التشبث بالثورة
في السادس عشر من أبريل الماضى، اتجهت مجموعة صغيرة من المتظاهرين إلى ميدان التحرير، وقد ملأتهم الحماسة، لكن قوات الأمن أجبرتهم على المغادرة بعد دقائق قليلة، باستخدام قنابل الغاز المسيلة للدموع. وقتها كتب الناشط علاء عبدالفتاح على حسابه في موقع تويتر: "الثوار دخلوا التحرير. صحيح دخلوه جري وطلعوا منه جري برضه، بس هنمشيها إنه إنجاز".
ميدان التحرير الذى كان قلب الثورة، تحول إلى منطقة محظور التظاهر بها.
عقب تلك المظاهرة، قامت الحركات الثورية بتنظيم مسيرة أخرى كبيرة إلى القصر الرئاسي، في نهاية شهر أبريل، في إطار حملة ضد قانون التظاهر الذي تم إصداره في نوفمبر الماضي، وأصبح أحد أهم أدوات قمع الحراك الثورى.
بعد أكثر من شهر، وتحديدًا يوم السبت الماضي، حاول نشطاء الخروج بمسيرة أخرى لرفض قانون التظاهر، كانت متجهة لقصر الإتحادية هذه المرة، وهى الأولى منذ تولي عبدالفتاح السيسي منصب الرئاسة. إلا أن المسيرة تم الهجوم عليها من قبل بلطجية وقوات الشرطة، وتم القبض علي ٢٤ من المشاركين بها وصدر بعد ذلك قرار من النيابة بحبسهم ٤ أيام علي ذمة التحقيق. قبل أن تحيلهم صباح اليوم إلى محكمة جنح مصر الجديدة.
بعد القبض على المشاركين فى المسيرة، دشن نشطاء حملة توقيعات إلكترونية يتحمل فيها الموقعون مسئولية تنظيم المسيرة تضامناً مع زملائهم المقبوض عليهم. وهو المر الذى لم يعد مثيرًا للدهشة، حيث أصبح من المعتاد بعد كل فاعلية أن ينضم بعض من المنادين بالحرية، إلي زملائهم خلف القبضان. بالرغم من خطورة ذلك، فهم لا يرون بداً من الإستمرار، بعدما أصبحت معركتهم الآن هى معركة التشبث بالثورة.
يقول زيزو عبده، عضو حركة شباب 6 إبريل، التي تم حظرها مؤخرًا، إنه وسائر النشطاء يحاولون استعادة «مساحات الثورة التي فُقدت»، في حرص وتحدٍ في الوقت ذاته.
بعد ثلاث سنوات من الحراك ضد النظام، شارك به الملايين في الشوارع، أصبح النزول إلى الشوارع من أجل التظاهر إنجازًا بالنسبة لتلك المجموعة قليلة العدد التي ترغب في الإستمرار.
وهى المجموعة التى تلجأ حاليًا إلى اختيار مواقع وطرق تصعيد غير معتادة، وتحاول تجنب المواجهة مع الشرطة، بعدما تبين الأثر الفادح لذلك في الأشهر الماضية. فغالبًا ما تنتهي المظاهرات بعد وصول المتظاهرين بوقتٍ قصير، ويتم اتخاذ إجراءات وقائية أخرى، مثل دعوة شخصيات عامة للمشاركة.
المنتمون لتلك المجموعة يرون أن اليوم الذي ينتهي فيه وجود الثورة فى الشارع، سيكون نهاية الثورة، حتى ولو كان وجودًا ضعيفًا.
تحدثنا إلى عبده، وهو واحد من النشطاء الذين بدأوا في شهر أبريل حملة للمطالبة بإلغاء قانون التظاهر، الصادر في نوفمبر الماضي، والذي يفرض قيودًا صارمة على حق التظاهر وحرية التجمع.
يقول عبده إن الحملة لم تحقق انتصارات واضحة بعد. لكنها نجحت في بعض الحالات، في تحسين ظروف حبس المعتقلين، أو جذب الإنتباه إلى حالات بعينها.
لكن هناك هدف آخر رئيسى للحملة. يشرحه عبده حين يقول: "فكرة الإستمرار في حد ذاتها هى النجاح. في ظل هذه الظروف الصعبة والمخاطر الكبيرة، الإستمرار والتعبير عن الرفض يعد فوزًا. إذا صمتّ ولزمت منزلي سيكون ذلك نصرًا هائلًا للدولة، ووقتها سوف تنجح في القضاء على الثورة تمامًا، وليس مجرد إضعافها".
يرى عبده أن الحركة الثورية تتمسك بصعوبة بتلك المساحة الضئيلة المتبقية من المجال السياسي، بعد ما مارسته الدولة من قمع، عقب عزل محمد مرسي والإخوان المسلمين في العام الماضي. تلك الحركة الثورية التي لم يقضِ عليها اختزال السياسات الوطنية في ثنائية الدولة ضد الإخوان، وتحاول منذ ذلك الحين توسيع تلك المساحة، بالمعني الحرفي والمجازي.
الناشط خالد عبدالحميد يقول أن مجرد وجود حركة فى الشارع، من شأنه أن يفسد السيناريو المزعوم الذي يحاول النظام الحالي فرضه، والذي اكتمل مؤخرًا بتنصيب قائد القوات المسلحة السابق، عبدالفتاح السيسي، رئيسًا، كما يفسد أيضًا ميول الإخوان للهيمنة على السياسة. "إن طرفي المعركة يحرصون على تصوير أنهما اللاعبان الوحيدان بالمشهد. ووجودنا يثبت خطأ هذا التصور"، يقول عبدالحميد.
بالإضافة إلى قمع الدولة، وجه الإخوان المسلمون انتقادات إلى تلك المجموعة، المكونة فى أغلبها من نشطاء علمانيين، واتهموها بالتخاذل في موقفها ضد القمع الذي يمارس على أعضاء الجماعة. ورغم حرص أعضاء الحملة المعارضة لقانون التظاهر على الاهتمام بكل المعتقلين السياسيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية. إلا أن الكثير من المعتقلين الذين ينتمون لجماعة الإخوان، رفضوا أن يمثلهم المحامون الذين أرسلتهم الحملة لحضور التحقيقات معهم.
عبدالحميد أضاف أنه في ظل غياب المتظاهرين المستقلين عن الشارع، قد تنجح الدولة في ترويج الأسطورة التي اختلقها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، والتي تقول إن الإخوان المسلمين هم جناح المعارضة الوحيد للحكومة، وبذلك تقضي على المعارضة بأكملها بكل سهولة. ثم قال مؤكدًا: "مهم جدًا أن نشكل مسارًا ثالثًا، رغم صعوبة هذا الأمر".
ويرى العديد من النشطاء أن الفترة الحالية هي الأسوأ في عمر ثورة الخامس والعشرين من يناير القصير، وأنها الأصعب على مدار تاريخ عملهم كنشطاء. برغم ذلك يظل عبده متمسكًا بالأمل، فهو مؤمن بأن أقوى الحركات تولد في أصعب الظروف، لكنه يقول إن الظرف الراهن يشكل تحديات ذات طابع خاص، وتختلف عن حالة الجفاف السياسي الذي شهده في عصر مبارك.
أحد التحديات التى ظهرت في غضون الأشهر القليلة الماضية هو تقلص عدد المنتمين إلى المعسكر الثوري، فهناك العديد من المجموعات والأحزاب والشخصيات البارزة، من المفترض أنهم «ثوريون»، قد بدلوا انتماءاتهم وأصبحوا موالين للدولة، بينما بقى آخرون في جانب المعارضة، لكنهم آثروا الابتعاد عن الاحتجاج بالشارع لما يمثله من خطورة، ولم يبق فى المعسكر الثورى سوى النشطاء الذين يرفضون عسكرة السياسة وأسلمتها على حدٍ سواء، وبهذا أصبح عليهم مواجهة واحدة من أصعب المعارك. خاصة أن كل من استمر في نشاطه أصبح مستهدفًا من الدولة، فضلًا عما تمارسه الدولة من قمع على جماعة الإخوان.
يقول عبده: "لقد حولت الدولة المعركة مع شباب الثورة إلى معركة شخصية، وهي تصر على تصديرهم كسبب لكل ما يحدث من فوضى". ولقد تم حبس العديد من النشطاء، المعروف منهم وغير المعروف، بتهمة التظاهر.
ويعد غياب التأييد الشعبي ضد هذا القمع السياسي تحديًا إضافيًا، يقول عبده: "قبل الثورة كان هناك تأييد شعبي خفي. عندما كان الناس يروننا في مظاهرة، كانوا يودون الانضمام إلينا، لكنهم كانوا يخشون المشاركة. والآن تحول تأييد الناس الخفي لصالح الدولة التي تقتلنا".
لا توجد مقارنة بين الأعداد المشاركة في المظاهرات حاليًا، والأعداد التي نزلت إلى الشارع في السنوات الأخيرة. فقد قامت نورهان حفظي، زوجة الناشط الشهير أحمد دومة، الذي حُكم عليه بالحبس لمدة ثلاث سنوات بموجب قانون التظاهر، بنشر دعوة لاعتصامٍ للسيدات عند قصر الاتحادية، في شهر أبريل، للمطالبة بإطلاق سراح كل المعتقلين. لكن لم يلبِّ دعوتها سوى عشر سيدات. ولقد قضين ليلتهن على مقربة من مجموعة من قوات الأمن كانت تفوقهن عددًا، متوقعين أن تهجم عليهن في أية لحظة.
علاء عبدالفتاح كان قد صرح إلى «مدى مصر»، قبل أيام قليلة من عودته إلى السجن، قائلًا أن حالة الطوارئ الدائمة، التي عانت منها الحركة الثورية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، قد أحدثت أثرًا سلبيًا للغاية. "لقد انشغلنا بإطفاء الحرائق. لم يكن لدينا وقت لنستريح أو نفكر في أي شيء آخر، عدا الحق في الحياة والسلامة الجسدية ولعل هذا شيء جيد إذا تصالحنا مع الفكرة"، يقول عبد الفتاح.
ويرى عبدالفتاح أنه بمجرد أن تخف وطأة هذا التضييق الأمني، لا ينبغي أن تعمل مجموعات النشطاء على التمسك بالمساحة الثورية فحسب، بل عليها أيضًا أن تقوم بتهيئتها، وتزيد من قوة تنظيمها وجذب الناس إليها. ويوافقه عبدالحميد الرأي، حيث يقول أن الهدف الرئيسي للحركة هو الاستعداد لانتفاضة الشعب التالية. إلا أن أنه يرى أيضًا أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها الحركة العمالية، هي التي سوف تدفع الناس إلى الثورة على النظام الحالي. ويقول أن هذا أمر حتمي في ظل فشل الحكومة في توفير مكاسب واضحة للمواطن العادي.
ورغم أن الناس حاليًا يجدون مبررات لما تمارسه الدولة من انتهاكات للحقوق، استنادًا على نظريات المؤامرة التي كثر الحديث عنها، إلا أنه يقول إن الحكومة عندما تفشل في تلبية المطالب الاجتماعية لن يكون هناك مجال للتبرير. "على القوى السياسية أن تربط ما بين المعارك السياسية والاجتماعية، فقد فشلنا في هذا الأمر في المرة السابقة"، يقول عبدالحميد.
فقدان الأمل هو التحدي الذي يمثل العبء الأكبر. فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية فجرت الثورة الكثير من الآمال والطموحات، داخل النشطاء الذين عملوا بهذا المجال لفترة طويلة، وداخل عامة المصريين أيضًا، الذين شهدوا هزائم تفوق انتصاراتهم.
"الوضع صعب، ونحن نكافح بدافع الضرورة، فاليأس لم يعد خيارًا متاحًا، والأمل أصبح رفاهية"، يقول عبدالفتاح، معترفًا بأنه شخصيًا قد وصل إلى حالة من اليأس والهزيمة، لكنه ما زال مؤمنًا بأن استمرار المعركة قد أصبح مسألة حياة أو موت لجيله ولجيل ولده.
بالنسبة لعبدالفتاح، فإنه رغم إيمان النشطاء بأهمية المعركة، حتى إذا فقدوا الرؤية بشكل مؤقت، إلا أن الحشود لن تتبعهم إلا إذا رأوا هذا الأمل بأنفسهم. فهو يرى أن المفهوم الشائع، بأن الخوف هو الذي منع الناس من التحرك في عصر مبارك، هو مفهوم خاطئ، ويقول: "ما منعهم هو فقدان الأمل".
الأمر الذي بعث الأمل في نفوس النشطاء من قبل كان انتصار ثورة تونس في عام 2011، لكن هذه المرة عليهم أن "يصنعوا الأمل" مرة أخرى، وأن يحثوا الناس على الإيمان مرة أخرى بأن التغيير ممكن، وأن تضحياتهم لن تذهب هباءً.
تقارير ذات صلة
لينُكساوي: لنحرر العالم
كان مكاوي أشياء كثيرة: منظِّم، عبقري تكنولوجيا، مستشارًا للحكومة، رائد أعمال، بنّاء
سينما صيفي| «روكي» وعلاء عبد الفتاح
يحتفل بسام مرتضى بالإفراج عن علاء عبد الفتاح
«الرفض بلحم الجسد»: ليلى سويف، كافكا، ودولة لا تُفجَع
لا يطلب إضراب ليلى الشفقة، بل يدعو إلى مساءلة أخلاقية وسياسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن