الحراك الجزائري يعود من جديد
خرجت الآلاف من الجزائريين يوم 22 فبراير الماضي للاحتفال بالذكرى الثانية للحراك، هذه الحركة الشعبية واسعة النطاق التي أسقطت رئيس الجمهورية السابق عبدالعزيز بوتفليقة، ووضعت عددًا من كبار مسؤولي الدولة في السجن. لم يمنع الحظر، المفروض على المسيرات منذ مارس 2020 لأسباب تتعلق بالسلامة الصحية المرتبطة بجائحة كوفيد-19، المحتجين من النزول إلى الشارع كما في الأيام الأولى، والمطالبة برحيل نظام سياسي قائم منذ عام 1962.
أُعطيت إشارة «الاستئناف» من مدينة خراطة (280 كم شرق الجزائر العاصمة). وفي 16 فبراير الماضي، احتل حشد كبير، قادم من عدة مدن بالبلاد، شوارع هذه البلدة، حيث بدأت أولى مظاهرات الحراك في نفس التاريخ من عام 2019.
بالنسبة لهؤلاء الجزائريين، المقصود هو الإشارة إلى عدم موات الحركة، وأن الكفاح من أجل جزائر أفضل لا يزال مستمرًا. وإن كانت مهمة إسقاط النظام برمته مهمة صعبة في الوقت الراهن، فلقد أخذ الحراك على عاتقه مهمة التكيف مع الواقع.
بين ربيعي عامي 2019 و2020، أصبحت المسيرات مساحة للتعبير عن رفض قرار أو إعلان أصدرته الحكومة. ورغم أن المطلب الرئيسي الخاص برحيل النظام ظل المهيمن، فإن الشعارات المتعلقة بشؤون الساعة كانت متعددة، بينما يلتف المجتمع الجزائري حول حراك قد يعيد إنتاج المعنى السياسي.
وهكذا، في أكتوبر 2019، على سبيل المثال، رد الحراك على اعتماد مجلس الوزراء قانون المحروقات السائلة، وهو قانون رفضه الشارع علانية، لأنه يقدم -من وجهة نظره- هبات سخية غير مقبولة للشركات الأجنبية. ورغم كل شيء صدر القانون، فأجَج غضب المتظاهرين. وبعد ثلاثة أشهر، في يناير، كان الشارع يغلي ضد التصريحات حول «الاستغلال الضروري للغاز الصخري». وخلال الأيام التالية امتنعت السلطات عن الحديث عن هذه الطاقة التي هددت بتلويث الجو بالمعنى المجازي والحرفي.
كما جرى التملص بمهارة من قضية النفط الصخري في خطة عمل الحكومة المقدمة في 11 فبراير 2020 إلى المجلس الشعبي الوطني. سيشير المستند في الفصل الخاص بالطاقة فقط إلى الهيدروكربونات التقليدية، ومشَاريع التنقيب البحرية والطاقة المتجددة. ووعدت الحكومة، في المستند نفسه، بزيادة الحد الأدنى للأجور في البلاد، وتسهيل إنشاء الجمعيات، والسماح بفتح إذاعات الإنترنت والإذاعات الأرضية، بالإضافة إلى عدة قرارات أخرى بهدف تهدئة النفوس.
وكان الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، قد أصدر العام الماضي، في ذكرى الحراك، مرسومًا ينص على اعتبار يوم 22 فبراير «اليوم الوطني للتآخي والتلاحم بين الشعب وجيشه من أجل الديمقراطية».
وقبل بضعة أيام من موعد الذكرى السنوية لهذا العام، سارعت السلطات، التي توقعت استئناف المظاهرات، بالإفراج عن عدة عشرات من نشطاء الحراك، من بينهم الصحفي خالد درارني، الذي أصبح أحد رموز هذه الحركة، ما اعتبره البعض خطوة للتهدئة.
يعتقد شريف دريِس، أستاذ العلوم السياسية في المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام بجامعة الجزائر، أن الحراك أصبح قوة حقيقية، على الحكومة أخذها بعين الاعتبار.
«إن قرارات الحكومة المتعلقة بإصلاح قانون معاشات التقاعد، وإصلاح قانون الصحة، والضرائب، ومؤخرًا قرار إلغاء ضريبة إجمالي الدخل، على الدخول التي تقل عن 30 ألف دينار، المنصوص عليها في خطة عمل الحكومة في 2020، تعكس محاولة ما لتلبية بعض مطالب الحراك»، يقول دريس.
لكنه يؤكد أن «السلطة تعمل على تجزئة المطالب، فتستجيب بشكل أساسي لذات النوع الاجتماعي والاقتصادي. فالمقصود، بالنسبة للسلطة أن يسود الاعتقاد بأن الحراك لا يريد تغيير سياسي بل تغيير اجتماعي واقتصادي».
في المقابل، فإن الطموح الأعقد هو الخاص بإسقاط النظام. لويزا دريس آيت حمدوش، أستاذة العلوم السياسية بجامعة الجزائر، ترى أن إسقاط النظام المعمول به منذ استقلال البلاد في عام 1962 «مهمة صعبة». وتوضح أن النظام الجزائري، الذي يتمتع «بقدرة قوية على الصمود، استند طويلًا على ثلاث ركائز لضمان استمراريته: «الاستقطاب والقمع والانقسام». لكنها تلاحظ، رغم هذا، أن هذه الأساليب لا تبدو فعالة كما كانت من قبل. وتُضيف أن «تقليص موارد البلاد المالية والدعاوى المرفوعة ضد بعض كبار المسؤولين، يحدان من نطاق الاستقطاب. ويؤدي القمع إلى ظهور أبطال وطنيين. ومحاولات الانقسام لم تقوض الزخم الوطني بل على النقيض من ذلك».
«تغيير نظام الحكم ممكن في الجزائر. بينما يتطلب تغيير النظام السياسي إعادة النظر في هيكلة الدولة، ومن ثمة مؤسساتها. وهذا يقتضي تغيير نظام الحكم السياسي والاقتصادي والاجتماعي»، تقول حمدوش.
من ناحيته، يؤكد حكيم عداد، أحد مؤسسي جمعية «راج» (تجمع، أفعال، شباب)، أن هذه الحركة الشعبية تُخيف السلطة بالتأكيد: «تعرف السلطة كيف تجيب في مواجهة طرق تقليدية، لكن مع الحراك الأمور مختلفة. الحراك قادر على تقديم إجابات جذرية إلى حد بعيد بسرعة. إنه يحتل الشارع ويستخدم شبكات التواصل الاجتماعي ليجعل صوته مسموعًا. إنه ساحة عامة 'أجورا' وطنية، أكثر من أسبوعية ولا يبدو أنها على وشك أن تفقد زخمها».
نور الدين بكيس، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر، متفائل بنفس القدر. في مداخلة له مع منصة «راديو إم» (إذاعة خاصة على الإنترنت)، أوضح أن الحراك أصبح مع مرور الوقت «قوة معارضة» لكن غير مدعوة لتنظيم نفسها، ولا لمزيد من التطور. ويشير إلى أن «الحراك ليس ثورة، لكنه أطلق ديناميكية إصلاحية». ويضيف: «الأكثر اعتدالًا من جانب الحراك ومن جانب السلطة، هم الذين سيتوصلون إلى أرضية مشتركة لتحقيق الإصلاحات المنشودة».
من ناحيته، يرى دريِس أن الحراك الجزائري يمكن أن يستقر لمدة طويلة. وفي المقابل، «لن يكون قادرًا على تحقيق أهدافه إذا لم يهيكل نفسه، وإذا لم يكن لديه قادة». هذه الحركة «يمكنها الاستمرار في ممارسة الضغوط، لكن دون قادة، ستكون مُتغيرًا تأخذه السلطات في الاعتبار، لكنه لن يكون متغيرًا حاسمًا».
المشكلة المطروحة، حسبما يقول بكيس، هي أن الحراك لا يمتلك «الدعم الاجتماعي». ويشير إلى أنه «لا يوجد نقابة أو حزب قوي يمكن للحراك الاستناد عليه، لأن النظام قد كسر بالفعل كل الكوادر التي يمكنها مصاحبة حركة من هذا القبيل». لكنه يظل، رغم هذا، متفائلًا، معتبرًا البلاد في نشاط إيجابي، وأنه ينبغي الانتظار قليلًا لرؤية تغييرات حقيقية.
يلاحظ سعيد لوسِيف، أستاذ علم النفس الاجتماعي للمنظمات في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية (جامعة الجزائر3)، أن الحراك أصبح دينامية جديدة للمعارضة. «إنه جزء من صراع كبير من أجل الاعتراف بالشيء السياسي وإعادة تملكه». إنه «قبل كل شيء إعادة امتلاك كل الشروط التي تسمح بالتحديد بممارسة حق المعارضة السياسية»، حسبما يقول.
ويشير إلى أن «ديناميكيات الحراك أصبحت الآن تحت رعاية الرغبة في الحرية، والحاجة إلى العرفان، وتأكيد زخم الرغبة المجتمعية الجماعية في العيش معًا». ويؤكد أن «الحراك يفرض علينا تبني أساليب جديدة للمعارضة». ووفقا لقناعته، «ينبغي إعادة التفكير في كل النشاط السياسي في الجزائر، لا سيما أن أحزاب المعارضة هي، في غالبيتها، مجرد أجهزة أُنشأت -بالضبط- لإغراق العمل السياسي».
تقارير ذات صلة
تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور
خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء
مواطنون في غزة يبيتون في الطوابير لضمان لقمة العيش
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن