريات يلعب بتسرع أو يفقد تركيزه فيرتكب خطأً يؤدي إلى خسارته قطعة، فأسأله إن كان متأكدًا من الحركة، أو أنصحه بإعادة النظر، أو ألطم وأسأل لماذا فعل ذلك خاصة أنه كان يلعب جيدًا طيلة المباراة، وفي كل تلك اللحظات أشعر بدوائر الزمن، مدركًا أني كنت أرتكب تلك الأخطاء بعينها، وأن أبي كان يقول لي ما أقوله أنا الآن. في تلك اللحظات أشعر مثلما شعرت عندما قفزت بحصاني المشاكس في فوزي على والدي وأحسست بتبادل الأدوار لأول مرة: فخر وسعادة وشيء من الحزن. 

لا توجد سعادة خالية من الحزن، والرضا يملأه خسارة، تلك هي الحياة. أحبها هكذا لأن الحزن كذلك في جوهره سعادة لن تتكرر، على الأقل هذه هي رؤيتي للأشياء. التناقض في البشر أساس الدنيا. 

أحب اللعب بطريقة وضعية، وأحيانًا بطريقة هجومية قد تكون متهورة، وأحيانًا بطريقة دفاعية عنيدة، وقد تقبلت تلك المفارقات في لعبي وشخصيتي. 

يساعد الشطرنج على استيعاب الأمور. فيمكن استنباط عدة دروس عبر اللعب كثيرًا، مثل أهمية تخطيط عدة خطوات إلى أمام، وفائدة السليقة، خاصة عندما يضيق الوقت، وأنه يمكن المجازفة والطموح لكن يجب أن يكون مبني على أساس صلب، وأن الجمال يتواجد بصور مختلفة، ويختلف في أعين الناس، وأن الجميل قد يخسِر ويُقدّر في الوقت نفسه، وأن لا محالة للخسارة في التجربة، لكن أيضًا لا محالة للفوز، ويكثر التعادل، لأن الحياة ليست كلها دراما ومجازفة، وإن بحثت جيدًا غالبًا ستجد حركة تعطيك أفضلية، أو تخرجك من مأزق، وإن مضيت بحثًا ستجد أن غالبًا للمنافس حركة تفعل نفس الشيء. وذلك هو الشطرنج، رقصة أنيقة تتكون من أخذ وعطاء، خطوة للأمام وأخرى للخلف، حركة يمكنها أن تدافع وتهاجم في نفس الوقت، وأخرى تستغل القطعة التي تفعل عدة أشياء في آن واحد، وتبادل للقطع، ومساحات مغلقة تُفتح، وسباق لجعل أضعف قطعة أقواها حتى يصبح البيدق وزيرًا. وفي النهاية، يُقتل الملك الطاغي، أو يتفق الملكان على إنهاء الحرب ليعيشا، بعدما ضحيا بكل جنودهما. 

يمكن أن يمضي المرء هكذا واصفًا الشطرنج إلى ما لا نهاية، لأنه أشياء عديدة في آن واحد، وأشياء مختلفة لناس مختلفة، فالشطرنج فن وعلم ولعبة ورياضة وهواية وأحيانًا مهنة، وربما ملل للبعض. 

بالنسبة لي الشطرنج قصيدة لا تنتهي، ذكرى تكبر بدلًا من أن تخفت، وربما درب أسير عليه كعسكرٍ يسعى ليصبح وزيرًا. لا أعلم، عندما ألعب دورًا موفقًا أشعر أني في مكاني الصحيح. لن أصبح لاعبًا محترفًا، لكن أشعر أنه لأن له ارتباط بالماضي، فللشطرنج علاقة بالمستقبل بطريقة ما. وهو غالبًا هكذا، لأني أختار ذلك.

بعد ذهاب والدي بقي لديّ الشطرنج، كجزء من أبي لم يرحل، يعيش دائمًا بداخلي، أبث جزءًا صغيرًا منه داخل كل مَن أشاركه متعة هذه اللعبة، سواء باللعب أو الحكي أو الكتابة.

و#سلام. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن