تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
احتجاجات «سن التقاعد».. أزمة ماكرون التي تهدد يسار فرنسا

احتجاجات «سن التقاعد».. أزمة ماكرون التي تهدد يسار فرنسا

كتابة: معتز حجاج 8 دقيقة قراءة

«لم تتوقف الاحتجاجات خلال رئاسة ماكرون، اعتدنا ذلك»، هكذا يصف الباحث والصحفي المراقب للأحداث السياسية في فرنسا، تميم هيكل، مرحلة حكم إيمانويل ماكرون منذ وصوله للرئاسة بفضل أصوات تبحث عن حل وسط، أثناء استقطاب سياسي حاد في انتخابات 2017، لكن «بعد الانتخابات نفذ سياسات كان واضحًا أنها تخدم رأس المال في مواجهة شرائح المجتمع الأخرى».

أشعل ماكرون غضب المعارضة ضده منتصف الشهر الماضي، لاستخدامه إحدى مواد الطوارئ في الدستور لتمرير تعديل سن التقاعد دون تصويت بالبرلمان. بعدها تصاعدت الاحتجاجات التي كانت انطلقت بداية العام مع عودة طرح الحكومة للتعديلات أمام البرلمان. كما حاول برلمانيون سحب الثقة من الحكومة.

تنص تعديلات الحكومة على رفع سن التقاعد عامين ليصبح 64 عامًا، وزيادة سنة لعدد سنوات الإسهام في صندوق التقاعد لتصبح 43 بدءًا من 2027، حتى يستحق المشترك الحصول على معاشه كاملًا. 

زاد لقاء أجراه ماكرون، الأسبوع الماضي، الاحتقان السياسي، بسبب مقارنته موقف المعترضين بموقف مقتحمي الكونجرس من أنصار الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب. في اليوم التالي على اللقاء «كانت باريس تحترق، مظاهرات لا تتوقف من السادسة صباحًا حتى منتصف الليل، وغالبًا ما تختتم باشتباكات مع الداخلية»، وفقًا لمنخرطين في الاحتجاج تحدثوا مع «مدى مصر».

كانت المظاهرات ضخمة، تخللتها مصادمات بين الشرطة والمتظاهرين أُصيب جراءها العشرات، بينها إصابات خطيرة في صفوف المحتجين. حطم المحتجون بباريس وعدة مدن أخرى مراكز اقتصادية، وبنوك كبرى، ومحال تجارية، وأحرقوا سيارات. واحتل آخرون محطة قطار سان شارل في مرسيليا، وهاجموا مطار بياريتز جنوبي فرنسا. 

قدرت النقابات أعداد المشاركين خلال تظاهرات 27 مارس الماضي، في المدن الفرنسية، وعلى رأسها العاصمة باريس، بنحو مليوني متظاهر. بينما قالت وزارة الداخلية إن العدد لم يتجاوز 750 ألف.

فيما شلت البلاد إضرابات عمالية في قطاعات التعليم، والسياحة، والنقل، والطيران، والطاقة. حيث عطل إضراب مراقبي الملاحة الجوية واحد من كل خمس رحلات طيران. بالتزامن؛ أوقف إضراب عمال مصافي النفط 240 محطة وقود عن العمل كليًا، وعانت باقي المحطات من نقص جزئي.

في المقابل دعت الحكومة، اﻷسبوع الماضي، لاجتماع، أعلن قادة النقابات، أمس، أنه انتهى دون التوصل لاتفاق. وفي حين لا يزال ماكرون يؤكد عزمه المضي في تطبيق رفع سن التقاعد، جددت النقابات، وعلى رأسها الاتحاد العام للعمل، والاتحاد الديمقراطي الفرنسي للعمل، (CGT) و(CFDT)، الدعوة إلى تنظيم موجة احتجاجات وإضرابات جديدة اليوم، 6 أبريل. 

بالفعل خرج متظاهرون في باريس ومدن عدة، اليوم، وتخللت الاحتجاجات اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، وأغلق محتجون مبنى رقم (1) من مطار باريس. كما قطع آخرون طرقًا في مدينتي ليون ورين. بينما سيتوقف عدد من خطوط السكك الحديدية ومترو باريس بداية من الغد وحتى نهاية عطلة الأسبوع.

يعتقد محرر مجلة «أوريان 21»، ورئيس التحرير السابق لجريدة «لوموند ديبلوماتيك»، آلان جريش، أن «سن التقاعد موضوع مركزي في تاريخ الحركة العمالية الفرنسية، ومع وصول اليسار للحكم عام 1981، كان من أوائل قرارات الرئيس الأسبق، فرانسوا ميتران، تخفيض سن التقاعد لـ 60 سنة».

يرى جريش أن «هناك هجوم منذ التسعينيات على مكتسبات الحركة العمالية، ورواج خطابات نيوليبرالية تتحدث عن تكلفة المزايا التي تحصل عليها الأيدي العاملة في فرنسا، والرغبة في رفع عدد سنوات العمل في سباقٍ مع البلدان الأخرى، وخلال عهد نيكولا ساركوزي ارتفع السن عامين إلى 62 سنة، مع تطمينات بعدم تكرار الأمر». رغم ذلك يعتقد جريش أن «التقاعد رمز مهم، داخل إطار المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لمعظم السكان، ما صنع مناخًا غاضبًا».

حاول ماكرون رفع سن التقاعد في 2019، لكن انتشار جائحة كورونا أرجأ القرار، إلى أن أعادت الحكومة طرحه على البرلمان، بداية العام الجاري، وكي يمر القانون احتاجت الحكومة أصوات 287 عضوًا في البرلمان، إلا أن الانقسام في جبهة الداعمة للحكومة وماكرون حال دون بلوغ النسبة البرلمانية. لذلك استخدم ماكرون المادة 49/3 من الدستور، التي تتيح للرئيس حق تمرير قانون دون تصويت البرلمان، لأول مرة في فرنسا منذ عقود، الخطوة التي رأها بعض مؤيديه استبدادية. 

يبرر ماكرون ورئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، سعيهما إلى فرض القانون بأن صناديق التقاعد ستواجه الإفلاس إذا لم يُرفع سن التقاعد، بسبب ارتفاع سن الشيخوخة، كما تزعم الكتلة الداعمة للحكومة أن سن التقاعد في فرنسا الأقل قياسًا بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

يرفض جريش مبررات الحكومة «لدينا مشاكل في نظام صندوق التقاعد، لكن لا يوجد إفلاس. إضافة لذلك وضعت حركات عمالية واقتصاديون مؤيدون للإصلاح برامج أخرى يمكنها إصلاح النظام التقاعدي، بدلًا من رفع سن التقاعد، إلا أن ماكرون وحكومته أغلقوا باب الحوار».

يفرق الصحفي المُقيم بفرنسا، تميم هيكل، بين السن القانوني للتقاعد والسن الفعلي عند عقد مقارنات مع دول الاتحاد الأوروبي «سن المعاش القانوني في فرنسا هو الأقل في أوروبا، إلا أن عدد سنوات المساهمة في صندوق المعاشات هي الأكبر، وهي تتراوح في دول الاتحاد ما بين 35 و37 سنة، بينما تبلغ في فرنسا 42 سنة، مما يجعل السن الفعلي للتقاعد يقترب من 67 عامًا أحيانًا، فليس صحيحًا أن الفرنسيين لا يعملون كباقي دول أوروبا». سنوات المساهمة هي المدة التي يجب على العامل أن يتم العمل بها حتى يستحق معاشه كاملًا.

يعتقد المحتجون ممَن تحدث معهم تميم هيكل، أن الدولة تستطيع الإنفاق على صندوق التقاعد إذا أصلحت النظام الضريبي، بحيث تُحصّل الضرائب المستحقة على رجال الأعمال، والتي خفضها ماكرون بداية حكمه. ويلفت تميم الانتباه إلى ما أفاد به مكتب المدعي المالي في فرنسا عن «مداهمة خمسة بنوك للتحقيق في احتيال ضريبي واسع، الأسبوع الماضي، يرجح أنها حرمت الدولة من عائدات ضريبية تتجاوز مائة مليار يورو، هذه الأموال يمكنها تغطية ما تدفعه الحكومة لصندوق التقاعد لسنوات قادمة».

بالتوازي مع الاحتجاجات، أعلن المجلس الدستوري، في 28 مارس الماضي، قبوله طلب قدمته ثلاثة أحزاب للنظر في مشروعية القانون، وحدد يوم 14 من الشهر الجاري لإصدار قراره. في حال انتهائه إلى عدم مشروعية الإجراءات التي اتُبعت لتمرير قانون رفع سن التقاعد، سيعيد المجلس الدستوري القانون إلى البرلمان، وإذا ما استمر الخلاف بشأنه يصبح أمام ماكرون إما حل الحكومة، أو حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة.

يوضح جريش أن المجلس الدستوري «لن يحكم على القانون، إنما الطريقة التي أُقرّ بها. هل كان هناك نقاش برلماني كافٍ حوله؟ وهل كان حرًا؟ لأن الحكومة استخدمت مادة دستورية، لكن بلا نقاش جاد، قد يفتح ذلك بابًا أمام المجلس لإعادة القانون إلى البرلمان». 

يرى جريش أنه حتى إذا مر القانون، سيواجه ماكرون في ما تبقى من ولايته الثانية والأخيرة سنوات صعبة، تجعل أي إصلاحات مستحيلة «ليس لديه أغلبية في البرلمان، إضافة إلى جبهة واسعة شعبية ضده، شيوعيين، واشتراكيين. وحتى جزء من اليمين المتطرف يرفض إصلاحاته، رفض شعبي لم يحدث ضد رئيس منذ 30 سنة». 

من جهتهم، يجدد المتظاهرون الاتهامات لوزارة الداخلية بعد كل موجة احتجاجات، والتي يعتقد مراقبون أن ممارساتها تزداد عنفًا منذ موجة احتجاجات السترات الصفراء 2018. ويطالب العديد من المعارضة بحل وحدة «براف-إم» الأمنية لاستخدامها العنف المفرط بحق المحتجين.

من جانبها، ردت الحكومة بضرورة شجب الأحزاب للعنف. فيما أعلن وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، صاحب التصريحات التي يصفها مراقبون بـ «الاستفزازية»، إجراءات أمنية غير مسبوقة استعدادًا للاحتجاجات، بنشر 13 ألف شرطي في كافة المدن، خمسة آلاف منهم في باريس وحدها. كما أكد دارمانان عزمه تفكيك جماعات المخربين حسب وصفه، في إشارة إلى تجمعات «البلاك بلوك» والأناركيين.

يعتقد جريش أن ماكرون وقيادات الحكومة «يستخدمون العنف الذي يصدر عن مجموعات صغيرة في المظاهرات لتشويه الاحتجاجات». وهو لا ينفي عنف المتظاهرين لكن يرجعه إلى دور الحكومات باختلاف مرجعياتها في تعزيز لغة العنف منذ عشرين عامًا «تعامل البوليس في فرنسا مقارنة بألمانيا وإنجلترا شديد الشراسة، لسببين: الأول هجوم البوليس على المتظاهرين دون مبرر. والثاني هو تقبل قطاع من المجتمع للعنف».

يضيف تميم سببًا آخر لتزايد العنف «وزير الداخلية رجل عنيف جدًا، حتى أنه يُزايد على مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف، ويتهم سياساتها بالضعف، أي أن هناك تصورات يمينية داخل حكومة ماكرون». يؤكد تميم ظهور أفراد «البلاك بلوك»، الجماعة التي تتهمها الحكومة بممارسة العنف، أثناء الاحتجاجات، لكنه ينبه «ليسوا وحدهم، معظم أعمال الشغب يقوم بها شباب صغير وغاضب، لا يرتبط تنظيميًا بجماعة ما».

يذكر أحد المنخرطين في الاحتجاج أن «علاقة المجتمع الفرنسي بالبوليس سيئة، البوليس ملئ بالمشاكل، وفي بعض المناطق يكون يمينيًا إلى حدٍ ما». وفي ما يخص تعامل البوليس مع الاحتجاجات يعتقد أن «البوليس الفرنسي لا يزال يحتكم لتكنيك فض التظاهرات منذ البداية، على خلاف أغلب الاستراتيجيات المتبعة في أوروبا، التي تقتضي حماية المظاهرة حتى تنتهي، بينما البوليس الفرنسي يفض التظاهرات غير المرخصة، أو ما يتجاوز منها الساعات المحددة، بشكل بيروقراطي بحت».

بشكل عام، تعول السلطة على تكلفة الإضراب لإفقاد الاحتجاجات زخمها، إذ يُخصم يوم الإضراب من رواتب المشاركين. لكن النقابات وحزب «فرنسا الأبية» تحشد مواردها لاستمرار الإضرابات عن طريق صندوق الإضراب. كما تأمل الحكومة في انقسام اتحادي النقابات الأكبر في البلاد، إلا أنهما يظلان متحدان في مواجهة الحكومة إلى الآن.

لا يتفاءل جريش بالمستقبل، رغم ما راكمته نقابات وأحزاب وحركات اليسار في فرنسا من زخم طوال سنوات حكم ماكرون، وهو يرى أنه بخروج الرئيس الحالي من المشهد بانتهاء ولايته، ستزداد حدة الانقسامات في حزبه، وصولًا إلى حدوث خلاف حول مرشح الحزب للرئاسة.

كذلك يشكك في قدرة رئيس حزب فرنسا اﻷبية، اليساري، جان لوك ميلنشون، على سد الفراغ المنتظر، فرغم حصوله على 20% من اﻷصوات في الانتخابات الرئاسية اﻷخيرة، وحصول حزبه على 80 مقعدًا بالبرلمان، ضمن تحالف أحزاب اليسار، إلا أن أكبر أحزاب اليسار التقليدي، الحزب الاشتراكي، يظل منقسمًا حول شخص ميلنشون.

لكل هذا يرجح جريش أن «تمرير قانون رفع سن التقاعد بهذا الشكل، قد يخلق رفضًا من جزء كبير من الشعب للديموقراطية ومؤسساتها وآلياتها برمتها، مما يقوي اليمين المتطرف، كحزب التجمع الوطني بقيادة لوبان، والأحزاب الأكثر تطرفًا منه».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن