أن تفهم أليفة بالأدب وحده
هذا النص ضمن العدد 08# من «مُنتهى الأدب»
كان من المفاجئ لي الدخول لعوالم أليفة رفعت (1930-1996) مع الخلفية المُلتبسة حول حياتها، وما هو مُتاح للقراءة حولها. بدءًا من الأسم غير المعتاد والصور التي تعكس امرأة عاشت الحياة. لكن مع قراءة مجموعتها «بعيدًا عن المئذنة» وقصص مُتناثرة هنا وهناك، أدركتُ أنها تمتلك أدواتًا جذابة وتصنع عوالم قوية، وإن كانت فلكلورية وبسيطة نعم، لكنها مُدهشة، والأهم تنطلق من أدوات النضج والوعي بالحياة، فلا ثورة ولا غضب ولا حتى مرارة نحو الأشياء! كان لدي شعور بالانجذاب لعالم مألوف وناضج لم يقابل الإنصاف المُستحق. كان يبدو أن المدخل الممكن لفهم سر جاذبية عوالم أليفة هو أدبها ذاته باعتباره خير معبّر عنها وعن رؤيتها للعالم.
لا نعرف الكثير عن أليفة رفعت، ولسبب ما لم تحظ بشهرة تجعلها في مرمى القراء أو السجالات التي تدور في الوسط الثقافي المصري رغم وجود منتج مُعتبر لها من القصص على وجه الخصوص التي تُرجمت لعدة لغات. ربما لأنها لا تمتلك مأساة إنسانية تكرس لصورة المرأة الضحية التي سحقها النظام أو المجتمع أو الزمن فاختارت الانسحاب من الحياة برمتها.
لكن يبدو أن أليفة، ابنة الطبقة الوسطى، والتي تألمت من الخذلان منذ نعومة أظافرها، خيانة الأب والحياة، وأصبح لديها مبررات قوية لثورة صغيرة، اختارت بتبصر مُلفت الانتصار لنفسها وحياتها ورؤيتها الخاصة في خلق عوالمها مقارنة بشخصيات أيقونية مثل عنايات الزيات أو فيرجينيا وولف.
تتقاطع مسارات أليفة وعنايات الزيات مثلًا في عدة نقاط، أولها أنهما تنتميان للطبقة الوسطى العليا التي تمتلك في ذلك الوقت قيمًا متزمتة فيكتورية حول دور المرأة والمظهر الاجتماعي والأدوار الصارمة لكل من الرجل والمرأة. فعنايات حسبما قدمتها إيمان مرسال في «في أثر عنايات الزيات» تلتقي مع أليفة في نقطة الخروج عن المُعتاد المجتمعي وقتها، بفكرة الكتابة نفسها ومحاولة الاستقلال النفسي، بل والطلاق في حالة عنايات. في حين أن أليفة اختارت التفاوض وإيجاد مخرج بفكرة الكتابة في حد ذاتها بلا معارك تصادم
ية. بينما تبدو عنايات ضحية نموذجية حتى النهاية فإن أليفة لا ينطبق عليها وصف الضحية تمامًا، الأمر غير مؤكد، لكنها كانت الأكثر قوة، القادرة على تجاوز ظروف حياتها والانفتاح على عوالم حولها وتحويلها لمادة للكتابة وخلق عوالم تشبهها.
بينما عالم عنايات يبدو أنه ينطوي على اغتراب خلف الآخر، فالأم تركية واللغة التي تقرأ وتكتب بها ألمانية وعدم قدرتها على فهم المجتمع وتحولاته حبسها في ألم ذاتي وجعلها بمواجهة المجتمع، وبينما عوالم وولف تتسم بوعي حاد بألم مستمر وسيريالي متناثر لهشاشة إنسانية كبرى، يبدو أن أليفة أتاحت لها الظروف التنقل بين عوالم عدة غنية ومتنوعة ونسائية في المقام الأول، عوالم صنعتها الخبرة الحيّة والتعامل المباشر مع سياقات مختلفة طبقيًا وجغرافيًا، مزجت تلك العوالم، وكتبت عنها، لا يمكن إنكار أننا قد نجد بها طيفًا من ذكرى أو إجابة على تساؤل أو وصفًا لحيوات مرت، حُكيت لنا أو رأينا منها أثرًا.
مثلاً بقراءة قصة أليفة الأكثر جدلًا؛ «عالمي المجهول»، وفي خضم وصف الشخصية الرئيسية لبيتها الجديد بالمنصورة تذكرت بشكل مفاجيء بيتًا كان يقع على النيل بمنطقة المختلط هناك، بيت بُني على الطراز الكولونيالي بحوامل وسلالم خشبية وحديقة بها شجر ياسمين هندي وهي زهور بيضاء مركزها أصفر. البيت القديم الذي كان له نموذج معماري مختلف تمامًا عن السائد وقتها كان مثار حوارات وتأويلات حول غموضه وخلوه من السكان بيني وبين صديقاتي وأصدقائي، حتى أن صديقة قالت إن مَن يريد أن يتزوجها عليه شراء ذلك البيت الجميل المهجور لها. إحالات القصة لم تتوقف عند ذلك، فالتداخل بين الخرافة والواقع والخيال والثعابين وحكايات الجن وعهود الصوفية وعوالم الاحلام وتفسيرها وعزلة النساء لهم تواز مُلفت مع حكاوي الريف وتعدد عوالمه كما عرفتها. فعبارة «تضج الحياة بالألغاز. قوى غير مرئية في الكون. عوالم أخرى غير العالم الذي نعرفه» الموجودة في مفتتح هذه القصة يجعلنا تستشعر ذلك. وقصة «عالمي المجهول» غالبًا ما يُشار إليها بتأويل جندري متقدم وثوري، لكن الحية تحتل مكانة كبيرة في قلب الأساطير فهي رمز التمرد والغواية، ورمز الخطر والتجربة والوصول للهوامش غير المألوفة، وربما لا تشير لتمرد أليفة بشكل واعٍ بقدر ما تحيل طاقتها البرية نحو خلق عوالم موازية لعالم الرجل الواضح العقلاني شديد التنظيم. اختلاق الحب مع الحية جزء من اختلاق العوالم القصصية برمتها. فالغرفة المُغلقة على العالم تمنح فضاء للتحرر والتحقق عبر فعل الكتابة. وكل ذلك من موقع المرأة الأقوى والأكثر خصبًا وخيالًا، «فكل ما هو جميل يحيل للمرأة» كما تقول الحية في القصة، من المستحيل إذن أن تكون هذه الحية الحبيبة رجلًا، فالرجل خارج محيط الغرفة الآمنة.
النقطة المفصلية التي تحمل تناقضًا مذهلًا هو فضاء العوالم التي تعبّر عنها، والذي ربما يجعل البعض يقرأ أدبها بخفة، فعوالمها تدور غالبًا في مكان مُغلق أو محدود، في الغالب غرفة أو بيت، الفضاء الخارج عن الغرفة هو العالم غير المعروف تمامًا، الأفق غير المتاح، حيث تكتفي بالنظر للمشهد الذي يتغير أو ينساب بلا تفاعل حقيقي. بشكل ما يستدعي ذلك غرفة فيرجينيا وولف التي تقدمها كحائط الصد عن العالم والملاذ الحامي للمرأة لخلق العزلة والمساحة الخاصة فتقول إن «المرأة تحتاج إلى غرفة خاصة بها ومال كافٍ حتى تتمكن من الكتابة والإبداع بحرية».
لم تجد أليفة غير غرفة هي العالم المتاح لها والمغلق عليها، كل ما يقبع بخارجها -نظريًا- هو ما لا يجب التعاطي معه، أما غرفة وولف هي ملاذ حالم ومتخيل ضد العالم والتمييز التاريخي ضد المرأة. رغم ذلك تبدو غرفتها معنية بالعالم وهجومه المحتمل في أي وقت. غرفة أليفة المنفصلة فعليًا ونفسيًا عن العالم متاحة تمامًا وملاذًا للتفرغ وللكتابة والخيال وليست معنية بخوض مواجهات مع العالم. فهي تبدو غرفة مرتبة، رحم صغير خلاق، كل شيء يمكنه الحدوث بها، الحياة تدور بها والموت كذلك وتتابع مسارات الزمن، غرفة حية نابضة لا تخلو من خيارات ممكنة بالضرورة، والأهم سيطرتها الكاملة على ذلك الفضاء. ورغم ذلك الفضاء المحدود المُختلق لقصص أليفة إلا أن هناك دومًا تقدم للأمام، هناك دورة للأحداث تبدأ بشكل وتنتهي إلى شكل آخر، بل حركة تدفع نحو تطور الأحداث. الأسلوب المفضل لأليفة هو التصاعد المبني على التناقض بين حالين أو حدثين أو عارضين أحدهما بالبداية، والآخر يظهر مع الوقت، الشخصيات نفسها خصوصًا المرأة تتحول طوال الوقت، هناك حيوية مدهشة على نسج تصاعد معقول للأحداث.
بقراءة أعمال أليفة القصصية تتضح أمامنا شخصية أدبية ممتلكة أدوات جذابة ولها عوالم قوية ومُعبّرة، لا تعكس شخصية مُهشمة أو لديها مرارة أو غضب، بل شخصية تمسكت بالكتابة وبالتعبير عن عوالم تبدو محدودة في فضائها، لكنها متنوعة في مساراتها، بها حيوية وطاقة وإرادة للحياة وإيجاد المعنى -بصرف النظر عن قيمة الأدب ومنظور المقاومة وبالطبع كل ما يتماس مع القراءات الأحدث لأدبها أو لصورتها المصنعة غربيًا لزوم الاكزوتيك. تظل كتابة أليفة مرآة تلقائية لطبقتها الوسطى التي تحمل عبء المحافظة على قيم تضمن نخبويتها واستمراريتها بالتراتبية بين الرجل والمرأة وبين الطبقة وباقي الطبقات، كمبدأ مكون وهام، بصرف النظر عن خيارات أفرادها، قد تحمل أليفة لها نقدًا واعتراضًا ينطوي على اعتداد بالذات لكنها بكل تأكيد معبر أمين عنها ترسم لها وصفًا، لكنها لاتقف بمواجهتها أو في صراع مُعلن معها. عوالم أليفة تظل عوالم صغيرة موجودة في محيطها، الريف والمدينة، مدينة الطبقة الوسطى في عصرها، حكايات غير مُفتعلة، تستمد بنائها من محيطها الضيق وربما من حياتها، لكنها حكايات واسعة بها مساحات يمكننا السقوط فيها بسهولة والتماهي معها.
داخل هذه العوالم نجدها لا تتجاوز ثنائية الرجل والمرأة، غالبًا ما تكون المرأة محورًا رئيسيًا في أعمالها، بل لا تغيب المرأة عن تلك العوالم فهي المركز في تلك الغرفة -العالم كما أن الرجل هو مركز العالم خارج تلك الغرفة. وبفصل العوالم يسود كل واحد على فضاءاته. وفي كل الأحوال، نجد المرأة تمتلك صوتها كلية، واضحًا ومتسقًا وتحكي سرديتها الخاصة في قلب العمل الأدبي بل تسلب الرجل -من موقع الشكوى- صوته تمامًا، تحكي المرأة نيابة عنه، فتسلبه هنا المكان الأخص على الإطلاق فتعيد صياغة حكايته بلا إعطاء حق الرد مثل قصص «عالمي المجهول» و«عيون بهية» و«أمسية أخرى في النادي».
الحقيقة يبدو رسمها لصورة الرجل في «بعيدًا عن المئذنة» و«عيون بهية» أشبه بالنمط المتوقع من نموذج لديه سلطة وبعيد عن الشراكة. رجل سلطوي، لكنها سلطة ضعيفة غير نافذة لروح ضحيتها، سلطة غبية لا تعيد تشكيل الضحية أو بالأحرى غير قادرة على السيطرة عليها ونزع جوهرها، سلطة بخيلة يبدو التعنيف المبتذل والسلب غير قادرين على هزيمة روحها، في كلتا القصتين، أليفة بعيدة عن شيطنة الرجل وجعله نموذجًا سلطويًا محضًا، يظل رجل الطبقة الوسطى أو الرجل الريفي التي تسيره التقاليد وأحيانًا تغلبه التقاليد. بل ربما يكون الرجل قادرًا على الاستماع والمنح والعطف رغم عدم قدرته على الفهم أو التواطؤ، فتقوم هي باعادة حكايته بلسانها. والحكاية لا تكرس للعبة الضحية والجلاد، بل لتأمل العالم والذات الأنثى داخله ورِقة التفاوض الذي تغلب قوة التسلط. ذلك يتطلب فهمًا للذات ومدى قدرتها وحدود خياراتها.
بالطبع ليست كل أعمال اليفة بتلك القوة الفنية أو تسير بشكل يبدو تطور الأحداث وتسارعها منطقيًا أو محبوكًا، لكن المُتاح من أعمالها يعكس إرادة قوية واعتداد بالنفس بشكل لا رثاء فيه على الذات، امرأة تمتلك خيالًا كبيرًا وغرفة طوعتها لتكتب عالمًا يليق بها وطاقتها الكبيرة ولم تخبرنا بكل مفاتيحه ربما عمدًا.
لقراءة مقال «عالم أليفة المجهول» اضغط هنا.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن