إشكالية الست
السنوات الماضية اختبرت قدرة الإنسان، وخاصة المصري، على مواجهة المواقف المركبة. قد مرّ العالم بمراحل أكثر جنونًا من المرحلة الحالية؛ مرّت إبادات وحروب وثورات، وعندما تقرأ تفاصيلها تعتقد أننا في عالم أكثر تحضرًا من هذه العوالم، إلا أن حدثًا ما هنا أو هناك يفقدك هذا اليقين، وتشعر أننا لا نزال في عالم متخلف يقف على الهاوية، ويحاول الظهور بمظهر المتحضر. ولكن الجديد أن جنون هذا العالم لم يعد يهتم كثيرًا بمظهر التحضر الذي يدّعيه، وأصبح يُدار سياسيًا واجتماعيًا وحتى دينيًا من خلال شخصيات مكانها الأفضل جولات التيك توك وقصف الجبهات.
لم يكن العالم بالتأكيد أبيض وأسود من قبل، ولكن إشكاليات كثيرة واختبارات ضخمة تضعك أمام معضلات إنسانية لا تريد أن تكون فيها مع أي فريق من متبنّي وجهات نظر شديدة البعد والتطرف عن بعض، ويدهشني تأكد كل فريق من موقفه واحتقاره وعدائيته الشديدة تجاه الفريق الآخر، ويجعلك عاجزًا عن اتخاذ صف أيٍّ من الفريقين. دعونا لا نثير الجدل بذكر مواقف أو أشخاص انقسم عليها المجتمع المصري مؤخرًا بعنف، ودعونا نفكك هذا الانقسام من خلال فيلم سينمائي مصري اسمه «الست» (2025)، عن أهم شخصية فنية في تاريخ مصر «أم كلثوم»، والذي سُحب من السينمات بعد ستة أسابيع فقط بسبب ضعف الإيرادات.
البنت منى ضد الست منى
غريب أمر المصريين في التعامل مع الممثلات عبر التاريخ، علاقة يمكن وصفها بالحب الممزوج بالاحتقار! هذه التركيبة العجيبة للشخصية المصرية، المحبة للفنون والقادرة على تذوقها، وصدامها مع الخلفية الدينية والاجتماعية. وصلت هذه التركيبة إلى ذروة انفصامها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فممثلات مثل يسرا ونادية الجندي وإلهام شاهين كانت أفلامهن تحقق أعلى الإيرادات في شباك التذاكر، وتلمس حبهن في الشارع المصري، ولكن بالنسبة له هن نجمات بعيدات ينتمين إلى الوسط الفني المعروف عنه انحلاله الأخلاقي. حتى جاءت الألفية الجديدة بسينما جديدة سُمّيت بـ«السينما النظيفة»، وكانت أيقونتها الأنثوية الوحيدة هي منى زكي. لم تكن مثل حنان ترك، التي بدأت مع يوسف شاهين وقدمت مشاهد «جريئة»، ولم تكن في شقاوة ياسمين عبد العزيز «بنت الإعلانات». منى كانت البنت «الكيوت» البريئة المهذبة، لا نراها تقبّل أحدًا أو تُظهر جزءًا من جسدها. أخيرًا تحققت المعادلة المصرية دون انفصام: حب دون احتقار. حتى مع خبر زواجها من أحمد حلمي كان الشارع المصري مستنكرًا هذه العلاقة، كيف تكون بنت بهذا الجمال والاحترام تتزوج من «ممثل سنيد ورفيع كده!». ظلت منى متربعة على عرش قلوب المصريين لعقد كامل، حتى مع ظهور نجمات بعدها مثل منة شلبي التي بدأت مشوارها في السينما بفيلم «الساحر» لرضوان الكاشف، أو هند صبري بفيلم «مواطن ومخبر وحرامي» لداود عبد السيد، حينها خرج الجمهور من الفيلمين يتحدث عن جرأة مشاهد الممثلتين، لدرجة أن انتشرت إشاعة أن هند صبري تظهر عارية تمامًا في انعكاس المرأة في مشهد هرب من الرقابة، ولا أعلم إن كانت هذه الإشاعة حيلة ترويجية للفيلم أم مجرد خيال شبقي شعبي. ولكن في النهاية، التركيبة أو الحسبة المصرية هي أن منة «بنت راقصة»، وهند «تونسية»، والمهم بنتنا منى.
تقرر منى خلع عباءة البنت الكيوت، وتبدأ مرحلة اختيارات أدوار أكثر تعقيدًا واختبارًا لقدراتها التمثيلية، خاصة مع استمرار مقارنتها مع زميلتها حنان ترك حتى بعد اعتزالها وتحجبها، ولكن كانت كفة جودة التمثيل والأدوار دائمًا تميل لحنان. كانت البداية من فيلم «احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله عام 2009. صدمة الجمهور المصري بدأت من الإعلان فقط، حتى قبل نزول الفيلم السينمات. بعد مشاهدة الفيلم بدأ الجمهور يتحسس مسدسه، ويتهامس قليلًا حول كيفية رضاها بهذا الدور -والأهم كيفية رضى زوجها- ولكن استمرت منى في تقديم أدوار انتقائية في السينما والتليفزيون، ولكنها أدوار غير إشكالية، وحافظت على بعض من رصيد محبتها لدى الجمهور، حتى فقدته تمامًا في فيلم «أصحاب ولا أعز» إخراج وسام سميرة عام 2022. عندما خلعت الكلوت في أحداث الفيلم خلعت معها الصورة الذهنية للبنت الكيوت. أصبح الجمهور مصدومًا في بنتهم منى البريئة، واستمر الجنون ليطال صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي لوصفها بالانحلال والمجون، وزاد الجنون عند صفحات زوجها أحمد حلمي واتهامه بالدياثة!
أصبح ظهور منى زكي يدعو للتشكك دائمًا. بعدها بعام 2023 صدر إعلان مسلسل «تحت الوصاية»، وبدأت الانتقادات فورًا: منى تشوّه صورة المحجبات، بالرغم من كون المسلسل من أهم أعمال السنة الفنية، وكانت منى في قمة مستواها وتركيزها، خاصة ودورها أم مكلومة بعد وفاة زوجها تهرب بطفليها إلى مدينة أخرى للحفاظ على ورثها. جعل هذا حدة الانتقادات تخف قليلًا، ولكن ما في القلب بقي في القلب، وخاصة بعدها بعام 2024 جسدت دور عاهرة تريد أن تذهب للعمرة لكي تنسى ماضيها في فيلم «رحلة ٤٠٤» لهاني خليفة. لك أن تتخيل تأثير وجود كلمة عاهرة وعمرة في جملة واحدة على جمهور متحفز. حتى جاء عام 2025 لتقوم بدور أم كلثوم، أيقونة الغناء المصرية، ليدخل فيلم «الست» المعركة خاسرًا بونت أساسي هو بطلته!
يُحسب لمنى جرأتها في اختياراتها الأخيرة، وعلى رأسها دور «الست»، بالرغم من فشلها المخجل في مسلسل «السندريلا»، لدرجة انتشار مقاطع منه على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل ساخر. ويُحسب لها أيضًا اجتهادها والتجريب المستمر. وكيفما سوف توثّق دراسات الأنثروبولوجي ازدواجية الآراء وانحطاطها لقطاعات كبيرة من الجمهور المصري، والذين يمكن أن نسميهم بالـ«أفريدچ محمد»، سوف تظل منى زكي بالرغم من ذلك ممثلة قد توفّق أو لا في بعض أدوارها، ولكنها ممثلة من أهم ممثلات السينما المصرية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.
المخرج مع أصول الشغلانة
منذ انتشار فيلمه القصير «لي لي»، وكانت مؤشرات مخرج كبير يدخل السوق المصري ويضع بصمته الخاصة واضحة، بالرغم من كونه ابن أشهر كاتب سيناريو في وقتها وحيد حامد، إلا أن مروان حامد أثبت منذ أفلامه القصيرة أنه مخرج متمكن من أدواته. ولكونه ابن وحيد جاءت له فرصة إخراج أول أفلامه بإنتاج ضخم وبعدد كبير من النجوم في فيلم «عمارة يعقوبيان»، وأظهر تميزًا واضحًا في ثاني أفلامه «إبراهيم الأبيض»، أفضل فيلم في أول عقد من القرن الحالي من وجهة نظري، قبل أن يدخل في عالم أحمد مراد الروائي لتبدأ سلسلة أفلام مبهرة على المستوى الإنتاجي والبصري، ولكن متوسطة وغير مميزة سينمائيًا كمجمل.
«الست» فيلم مختلف عن خلطة مراد/حامد المعروفة. نحن أمام تناول شخصية مصرية لها النصيب الأكبر من التقديس الفني لدى المصريين. اختيار «أم كلثوم» مغامرة فنية تُحسب بجدارة لأي مخرج يقدم عليها، ولكن هناك تعبير «يضغط على كل الزراير»، تعبير عن أي فنان في عمله الأول يريد استخدام كل أدواته فيفسد العمل. الفيلم الثامن الطويل للمخرج مروان حامد ولا يزال يضغط على كل الزراير.
يزخر فيلم «الست» بقطعات المونتاج بين لقطات سريعة جدًا وأخرى بطيئة جدًا، مشاهد ألوان ومشاهد أبيض وأسود، حركات كاميرا ثابتة كالموت وأخرى متحركة أسرع من الحياة، فلاش باك وفلاش فورورد. لعب حامد كل الألعاب الإخراجية كما لو كان فيلمه الأول أو الأخير. هذه الألعاب جعلت الفيلم يخسر أهم ما يميز عالم «أم كلثوم»، وهو الأصالة، وكأني أشاهد «أم كلثوم إيجيبت»، أم كلثوم التي تهتم بأصول الشغلانة على حساب الشغلانة نفسها، كما جاء على لسانها في الفيلم: «إحنا نسينا أصول الشغلانة ولا إيه». وكما هو معروف عن حامد حزمه الشديد في إدارة مواقع التصوير وتمسكه بأصول الشغلانة، ولا يتسامح مع أي خطأ، لتكون أم كلثوم مراد انعكاسًا لشغل حامد وتصوره عن مفهوم النجاح الجاف البعيد عن أي حسابات إنسانية. كل هذا جعل الفيلم يخسر بونتًا ثانيًا في الإخراج!
المؤلف ضد رجل المستحيل
سلسلة «رجل المستحيل» ضمن روايات مصرية للجيب كانت لها تأثير قوي على جيلي منذ الطفولة، فهي البوابة الأولى لعالم القراءة دون صور، هي وسلسلتي «ملف المستقبل» و«ما وراء الطبيعة» لأحمد خالد توفيق. شخصية أدهم صبري، عميل المخابرات المصري، كان لها بريق مثير للخيال -قبل مشاهدة سلسلة أفلام جيمس بوند- ومعرفة أن أدهم هو النسخة الأخلاقية من جيمس بوند، ولا أعرف إذا كان فشل تحويلها لفيلم سينمائي كان في صالحها لتظل محتفظة بالصورة المبهرة التي رسمها خيال الطفولة أم لا.
عندما قرأت رواية «الفيل الأزرق» اعتبرت أحمد مراد امتدادًا لنبيل فاروق؛ روايات مسلية وممتعة، لكني تجاوزت هذه الجماليات في الرواية، وكنت أبحث عن جماليات مختلفة، لذلك لم أقرأ روايات أخرى لمراد. كان اختيار مراد الجانب الإنساني لا الأسطوري في عرض شخصية أم كلثوم في فيلم «الست» اختيارًا جريئًا وذكيًا يُحسب لأحمد مراد، ولكن المبالغة في إظهار هذا الجانب جعلت أم كلثوم تظهر كشخصية كاريكاتورية، خاصة والسيناريو مقسّم بشكل جعل الفيلم ليس كوحدة واحدة، والسرد غير متماسك، جعل الأمر وكأنك تشاهد اسكتشات من حياة أم كلثوم كجزر منفصلة عن بعض، ليخسر الفيلم بونتًا ثالثًا في الكتابة!
الرعاية السعودية ضد الكرامة المصرية
غريبة هي أيضًا العلاقة بين السعودية ومصر، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب. المصري يشجع منتخب السعودية لكرة القدم في المحافل الدولية، وكذلك السعودي مع المنتخب المصري. «النكش» بين الشعبين، سواء في مدرجات الملاعب أو على الإنترنت، لا يتوقف؛ فالمصري «طعمية» في نظر السعودي، والسعودي «كبسة» في نظر المصري. يسعى المصري لريالات السعودية، سواء في المطارات أو المزارات السياحية أو في السعودية نفسها، ولكنه يكره تكبّر السعودي، فكرامته في المقام الأول. السعودي يعشق خفة الدم المصرية، ولكنه لا يقبل أن يتم التحايل عليه. هذا التناغم يبدو كالمشي على حبل، كمعادلة غير مكتوبة، ينجح فيها معظم المصريين والسعوديين ويخرج الطرفان مرضيين، ولكن هذا لا يمنع أن هناك بعض التجاوزات قد تعكر صفو هذه المعادلة السحرية، كمصري يعتقد أنه يستطيع أن يستغل سعوديًا، أو سعودي يعتقد أنه يستطيع شراء المصري.
وجود هيئة الترفيه، وعلى رأسها تركي آل الشيخ، على بوستر فيلم «الست» جعل الفيلم يخسر بونتًا رابعًا مجانيًا؛ فتاريخ تركي مع الجمهور المصري يزخر بالتجاوزات، وصلت لشتيمته بالأم في مدرجات الملاعب المصرية. مع صعود نغمة سعودية أن الفن المصري «راح عليه» والقادم سعودي، وصلت لمنع الأعمال الفنية المصرية في موسم الرياض، ومن قبلها مشكلة اعتذار محمد سلام، ومن قبلها مشكلة اختفاء آمال ماهر. قابل النغمةَ السعوديةَ نغمة مصرية تؤكد أن السعودية تريد تشويه رموز مصر مثل أم كلثوم، مما جعل تركي آل الشيخ يصدر بيانًا يوضح أن دور هيئة الترفيه كان رعاية الفيلم وليس إنتاجه، لذلك لم يكن للهيئة أي دور في مراحل إنتاج الفيلم، مما اعتبره البعض تنصلًا من تركي من الفيلم.
أربعة بونت
في كرة القدم هناك ثلاثة احتمالات: فوز ثلاث نقاط، خسارة ثلاث نقاط، أو تعادل والحصول على نقطة واحدة. ولكن للأسف فيلم «الست» دخل خاسرًا قبل المباراة أربع نقاط، أثرت بشكل مباشر على تقبّل الجمهور له، وجعلته يخرج من الحسابات التجارية سريعًا. ولكن بالحسابات الفنية لاقى الفيلم إشادات قوية بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان مراكش الدولي، وكذلك من صناع سينمائيين بعد عرضه في مصر. أنا لم أكن مع وجهة نظر مهاجمي الفيلم، وأحترم جرأة صناع الفيلم في التجريب والمغامرة، وكذلك لم أكن مع المحتفين، وأرى أن فيلمًا عن أم كلثوم كان من الممكن، وفي ظل هذه الإمكانيات، أن يخرج بشكل أكثر فنية وأصالة لو لم يتعالَ صُنّاعه عليه. ولكن بعيدًا عن وجهة نظري، يظل فيلم «الست» مثالًا للتشويش الذي يتعرض له الإنسان الآن، ليجد صعوبة في تكوين رأي موضوعي في موقف أو حدث أو حتى فيديو مصور بالموبايل، وأصبح تكوين هذا الرأي يحتاج تفكيكًا ومجهودًا حتى لا ننجرف مع تيار المواقف المعلبة، ولا يجد الإنسان سوى قلبه ليستفتيه.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن