في مصلى نسائي شبه خال بأحد المساجد في منطقة المطرية، شمال القاهرة، جلست فتاة صغيرة ترتدي خماراً تنصت إلى خطبة الجمعة، لم يبد على ملامحها أي تأثر بالخطبة التي يلقيها الخطيب بصوت رتيب.
كان الخطيب يتحدث عن التوبة وكأنما يتحدى قرار وزارة الأوقاف بتوحيد خطبة الجمعة في كل أنحاء البلاد. فطبقاً لما ورد على الموقع الرسمي للوزارة فإن موضوع الخطبة في ذلك الأسبوع -الجمعة الموافق ٢١ فبراير- كان ينبغى أن يكون عن "أهمية العلم والعقل".
في المؤتمر الصحفي لوزارة الأوقاف الذي عقد منذ ثلاثة أسابيع للإعلان عن السياسة الجديدة، قال الوزير مختار جمعة إن السياسة الجديدة لا تهدف إلى فرض قيود أخرى على الحريات الدينية، ولكنها محاولة لإبعاد الجوامع عن الصراعات السياسية والحزبية.
وقد قال بعض النقاد إن الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى اتخذت المساجد وسائل للتأثير على الآخرين وكذلك أماكن لالتقائهم وتجمعهم. وقد اتخذت السلطات— التي تشن حملة اعتقالات موسعة على الجماعة الإسلامية التي حكمت البلاد من قبل— العديد من الخطوات لتفرض سيطرتها على المجال الديني، ما بين إغلاق الزوايا الدينية وفرض المحاذير والقيود على من يصلح للخطابة في الجوامع.
وأضاف جمعة أن الخطوة تأتي في سياق جهود الوزارة من أجل "تجديد" الخطاب الديني، وأن القرار سيساعد الأئمة كي يوجهوا خطبتهم إلى احتياجات المصلين، وبدوره سيصبح الخطاب الديني أكثر ارتباطاً باهتمامات الناس وشئونهم اليومية.
وقال جمعة "بهذا ستصبح الخطبة طريقة لتطوير وتوحيد الأمة بدلاً من أن تكون مصدراً للتشرذم الذي يسببه الحديث في السياسة".
وتعتبر وزارة الأوقاف هي المسئولة عن إدارة أغلبية المساجد في مصر والبالغ عددها ١٥٠ ألف مسجد، وأئمة تلك المساجد هم موظفون بالحكومة.
وقالت الوزارة في القرار إنها ستوحد موضوع الخطبة فقط، وإنها ستعطي الإمام بعض المواد لتساعده على تحضير الخطبة، لكي تعطي بذلك بعضاً من الحرية لكل إمام على حدة أن يلقي الخطبة بالطريقة التي تتناسب مع المصلين بالمسجد.
تقول هدى محمد إنها تحضر الخطبة في الجامع لأنه قريب جداً من منزلها فقط.
تضيف هدى "رغم أن الأفضل للمرأة أن تصلي في منزلها فأنا أشعر براحة أكثر عندما أصلي في الجامع. أما الخطبة نفسها فلا فرق بالنسبة إلي سواء توحدت أم لم تتوحد، فهي مملة كما هي".
وكانت هدى إحدى الامرأتين اللتين حضرتا الخطبة هذا اليوم. أما في الدور الأول، حيث مصلى الرجال، فقد امتلأ المكان بالكامل تقريباً.
وتشتكي الطالبة الجامعية الصغيرة من أنه على الرغم من حديث الإمام عن التوبة والذي ينبغى أن يكن موضوعاً مؤثراً للغاية، فهي لم تتأثر من كلماته.
وقد غدت خطبة الجمعة بالنسبة لهدى محمد والعديد من أبناء جيلها مجرد أمراً تقليلدياً يتم ممارسته دون النظر إلى تأثيره الحقيقى.
وتختلس هدى النظر من خلف الستار الذي يفصل المصلى النسائي عن باقي مساحة الدور الثاني من المسجد، وتقول "انظري إلى الإمام ومن حوله، لا يبدو عليهم الاهتمام، ولا حتى الإمام نفسه".
وتوضح هدى "المواضيع كلها مكررة والإمام يستخدم تعبيرات بلاغية رتيبة وعفا عليها الزمن، ومعظم الأوقات تكون معلوماتهم خاطئة ولا تستند على دليل حقيقي. فدائماً ما يتحدثون عن أن خطايانا ستكون سبباً للعذاب الذي سنذوقه بعد أن نتوارى تحت التراب وأن الله غير راضٍ عن الأمة الإسلامية وأن الشباب فاسدون وسذج".
وقد أفادت بعض المقابلات التي أجريت مع عدد من الأشخاص الذين حضروا الخطبة في مساجد مختلفة أن الأئمة تحدوا قرار الحكومة من خلال إلقائهم خطب غير التي فرضتها الوزارة على موقعها الرسمي.
وكانت مواضيع الأسابيع الأربعة الماضية: "الحفاظ على البيئة ودوره في التنمية" و"دور الشباب في بناء المجتمع" و"الأمل والعمل" و"أهمية العلم والعقل".
وقال الشيخ أحمد البهي، المنسق العام لحركة أئمة بلا قيود، إن الأئمة تحدوا قرار الوزارة لأن الوزارة لم تستطع مراقبة المساجد للتأكد من تطبيق قرارها.
وقد انطلقت حركة أئمة بلا قيود في العام الماضي، عندما كان الإخوان المسلمين في السلطة، للمطالبة باستقلال الأئمة ولمجابهة ما اعتبره أعضائها الفساد السياسي بالمساجد.
ويقول البهي "إن القرار تم تأطيره من الوزارة بطريقة سيئة، فالوزارة لم يكن يتوجب عليها أن تقوم بتأطير القرار على أنه محاولة لتوحيد خطب الجمعة، لأن الإعلان أعطى انطباعاً لدى الناس أن مصر تتبع سياسات مشابهة لتلك السياسات التي تفرضها دول الخليج حيث تفرض الوزارات هناك إلقاء خطبة موحدة خلال صلاة الجمعة."
أحد الأئمة الذي لا يزال يؤم المصلين منذ ٣٠ عاماً في إحدى قرى محافظة الغربية بالدلتا، لم يقدم للمصلين المقترح الذي قدمته الحكومة على أنها خطبته التي أعدها هو، فعندما كان موضوع الخطبة المقترح من وزارة الأوقاف عن الأمل والعمل، قال لأهل القرية "هذا البيان عن الأمل والعمل جاء إلينا من وزارة الأوقاف".
وقد طلب الإمام عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية.
ويؤكد الإمام أن المواضيع التي تفرضها الوزارة عفا عليها الزمن كما أنها بعيدة كل البعد عن حاجات الناس.
ويتسائل الإمام "كيف لي أن أتحدث عن دور الشباب بينما يقتلون في الشوارع بدم بارد، وهؤلاء الذين لايزالوا على قيد الحياة يائسون وعاطلون وحلمهم الأول أن يتركوا البلاد؟"
يقول البهي إن الأئمة اعتادو أن يلقوا خطباً "جامدة" عندما تكون المواضيع تقليدية وعتيقة تماماً.
ويوضح "إن هؤلاء الذين يلقون خطباً غير تقليدية فهم عادة يتناولون الأمور السياسية التي تؤدي في أغلب الأحوال إلى حالة من الاستقطاب السياسي، مثل تلك التي شهدنها مؤخراً".
والكثير من الشباب والشابات يقولون إن المشكلة ربما تكون أبعد من مجرد توحيد موضوع الخطبة، بل إنها تكمن في قدرات الأئمة أنفسهم.
يقول طبيب الأسنان محمد شاكر "حتى وإن تم توحيد الخطبة، فنحن في حاجة إلى أن يكن الأئمة على قدر كبير من العلم وأن يحظوا بحب الناس واحترامهم وأن يستطيعوا أن يلقوا تلك الخطب بأسلوب مناسب، فليس للدولة الحق في تحديد ما ينبغي علي أن أعرفه عن ديني، خاصة أننا نعيش في دولة علمانية كما يفترض".
وقد لاحظ الآخرون الذين تابعوا الخطب الأخيرة لصلاة الجمعة أن بعض الأئمة الذين استجابوا للخطب المقترحة من الوزارة كانوا يضفون عليها نكهة سياسية، فبعضهم لاحظ أن هذه الأمور حدثت في المساجد التابعة للجمعيات الإسلامية الخيرية. فعلى سبيل المثال خلال الخطبة التي فرضت عن الشباب ودورهم، تناول أحد الأئمة الانتهاكات التي تحدث ضد شباب المحتجين والناشطين.
إلا أن بعض معمري المساجد قالوا إنهم سيكونوا سعداء حال تم توحيد الخطبة، فسيعرفون ما الذي سيتستمعون إليه قبل أن يذهبوا إلى صلاة الجماعة.
يوضح مصطفى سمعان "على الأقل سيمكنني القراءة عن موضوع الخطبة قبل الحضور، وقتها سأكون أكثر معرفة بالموضوع وسأستطيع أن أتجنب المعلومات المضللة التي عادة ما نحصل عليها من الأئمة فيما يتعلق بالأمور الدينية".
ورداً على انعدام حماسة الأئمة لقرار الحكومة بتوحيد الخطبة والانتقادات التي واجهها، فقد أعلنت الوزارة عن أنه سيتم عمل تصويت أول كل شهر على الموقع الرسمي لها لتمكين الأئمة من المشاركة وتقرير مواضيع الخطب.
ويقول البهي "أعتقد أن هذا سيكون حلاً وسطاً بين الأئمة والوزارة، فالوضع الراهن يتطلب أن تدير الوزارة خطب الجمعة إلى أن تصبح البلاد أكثر استقراراً".
تقارير ذات صلة
الحالة الحرجة للسيد عبد الله رشدي: أو كيف تختنق في عضلاتك؟
ماذا لو -وهي مجرد لو- أن العباءة الدينية التي يحتمي بها الشيخ أصبحت العائق الذي يمنعه من التنفس؟
الخميس 8 أغسطس: حملة لمقاطعة جنيفر لوبيز في العلمين الجديدة | التضخم السنوي ينخفض مفاجئًا المحللين
تحقيقات تفجير المعهد: لا دليل على وفاة منفذ العملية
«مدخل إلى القرآن الكريم» للجابري: ما بين التحايل والابتكار
يفتح الجابري منفذًا صغيرًا لنتمكن من الاقتراب من النص دون أن نضيع في شبكات معقدة من المعاني
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن