أكياس مُعبأة بعناية
#98 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا الويك إند، نحن أمام لحظة دراما منزلية صنعها غياب غطاء زجاجة مياه بلاستيكية.
غياب الغطاء، عطّل طريقة فرز أميمة إسماعيل للقمامة، التي واظبت على ممارستها لسنوات، وحين تأمّلت قمامة المنزل، اكتشفت أنها تدير منظومة فرز ذاتية.. هكذا تكتب إسماعيل عن لحظة إدراكها أن منظومتها للفرز لن تضيع في الزبالة، هذه العناية بالتصنيف، تراعي الاستدامة وتطمح لجعل الحياة أفضل، وقبل كل ذلك تسهّل حياة مَن يتحملون عبء تخليصنا من زبالتنا.
#دليل
قبل أيام تملكتني روح غاضبة دفعتني للتجول بعصبية داخل المنزل بحثًا عن غطاء زجاجة مياه معدنية فارغة، قُوبلت تلك الروح بدهشة واستنكار من كل أفراد أسرتي، ثم تطوعت ابنتي لتخفيف الغضب قائلة «الإزازة فضيت أصلًا وإحنا هنرميها خلاص في الزبالة»
لكن «الزبالة» هي سبب الغضب، فقد اعتدت منذ أكثر من سبع سنوات على إلقاء الزجاجات البلاستيكية الفارغة بأغطيتها، تلبًية لأمنيات طفل بالكاد أتذكر اسمه ربما مسعد أو سعد، ولكني أتذكر جيدًا ما آلت إليه عاداتي مع المخالفات التي تخرج من منزلي بعد لقائه على هامش تحقيق صحفي عن القمامة.
تحوّلت سلة القمامة في منزلي إلى منظومة فصل ذاتية صغيرة، أقوم خلال مراحلها بتجميع المخلفات البلاستيكية مثل زجاجات المياه واللبن، وعلب المنظفات، في كيس واحد ثم ألقيه في النهاية داخل سلة القمامة. والأمر نفسه بالنسبة للأطعمة، تُوضع في كيس منفصل. أما المخلفات الورقية مثل الجرائد والأوراق الدراسية والكراسات المُستهلكة أضعها بجانب السلة، وليس داخلها، حتى تظل جافة وصالحة لإعادة التدوير.
الجهد المبذول في تلك الخطوات قد يبدو بسيطًا، لكن الجهد الأكبر في الحرص على الاستمرار في بذله. لكن نتائج منظومة الفرز الخاصة بي، الممثلة في أكياس مُعبأة بعناية، مهددة.. يُمكن أن تُبعثرها مخالب قطة جائعة على سلالم العمارة، أو أي سبب آخر. ومع ذلك، فإن استمرار منظومتي الصغيرة يشعرني بالرضا.
أجريت التحقيق الصحفي، قبل نحو سبع سنوات، في عزبة الزبالين بمنطقة منشية ناصر (غرب القاهرة) وبينما كان المصدر الصحفي يحضر لي واجب الضيافة من القهوة المجاورة للحوش الذي يعمل به، رأيت عينين مُنهكتين تطلان مع ابتسامة بريئة وشقية من خلف أكوام الزبالة. خطوتُ نحو صاحب الابتسامة والنظرات المُداعبة، وتمّ التعارف: سعد -تقريبًا مش مسعد- عُمره سبع سنوات، يعمل نبّاشًا.
والنبش هي الخطوة الثانية بعد التجميع في عملية إعادة تدوير القمامة وتهدف إلى البحث عن المواد القابلة لإعادة التدوير وفصلها وتصنيفها إلى أربع فئات: بلاستيك وصفيح وقماش وورق. تحدثنا دقائق عن طبيعة عمله وأسرته، قدمت له شيكولاتة كنت أحملها في حقيبتي ففرح كثيرًا، لكنه فرح أكثر حين وجد وسط أكوام القمامة التي يبحث فيها عن زجاجة مياه معدنية بغطائها قائلًا «دي كنز. مش عارفة ليه الناس كلها بترمي الإزازة من غير غطا»
فهمت من سعد أن الزجاجة مصنوعة من نوع من البلاستيك، والغطاء مصنوع من نوع مختلف، وكل نوع له سعر، وأن عثوره على زجاجة بغطائها بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد.
سعد عرفني على تفضيلاته في القمامة، فهو يفرح كثيرًا حينما يعثر على ورق بمختلف أنواعه لأن سعره غال ونظيف أو بحسب تعبيره -الذي أتمنى تذكره بدقة- «مش معكوك» سعد أيضًا يفرح كثيرًا حينما يجمع عدد كبير من الكانات.
شكّلت مُدخلات سعد، بشكل لا إرادي، ممارسات يومية لم أكن على وعي بها حتى بادرني تعبير «حتة غطا» مُغلفًا بنغمة تساؤل ساخر، تلك السخرية الباسمة الخاصة بابنتي، الذي استخدمته لتخفيف غضبي من غياب غطاء زجاجة بلاستيكية كانت ستُلقى في الزبالة.
خلال محاولتي لشرح منظومتي الذاتية لفرز القمامة لأهل منزلي، اكتشفتُ أن مدخلات سعد المعلوماتية غيّرت ممارساتي مع القمامة، ودفعتني إلى عدم إلقاء الأكل المطهو بشكل مباشر في سلة القمامة، بل أغلفه بأكثر من كيس حتى لا يختلط بباقي مفردات الزبالة وتصبح معكوكة ليتسنى لنبّاشي القمامة مثل سعد البحث عن كنوزهم بأقل معاناة ممكنة، وتمكينهم من استخدام الأطعمة في إطعام حيواناتهم التي تقتات من القمامة مثل الأغنام والدواجن والخنازير.
ليس الطعام وحده الذي حرصت على تغليفه قبل إلقائه في سلة القمامة، بل فعلت المثل مع حفاضات أطفالي حينما كانوا صغارًا، وكذلك الفوط الصحية وأي مفردات يمكن أن تجعل القمامة معكوكة، بل حرصت على وضع مُسببات العك، مثل الأطعمة والحفاضات والفوط الصحية، في أكياس شفافة قدر الإمكان، حتى لا يضطر النبّاش إلى فك الكيس للتعرّف على ما بداخله.
اكتشفت أيضًا أسباب إعلاني حالة الطوارئ حين ينكسر أي منتج زجاج أو خزف، ولا أهدأ قبل جمع كل الشظايا والكسور داخل كيس ثم تغليفه بطبقات ورق أو إحاطته بأطباق فوم أو كرتون، ثم لفه جيدًا بشريط لاصق خوفًا من تناثر الأجزاء المكسورة بين باقي مفردات القمامة وجرح النبّاش سيئ الحظ الذي يبحث عن أكل عيشه في زبالة منزلنا.
تأمّلتُ كثيرًا سلوكياتي مع القمامة، وابتسمتُ مُحاولة تخيّل ملامح سعد بعدما كبر، وغالبًا شغّال شغلانة تانية ومش هيستفيد من ممارساتي دي، لكن استمرار منظومتي بيخدم مئات من الجيل الجديد من النبّاشين.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن