أنماط مختلفة من التذكر في «استحضار الغياب»
إن النظرة النسوية للعالم تكشف معانى غياب النساء وحضورهن كذلك، فعلى سبيل المثال، تسلط النظرية النسوية السياسية الضوء على غياب النساء عن المجال السياسي العام، وينظر الاقتصاد النسوي إلى غياب عملهن المنزلي والرعائي عما يقدر باعتباره عملًا ذي قيمة اقتصادية يساهم في دورة الإنتاج، وحتى النقد السينمائي النسوي ينظر إلى «اللاوعي» الذكوري لصُنّاع اﻷفلام في تمثيلهن للنساء على شاشات السينما، وفي معرض «استحضار الغياب» يقدم مركز الصورة المعاصرة ثلاثة مشاريع فنية لثلاث فنانات بصريات، وهن راوية صادق وهاجر عز الدين ونادية منير، يكشفن عن معانٍ أخرى للغياب والحضور، لكن برؤية ذاتية وحميمية أكثر.
يضم المعرض -الذي انطلق في مايو الماضي ويستمر حتى نهاية شهر يوليو الحالي- صورًا فوتوغرافية وكولاج وتجهيز متعدد الوسائط وجداريات، ويصاحبه سلسلة من الفعاليات كالجولات، واللقاءات الفنية مع الفنانات الثلاث. تتخذ الفنانات الثلاث البحث كنقطة انطلاق، ولكنها لا تنتهي عنده، بل تنتج وتُعيد إنتاج، ما هو غائب أو أفناه الزمن.
نرى في المعرض قراءة راوية صادق لسيرة النسوية المصرية الرائدة درية شفيق، من خلال الكولاج والرسم والملاحظات على حواشي الكتب. البحث الفني الذي أجرته صادق عن أعمال شفيق وسيرتها الذاتية يرسم أوجه تشابه مع تاريخ عائلة الفنانة نفسها والنضالات والانقسامات المشتركة بينهن. لكن راوية صادق لا تقدم سردًا منضبطًا ونهائيًا عن حياة درية شفيق، بل تتقفى أثرها في الأماكن التي زارتها وعاشت فيها، وما تبقى من مواد أرشيفية مصورة ومكتوبة من حياتها.

تواصل راوية صادق في هذا المعرض مشروعها الفني العبر-نوعي عن درية شفيق منذ قرابة ست سنوات، ذلك المشروع الذي بدأته بمعرضها الفردي في جاليري تاون هاوس بالقاهرة بعنوان «عن الصدفة والشيخوخة والاكتئاب» في مارس 2017، وتلاه «ذاكرة للزائل: ثلاثية الزمن في ستينيات درية شفيق» بثلاث مطبوعات بثلاثة عناوين منفصلة متصلة مع استديو «مدرار» ضمن نتاج ورشة «المصالح بتتصالح» في نوفمبر 2019.
تُعتبر درية شفيق من رائدات الحركة النسائية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، ويُنسب لها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور 1956. وهي أيضًا شاعرة وباحثة ومناضلة ضد الوجود البريطاني على أرض مصر، كما ترأّست مجلس إدارة مجلتي «بنت النيل» و«الكتكوت»، ورغم تلك المسيرة الطويلة من النضال والعمل السياسي، إلا أن درية أُقصيت من الحياة العامة بعدما شجبت ديكتاتورية النظام الناصري في 1957 الذي وضعها تحت الإقامة الجبرية، وأوقف مجلتها وحركتها، حتى انمحى أي ذكر لها. من هنا ندرك قوة قراءة راوية صادق في عملها «وقت يتمدد» المنسوج من خيوط زمنية صنعت من سيرة درية الذاتية، حيث أنها تسائل غياب (أو -إذا أردنا الدقة- محو) آثار التيار النسوي الراديكالي عن مشهد التاريخ السياسي الرسمي.

نتطلع في المعرض أيضًا إلى تجهيز «خيالات منزلية» لهاجر عز الدين، وهو مشروع بحثي فني ممتد عن تواريخ وجماليات الأسرة والحياة المنزلية في منازل الطبقة المتوسطة المصرية خلال ثمانينيات القرن الماضي، تلك الجماليات التي نشأت في ستينياته وتمددت في سبعينياته. بدأ المشروع بتتبع وجمع شذرات من المواد والصور والمجلات والأدوات المنزلية مدعومة بعدة لقاءات مع سيدات من الطبقة المتوسطة بغرض إعادة تشكيل عوالم الطبقة المتوسطة في مصر.

يطرح «خيالات منزلية» بعض الأسئلة حول الاستراتيجيات الفنية للعودة بالزمن والبحث التاريخي والأرشيفي، كما يُسائل العمل المنزلي من منظور الزمن المنقضي عبره من خلال مفاهيم مثل الانتظار والملل. ومن ثم تراقب عز الدين عمل سيدات الطبقة المتوسطة المنزلي، وما يستغرقه من وقت ومجهود واختيارات جمالية وتحاكيه في ضوء عملية الإنتاج الفني نفسها والتي يقبع أغلبها خفيًا داخل المنتج النهائي المعروض.
علينا أن نفرق بين النظر للغياب كثيمة عامة للمعرض، ومن ثم الشعور بالحنين إلى تلك الجماليات المتقادمة، واللامرئية الاجتماعية لعمل النساء التي تضعها هاجر تحت عدسة نقدية على وجه الخصوص في مشروعها. بين الحنين لما هو غائب والنقد لما يجري إخفاؤه تقدم عز الدين مدخلًا نقديًا لبيوت الطبقة المتوسطة من حيث اختياراتها الجمالية والجهد المنقضي في تحقيق تلك الجماليات. في رسمة على الحائط اﻷيسر ورسمة أخرى على الحائط اﻷيمن من القسم المخصص لمشروعها في المعرض، نرى المساحة التي تحتلها تلك الجماليات في الذاكرة ممثلة على الحائط، لكنها أيضًا مضخمة بشكل جروتسيكي (grotesque)، مما يدعو للشعور باﻷلفة والغرابة في آن واحد.

أما «ألبوم اللاوعي» لنادية منير فيمثل زيارة لألبوم صور عائلة الفنانة عبر سلسلة من الصور تُعيد إنتاج أوضاع وإيماءات لطالما ارتبطت في الذاكرة بالتعرف على أفراد الأسرة وإنجازاتهم الاجتماعية والعملية. تستخدم منير ألبوم الصور العائلي، وما يشكله من ذكريات، لتفكر في ممارستها الفنية المهتمة بالفوتوغرافيا وتاريخها الشخصي وما يجمعها بتلك الصور.
يضع المشروع علاقة الفنانة بأبويها بوصفها نقطة محورية تتموضع فيها الفوتوغرافيا كوسيط لفهم طبيعة تلك العلاقة وكذلك فهم العالم خارجها. كما يسعى المشروع إلى الخطو بألبوم صور العائلة لما هو أبعد من كونه مصدرًا للحنين واستدعاءً للحظات النادرة من الماضي، آملًا في اكتشاف منطقة جديدة تضمها صورنا، فاتحةً الباب لفهم أجسادنا وتموضعها أمام الكاميرا.

ليست هذه المرة اﻷولى التي تحاكي فيها نادية منير صورًا من الماضي للحديث عن الحاضر، فلقد قدمت في معرضها الفردي اﻷول «سأدافع عن نفسي»، الذي أُقيم أيضًا في مركز الصورة المعاصرة في 2017، أعمالًا تناقش تمثيل النساء في الصور الفوتوغرافية المنتجة والمتداولة في المنطقة العربية واستخداماتهم الاجتماعية المختلفة، حيث تهتم فيها بشكل خاص بأرشيفات الصور الشخصية والصور الفوتوغرافية الجاهزة والصور التوضيحية في الكتب والمجلات، وتلك المستخدمة في ستوديوهات الفوتوغرافية والإعلانات وعبوات المنتجات المختلفة. مثّل المعرض المذكور مرحلة ثالثة لسلسلة من اﻷعمال عملت عليها منير منذ 2016 بعد معرضيها السابقين «قالت أقسم أنّي أرى ضوءًا يخرج من جانب عيني» و«هل أنت ذلك الشخص حقًا؟» واللذين كانا في إطار معارض جماعية. الجديد الذي تقدمه منير في «استحضار الغياب» هو أنها تمد هذا الاهتمام إلى أرشيف عائلتها الفوتوغرافي وتقتحم مساحة شخصية.
لكن إذا كانت الفنانة تقتحم مساحة شخصية من خلال مشروعها الجديد، فاﻷعمال المعروضة نفسها تقتحم عين المتفرج بأشكال متعددة، كأن نرى الفنانة في أول صورة في القسم المخصص لمشروعها في المعرض مضطجعة على جنبها ترمق الكاميرا في ملابس رجالية وهي تحمل سيجارة بين أصابعها، ونعرف من الكلام المدون على الصورة ذاتها أنها تحاكي صورة قديمة ﻷباها حيث تقول: «لا أعرف لماذا أحببت هذه الصورة ﻷبي دونًا عن كل صورة»
تشكك تلك النظرة في هذه الصورة وصور أخرى في قدرتنا على التعريف الجندري (gender identification)، ﻷن براعة المحاكاة لا تجعلنا نتساءل عن الصور اﻷصلية فقط، بل عن مدى الشبه بينها وأباها في تلك الصور، أو بينها وأمها في صور أخرى أيضًا.

لم يكتف مركز الصورة المعاصرة في سلسلة فعالياته بإقامة جولة فنية أو لقاءات مع الفنانات الثلاث، بل خصص كذلك النسخة الثامنة عشر من سلسلة أمسيات «دي*سينك» لعرض الأفلام والفيديو والصورة المتحركة لفتح حوار مع الأعمال المعروضة في «استحضار الغياب»
وفي تلك اﻷمسية التي أُقيمت في يونيو الماضي، عرض المركز أفلامًا وفيديوهات لمُنى حاطوم ودانا عناني وإيمان مجدي وميساء المؤمن وحسام رحماني تعلق على علاقة الوسيط السينمائي بالذاكرة عبر توازي الأرشيف السينمائي والأرشيف الشخصي المصور. اشتركت أفلام برنامج اﻷمسية مع أعمال «استحضار الغياب» في استقصاء كيف تكتنز الصور والأغراض مشاعر ثقيلة مثل الاغتراب والحنين والفقد.
تقارير ذات صلة
عن الأحلام واستمرار المحاولة
ثلاثة لقاءات جاءت في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن