تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أن تدخل جِلدَ آخر

أن تدخل جِلدَ آخر

#111 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: يوسف رخا 9 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

عبر شذرات مكثفة يشتبك يوسف رخا مع فوتوغرافيا ديان آربس (1923-1971)، بعد غوصه في  سيرة حياتها مؤخرًا، عبر كتابين أحدثهما صدر في 2016. الفوتوغرافيا تدل على آخر لا يمكن اختراقه أو استغلاله.. هكذا تطرح شذرات رخا أسئلة عن الفن، وتبرير جنون عباقرته وما يسببونه من أذى. بل تفكك ما يُقال عادة عن الفن وكون أهله ضحايا.

#قراءة

«ما أحاول أن أصفه هو استحالة أن تخرج من جلدك وتدخل جلد آخر، أن مأساة شخص غيرك ليست هي مأساتك.»

 ديان آربس (1923-1971)

رجل موشوم في كرنفال 1970 المصدر: هنا

أفضل صور في العالم

منذ أسابيعَ فقط في القاهرة، قال لي أندريه برينسيبي إنه يَعتبر دِيان آربس أفضل مَن أنجز صورًا فوتوغرافية منفردة على الإطلاق. قد يكون هناك من هو أفضل إذا بحثتَ عن قصة فوتوغرافية أو كتاب -الـ«فوتوبوك» هو الشكل الفني الذي يمارسه أندريه- لكنْ طالما تنظر إلى كل صورة على حدة، لا أحد في الدنيا مثل آربس.

المصدر: هنا (1970)

تعبير لزج

يحكي آرثر لوباو في سيرة حياة ديان آربس الجديدة أنها حين دخلت عيادة نفسية لأول مرة قبل أن تُنهي حياتها بيدها بأقل من سنتين، كان أول شيء فعلتْه هو أنْ جلست على الأرض أمام الطبيبة هيلين بويغن وبدأت -وعلى وجهها ما سيوصف بأنه تعبير لَزِج- تتحسّس ركبة الأخيرة وفخذها. آربس لم تكن قابلت هذه الطبيبة أبدًا قبل ذلك. ولم يحدث بينهما أيُّ شيء يشير إلى احتمال اتصال جنسي. ومع ذلك، لم ترفع يدها حتى قيل لها صراحةً أنْ توقّفي، يمكنك أن تقولي أي شيء لكنْ ممنوع اللمس.

(1964) المصدر: هنا

الركبة

نيويورك 1970. ومعروف أن علاقات ديان آربس طول عمرها غيرية. لها بنتان أكبرهما -دُون آربس- في الخامسة والعشرين، وهي تتحدّث مازحة عن منافستها على اهتمام الرجال. منذ انفصالها عن زوجها قبل عشر سنين لها أيضًا أكثر من عشيق مستدام، أهمهم -مارفن إزرائيل- هو الذي أوصلها بطبيبة نفسية.

صحيح أنه لا يَخفى أن آربس جاهزة للنوم مع امرأة أو زوجين (وحتى الـ freaks الذين ارتبط بهم اسمها لأنها تصورهم: أي شخص، لسبب جسدي أو عقلي، يُنظر إليه بوصفه مسخًا أو شاذًا عن السواد). بالكاميرا أو بدونها، لها سنوات تحضر حفلات جنس جماعي وتبادر غرباء على النواصي لتصحبهم إلى أسرّتهم.

في سياق التجريب والمخاطرة -هكذا قالت لأكثر من صديق- اعتادت أن تغالب اشمئزازها لتنام مع أشخاص هي غير منجذبة إليهم. هذا أيضًا معروف.

ومع ذلك، يُفترض في هؤلاء على الأقل أنهم هم منجذبون. وحتى لو كانت المصوّرة نامت مع بعض صديقاتها، هذه الطبيبة لم تُبد أيَّ مَيْل مثلي، ولا أي استعداد للإخلال بقواعد مهنتها بلا سبب قهري أو عاطفة غير عادية. إذن ماذا يجعل امرأة في السابعة والأربعين تتصرف بهذه الطريقة؟ مع كل ما هو معروف، يعني، لماذا هذه الركبة؟

هنا، على هذه المسافة من نيويورك سنة 1970 -ومنذ أن جاءت سيرتها مع صديقي المصور البرتغالي بالذات- شخص قريب من عُمر آربس وقتها فعلًا يحتاج أن يَعرِف.

بلا عنوان، 1970-1971 المصدر: هنا

أن تصوّر أحلامك

أخبرني أندريه أن له عشرين عامًا يسجّل أحلامه كل يوم. أينما كان في أنحاء العالم -وأندريه، حاملًا كاميراه، لا يكف عن السفر- بمجرد أن يصحو يكتب ما رآه. يحدث أن يرجع إلى سجلات الأحلام ليوافق بين صورة أخذها بالأمس وحُلم رآه منذ عشْر سنين. كأن حياته ليست سوى تتبّع مشاهد رآها وهو نائم. كأن الفوتوغرافيا توثيق أحلام.

«الصورة سر عن سر.» هذه أشهر مقولات آربس. «كلما قالت لك أكثر كلما عرفتَ أقل.»

وأذكر أيضًا قول أنطوان داغاتا إن الفوتوغرافيا «أداة فريدة». هي ليست وسيلة للنظر إلى العالم بقدر ما هي طريقة للوجود فيه. «تسمح لك بأن تخلق فنًا ورؤية للعالم الذي نعيش فيه،» هكذا يقول المصور الفرنسي «لكن في الوقت نفسه عليك أن تكون هناك، عليك أن تكون حاضرًا... في الرسم أو الكتابة تستطيع أن تضطجع وتكون على مسافة، لكن في الفوتوغرافيا عليك أن تكون هناك.»

فتاة الزهور في حفل زفاف- 1964 المصدر: هنا

أسرار

أغلب ما باحت به آربس لطبيبتها النفسية هيلين بويغن معروف منذ صدرت سيرة حياتها الأولى (تأليف باتريشيا بوزورث) سنة 1984. لكن شهادة بويغن نفسها لم تُنشر حتى صدرت سيرة لوباو منذ خمس سنين.

حين تقابلتا لم يكن مر عام على انتقال ألان آربس -زوج ديان منذ كان عمرها ثمانية عشر، ووالد بنتيها- إلى لوس أنجلس، وهي اللحظة التي اختارها ليطلّقها بعد انفصال دام عشر سنين. سيظل صديقًا داعمًا كما كان طوال تلك الفترة، لكن شريكها الحالي مارفن إزرائيل -كونه متزوجًا وحريصًا على زوجته، وكونه شخصًا مزاجيًا وانعزاليًا- لا يعطيها ما يكفيها من الاهتمام. كان مارفن نذلًا في الحقيقة. يشجّعها على ما يؤذيها ليحرّك خياله الإبداعي ثم يختفي لو صارت متطلبة. ومع أنه لا يؤمن بالعلاج النفسي، ما إن شعر أن ألان ترك له الحمل حتى أرسلها إلى طبيبة نفسية.

لم تقل ديان لهيلين إن مارفن أنشأ علاقة مع ابنتها الكبرى دُون. والراجح أن هذا بدأ بمباركتها بدعوى التجاوز وكسر التابو، لكنّ أكثر من طرف في حياتها سيشعر أن علاقة مارفن بدون هي السبب الحقيقي وراء انتحارها. ما قالته -بنبرة صدم هيلين كم هي اعتيادية وباردة- أنها بمبادرة منها منذ عمر الثالثة عشر، وحتى اللحظة، تنام مع شقيقها الوحيد هاورد نيميروف.

مراهقان في شارع هدسون، نيويورك- 1963 المصدر: هنا

جنون العباقرة

في بار أوتيل فلامنكو، في مطعم بوا خاو، وفي جنينة كافيه أولدِش قبل أن يعود إلى لشبونة بساعات، اتفقنا أندريه وأنا أن عبقرية ديان آربس لا علاقة مباشرة لها بكون بورتريهاتها مربّعة ومأخوذة بالفلاش. (أندريه أشار إلى أن صورها الخالية من البشر بنفس القوة، وأنا ذكرتُ ارتياعي أمام مجموعتها الأخيرة لنزلاء مصحة من المعاقين ذهنيًا يلعبون ويرتدون أقنعة في إضاءة طبيعية جزئيًا.) الأشخاص في صور آربس ليسوا كالأشخاص في الصور الأخرى. هم واعون بوجود مصور ويتفاعلون معه، ولكن ليس كما يحدث في ستوديو أو في قصة صحفية. هناك شيء أكثر حميمة بما لا يُقاس، شيء أقرب إلى سر ينكشف أو غرام يتولّد. لذلك، مع أنه ينظر إلى الكاميرا بشكل عادي تمامًا، يبدو الشخص وكأن صورته أُخذت وهو غير واع بوجود مصور.

مَن تبحث آربس عنهم لتُصورهم هم أمّنا الغولة وأبو رجل مسلوخة، أو أحدب نوتردام. ومع أنها تتعمّد إظهار «شذوذهم» وكثيرًا ما يظهر نفورها منهم وتهكمها عليهم -هذا ما جعل معاصِرتها سوزان سونتاغ تنتبه إلى أنها تستعملهم- إلا أن قوة الصورة تأتي من أن «المسخ»، مع وضوح أنه مسخ، يبدو قريبًا ومألوفًا بدرجة مربكة. أنت ترى مخلوقًا خارجًا من حكاية شعبية أو فيلم رعب، لكنك ترى في ذلك المخلوق ما يجعله مثلك. وكأنك كنت في حِضنه منذ لحظة، أو كأنك هو. جاء وقت لا أذكر أين سألت فيه أندريه، أو ربما هو سألني: هل كان يمكن أن يأخذ هذه الصور شخص سلوكه أكثر اتزانًا؟

المصدر: هنا

الفن للفن

كل فن يخرج من خواء، من جرح مفتوح أو مساحة فارغة. هناك ثَقب في صدر الفنان. ومثل الجنس والإدمان -مثل الحلم أو الصلاة أيضًا- الفن وإن لم يملأه أبدًا يساعد على التعامل معه. هناك احتياج عميق لم يلبّه الواقع فتَحَوّل إلى أسطورة تنقض الحياة وتتيحها. لعل الفنان بتعريفه شخص مهدّد: لو لم يحافظ على صلته بالواقع، لو اتسع الثقب من صدره إلى بقية الأعضاء، قد يغرق في خوائه تمامًا. ساعتها لن يعود أي شيء يثيره. الفن نفسه لن يعود يُشعره بامتلاء. هو فَقَد الواقع من أجل الأسطورة فلم يمر وقت حتى راحت الأسطورة هي الأخرى. كيف يمكن أن تستمر الحياة الآن؟

توأمان متطابقان، نيوجيرسي 1966 المصدر: هنا

عربون محبة

أفكّر أن الهوس الجنسي لا يعني هوسًا بالجنس. أنت لا تحتاج إلى سيرة حياة مُصوِّرة أمريكية أو لقاء مصوِّر برتغالي لتعرف. هناك شخص يشعر أنه خاوٍ تمامًا ما لم ينتبه إليه آخرون. وبما أن الانتباه الأمثل هو ذلك الذي تحقّقه الغَواية، دائمًا يجد في رأسه مبرّرًا لكسر الحاجز الجسدي: القرب، المخاطرة، كسر التابو. هو يحتاج أن يرضيك، ولذلك على الأرجح يكذب عليك، لكن غايته ليست خداعك. ما يريده منك هو مُصادَقَة غير قابلة للتزييف. لا يريد منك عهدًا أو شراكة أو أي تفاعل يستتبع التزامًا أو توقعات. لا يريدك أن تحبه بأي معنى مفهوم على أي مدى زمني. يريدك أن تفعل بجسدك الآن.

هذا الشخص لا يفرق معه منذ متى يعرفك أو بأي صفة. لا يفرق معه أين ينام معك، أو ما يمكن أن يترتب على ذلك. لا يفرق حتى إذا كنتَ ذكرًا أو أنثى. المهم أن يحصل منك على اللحظة التي تشعِره بجدوى وجوده. لحظة واحدة، يُحس خلالها بلا أي شك أن له قيمةً عند شخصٍ غيرِه. هكذا تصبح الأسطورة مطابقة للواقع. وهل هناك ما هو أقرب إلى هذه اللحظة من تلك التي ينفتح فيها غالق العدسة والكاميرا مسلّطة على وجه آخر؟

طفل معه لعبة في يده بــ«سنترال بارك»، نيويورك - 1962 المصدر: هنا

غالق العدسة

أنت عندما تنظر إلى صورة تظن أنك ترى شيئًا ثابتًا لكنها دائمًا حكاية. اليد التي تمسك كأسًا هي طاولة وفم وذراع. هذا هو لغز الفوتوغرافيا: إنها في نفس الوقت توقِف الزمن وتشهد على مروره. ربما ترى ما قبل اللقطة وما بعدها أكثر مما ترى اللقطة نفسها. كأن العدسة لا تُثبّت لحظة بقدر ما تدل على تسلسل زمني. ووجود ذلك التسلسل يعني وجود موقف وحُكم، ليس فقط حكاية. وجود الزمن في الصورة يعني جِلد آخر يستحيل اختراقه.

نادرةٌ فعلًا تلك الصور التي تتيح للرائي الاكتفاء بالنظر، التي توهمك بتوقف الزمن ليحدث اتصال غير مشروط بينك وبين ما تراه، بلا حكم أو موقف. ستطير منتشيًا بوهم أن مأساتك هي مأساة آخر. ثم تقع على وجهك في الظلام.

ضحايا

باستثناء المكسب المادي، يوم قررت آربس أن تدخل عيادة نفسية كانت تحقّقت كفنانة. اكتسبت شفعاء وحلفاء في المتاحف والمجلات، وذاع صيتها كحالة غير مسبوقة في تاريخ الفوتوغرافيا. كانت في طريقها لأن تُكرّس. لكنها مثل سليفيا بلاث لن تكتسب مكانة أقرب إلى مكانة قديسة حتى تقتل نفسها سنة 1971.

قيل وقتها، وما زال يُقال، إن آربس ضحّت بحياتها من أجل الفن، وقد يكون في ذلك عزاء أو على الأقل يبرر موتها. لكن آربس لم تُضح بأي شيء. الحقيقة أنها استغلت كل مَن أمكنها استغلاله. والحقيقة أيضًا أن متاعبها النفسية، حتى لو كانت هي السر في عبقرية صورها، لم تكن إلا متاعب نفسية. لماذا أضطر لتذكير نفسي بأن الفن والجنس والعلاج النفسي بل البحث عن أحلامنا في الواقع كلها أشياء ممكنة بلا انتحار؟

قل ما شئت عن ديان آربس، هي لم تكن ضحية. وقل ما شئت عن قوة صورها كذلك. ملعون أبو الفن إذا كان هكذا.

المصدر: هنا

الجُب

وأعود أذكر نفسي ملتاعًا، بلا سبب واضح: هناك ناس لا تشعر أنها اتصلت بك حتى تنام معك. وكأنّ كل السبل تقطّعت بما فيها حتى التمهيد للجنس. هؤلاء يستعملونك فعلًا. ودائمًا هناك أذى في الاستعمال. على أكثر من وجه يمكن أن يضرك سلوكهم لكن لا يعني ذلك أنهم أشرار. يعني أنهم فنانون بلا حاجة إلى فن. أن الثقب أصبح جُبًا تنطفئ فيه الشرارة.

خلال وقتهما معًا بين 1970 و1971، لم تحك ديان لهيلين إلا عن الجنس والفوتوغرافيا، هكذا تقول الطبيبة. وكانت شكواها واحدة في الحالتين: أن النشاط الذي تعيش من أجله لم يعد يثيرها بما يكفي. لم يعد يحقق لها امتلاء. و#سلام.

ملك وملكة رقصة كبار السن، نيويورك 1970 المصدر: هنا
عن الكاتب

يوسف رخا

يوسف رخا مصري يكتب بالعربية والإنجليزية، ويعمل في الصحافة الثقافية منذ 1999. صدرت أولى رواياته «كتاب الطغرى» عام 2011. آخر أعماله كتاب «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة (شعر/سرد)».

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن