بدأت الحملة الأمنية ضد قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في منتصف نوفمبر الماضي بقرارٍ منفرد من مسؤول أمني. يعرف هذا المسؤول أن مصر ستتعرض إلى ضغوط دولية بسبب الهجمة الأمنية على منظمة حقوقية ذائعة الصيت محليًا ودوليًا. لكنه، وبحسب مصادر رسمية مختلفة على اطلاع بكواليس ما حدث، أصر على تجاهل الضغوط أطول فترة ممكنة وقرر بشكل منفرد، دون مشورة أي أجهزة أمنية أخرى، الإبقاء على المديرين الثلاثة للمبادرة داخل السجن بعض الوقت على الأقل.
المنطق وراء قراره، بحسب المصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هوياتها، كان أن الزج بقيادات المبادرة داخل السجن أطول فترة ممكنة سيوقف أي مسعى من المجتمع المدني المحلي لاستغلال لحظة وصول الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن للحكم، ووجود رأي عام يدفع نحو رفع سقف الحريات في مصر من ناحية، ويفوت الفرصة على أي محاولة لاستغلال خلافة بايدن لترامب المناصر للنظام المصري في الدعوى لأي تجمعات لإحياء الذكرى العاشرة لثورة يناير من ناحية أخرى.
لكن تصاعد حالة الغضب داخليًا وخارجيًا، والضغوط الدبلوماسية الكبيرة، والتي خرج بعضها للعلن في بيانات فردية وجماعية لم تتوقف، واستمر كثير منها في الخفاء، وتوصيات بعض أجهزة الدولة وسفاراتها، أربكت حسابات المجموعة الأمنية وأجبرتها على إعادة التفكير في استراتيجيتها.
استغرق هذا 18 يومًا، وانتهت بتدخل مؤسسة الرئاسة وتوجيهها بالإفراج عن مديري المبادرة الثلاثة مع توقيع أدنى عقوبة ممكنة عليهم. وأُسندت مهمة الخروج من الأزمة لجهاز أمني قام بالتنسيق مع رئيس مجلس الشيوخ والنائب البرلماني السابق محمد أنور السادات للتوصل إلى تفاهم يشمل تعهد «المبادرة» في خطاب مكتوب بالالتزام بقانون الجمعيات الأهلية الجديد رغم أنه مازال ينتظر نشر لائحته التنفيذية.
الهجمة الأمنية على «المبادرة» حدثت على عدة مراحل. البداية جاءت فجر 15 نوفمبر الماضي حين ألقت قوة أمنية القبض على المدير الإداري للمنظمة الحقوقية محمد بشير من منزله، واحتجزته لمدة 12 ساعة في أحد مقرات اﻷمن الوطني، ووجهت له أسئلة بشأن زيارة عدد من السفراء المعتمدين في مصر لمقر «المبادرة» في 3 نوفمبر الماضي.

بعدها، عُرض بشير على نيابة أمن الدولة، التي وجهت له تهمًا بـ«الانضمام لجماعة إرهابية مع العلم بأغراضها»، و«استخدام حساب خاص على شبكة المعلومات الدولية بهدف نشر أخبار كاذبة»، و«ارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب»، و«إذاعة أخبار وبيانات كاذبة»، وقررت حبسه 15 يومًا على ذمة القضية رقم 855 لسنة 2020، والتي تضم عددًا من الصحفيين والمحامين والنشطاء الحقوقيين.
بعدها بثلاثة أيام، في 18 نوفمبر، تكرر الأمر مع كريم عنّارة، رئيس وحدة العدالة الجنائية بـ«المبادرة»، حيث ألقت قوة أمنية القبض عليه خلال قضائه عطلة بمدينة دهب، جنوب سيناء، ووجهت له نفس الاتهامات، وقررت حبسه 15 يومًا على ذمة القضية ذاتها.

مصدر مقرب من أجهزة الأمن قال إن القبض على بشير أولًا كان بمثابة اختبار لردة الفعل، موضحًا أن ضعف ردود الفعل الأولية شجعت أجهزة الأمن على مواصلة الهجمة، بالقبض على عنّارة، والذي كانت تحركاته محل رصد واهتمام من الأمن باستمرار لتتبعه موضوعات تتعلق بالمعتقلين والأوضاع داخل السجون.
بعد القبض على عنّارة، أوصت وزارة الخارجية، التي فاجأتها الهجمة الأمنية، بالتوقف عند هذا الحد وعدم توقيف مسؤولين آخرين بالمبادرة، بحسب المصادر الرسمية. غير أن المسؤول الأمني أعطى أوامره بالاستمرار، ليتم القبض على جاسر عبدالرازق، المدير التنفيذي لـ«المبادرة» وأحد أبرز الحقوقيين المصريين، في اليوم التالي للتحقيق مع عنارة، وتوجيه له نفس الاتهامات وإساءة معاملته في السجن.

لكن «الضجة غير المسبوقة»، بحسب تعبير المصدر، والتي خلفها القبض على عبدالرازق، وحملات التضامن العالمية مع العاملين بالمبادرة، تسببت في بداية تغيير الموقف ليبدأ التفكير في مسار للخروج من الأزمة.
بحسب مسؤول حكومي مطلع، عقد المسؤول الأمني اجتماعين متتاليين بمقر الأمن الوطني بعد القبض على عبدالرازق بيومين لرسم مسار للخروج من الأزمة، حضرهما ممثلين عن جميع الأجهزة الأمنية ووزارة الخارجية. خلال الاجتماعين، اقترح الحضور ثلاثة سيناريوهات. الأول: الإفراج عن جاسر وكريم وبشير بعد حبسهم 15 يومًا بكفالات مالية كبيرة، مع توقيع إجراءات عقابية عليهم تتمثل في تجميد أموالهم، أو فرض تدابير احترازية تتعلق بالمنع من السفر. السيناريو الثاني تجديد حبس الثلاثة مرتين متتاليتين مدتهما 15 يومًا قبل الإفراج عنهم. أما السيناريو الثالث؛ تجديد حبسهم 10 مرات (150 يومًا) أمام نيابة أمن الدولة، ثم عرضهم على محكمة الجنايات لتجديد حبسهم 45 يومًا، ثم الإفراج عنهم، بعد تسلم الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، سلطاته في 20 يناير المقبل ببضعة أشهر.
بحسب مصدرين حكوميين منفصلين تحدثا لـ«مدى مصر»، فإن السيناريو الثالث كان أقرب للتحقق لولا «الضغوط الخارجية غير المسبوقة» التي تعرضت لها البلاد. وكان للتحذيرات التي أرسلتها سفارتي مصر بباريس وواشنطن لمؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية لضرورة تسوية الأمر مفعول السحر للتدخل لإنهاء الأزمة.
مصدر دبلوماسي مصري قال لـ«مدى مصر» إن سفارة مصر في باريس حذرت من أن عدم تسوية أزمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قبل الزيارة المرتقبة للرئيس عبدالفتاح السيسي لفرنسا سيتسبب في تظاهرات ومقالات رأي وانتقادات حادة للنظام المصري من الصحافة الفرنسية والجمعيات الحقوقية. وأوضح المصدر أن وزارة الخارجية الفرنسية أبلغت سفير مصر في باريس، إيهاب بدوي، بأن الرئاسة الفرنسية تتعرض لكثير من الانتقادات بسبب علاقتها بمصر، وأنه يجب مساعدة فرنسا على الحفاظ على علاقات الشراكة بين البلدين.
تحذيرات مماثلة أرسلتها سفارة مصر في واشنطن، بحسب تأكيد دبلوماسي مصري آخر لـ«مدى مصر»، أكدت على خطورة تجاهل الضغوط الدولية مطالبة بالإفراج الفوري عن قيادات المبادرة. أشارت السفارة كذلك في تحذيراتها إلى ملاحظات تلقتها من شركة الدعاية التي تم التعاقد معها للترويج للمصالح المصرية في الوﻻيات المتحدة من أن استمرار أزمة «المبادرة» ستكون لها تداعيات سلبية على صورة مصر في العاصمة الأمريكية بالتزامن مع عملية انتقال السلطة في واشنطن.
وكانت السفارة المصرية في واشنطن قد وقعت اتفاقًا، في 9 نوفمبر الماضي، مع شركة «برونشتاين حياة فربر شريك» للمحاماة لتقديم «خدمات العلاقات الحكومية والاستشارات الاستراتيجية في الأمور المعروضة على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية» فيما يخص مصر، نظير 65 ألف دولار شهريًا، بحسب «فورين لوبي». وعلى الرغم من أن المفاوضات المصرية مع الشركة استمرت طوال شهور، إلا أن توقيع العقد جاء بعد يومين من إعلان فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية.
بالتزامن مع التحذيرات الدبلوماسية المصرية، لم تتوقف الضغوط والوساطات الدبلوماسية علنًا وسرًا لإنهاء أزمة «المبادرة». تلقت وزارة الخارجية المصرية في 22 نوفمبر الماضي خطابًا وقّع عليه 19 سفيرًا في مصر بما فيهم السفير الأمريكي، الذي لم يشارك في اجتماع المبادرة، والسفير الإيطالي الذي وقع على الخطاب بشرط عدم نشره إعلاميًا، يطالبون خلاله الحكومة المصرية بسرعة التحرك لحل الأزمة.
عقب تواتر الضغوط والتحذيرات من العواقب السلبية لاستمرار حبس مديري المبادرة، عقد المسؤول الأمني اجتماعين آخرين بمقر جهاز الأمن الوطني لبحث آلية مراجعة الأمر، وإعداد تقرير عن الأزمة للرئاسة لاتخاذ القرار. وقررت الرئاسة على إثرها تسوية الأمر بالإفراج عن المديرين الثلاثة مع توقيع أدنى عقوبة عليهم.
بدأت سيناريوهات الخروج من الأزمة مع وساطة قام بها محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، بين رئيس مجلس الشيوخ، المستشار عبدالوهاب عبدالرازق، والأجهزة الأمنية من ناحية، وبين أهالي المقبوض عليهم ومدير المبادرة بالإنابة، حسام بهجت، من ناحية أخرى، لإيجاد مخرج مناسب لتبرير الإفراج السريع عن مديري المبادرة دون أقرانهم المحبوسين على ذمة نفس القضية، والتغطية على دور الضغوط الدولية في الأزمة، بحسب تفسير عدد من الحقوقيين المطلعين على مسار الأزمة الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» بشرط عدم ذكر أسمائهم.

من جانبه، نفى السادات لـ«مدى مصر» أن يكون للضغوط الدولية تأثير كبير في قضية المبادرة. بحسب رأيه، خلقت هذه الضغوط حالة ورأي عام عالمي، ولكنها لم تكن السبب الرئيسي للإفراج عن المديرين الثلاثة، مشددًا على أن «اللي عندنا مش بيتلوي ذراعهم وياما دول ومؤسسات عالمية اتكلمت عن المحبوسين وكلامهم لم يغير شيء».
واعتبر السادات أن السبب الرئيسي للإفراج السريع عن قيادات المبادرة هو فتح قنوات للحوار بين السلطة والمعارضة، مؤخرًا، في حال وجود طرح ذكي يمكن الاستجابة إليه.
السادات الذي كشفت مصادر برلمانية لـ«مدى مصر» عن وجود اتجاه لتعيينه رئيسًا للمجلس القومي لحقوق الإنسان خلفًا لرئيسه الحالي محمد فائق بعد انعقاد مجلس النواب بتشكيله الجديد في يناير المقبل، أوضح أن الدور الذي لعبه خلال أيام الأزمة جاء بالتعاون مع رئيس مجلس الشيوخ، للإفراج عن قيادات المبادرة.
«انتهزت فرصة أن فريدة النقاش، والدة جاسر، نائبة في مجلس الشيوخ، وأن مجلس الشيوخ صميم عمله الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وطلبت من رئيسه التدخل»، يقول السادات، مضيفًا أنه والنقاش التقيا رئيس مجلس الشيوخ، وشرحا له الموقف وتدخل الأخير للتفاوض مع الأجهزة الأمنية للإفراج عنهم.
«قعدنا نفكر من خلال مداولات إيه المشكلة»، يقول السادات، «هل الدولة شايفه إن المبادرة جماعة إرهابية أو منضمين لجماعة إرهابية، فاكتشفنا أن الدولة مش شايفة المبادرة جماعة إرهابية حتى لو تم توجيه لهم اتهامات بالإرهاب، والأجهزة الأمنية ردت علينا بأن الدولة عارفة أن اللي بيشتغلوا في المبادرة غالبيتهم يسار».
وأشار السادات إلى أن الأجهزة الأمنية أخبرته ورئيس الشيوخ بأن توجيه اتهام لشخص بالانضمام لجماعة إرهابية لا يعني أنه إخوان أو جماعات إسلامية، ولكن المقصود بها أنهم «يتعاملوا مع كيانات خارجية من خلال تمويل، والكيانات دي قد يكون لها علاقة بكيانات إرهابية».
وأوضح السادات أن الأجهزة الأمنية قالت إن مشكلتها مع المبادرة تتلخص في ضرورة اشتغالهم بالنشاط الحقوقي في ضوء قانون الجمعيات واللائحة الخاصة به. وبخلاف ذلك، لا توجد مشاكل مع المبادرة، وأن الأزمة تنتهي بتعهدهم بالعمل تحت مظلة القانون.
يقول إنه بعد استماعه إلى موقف الأجهزة الأمنية من أزمة المبادرة، عقد اجتماعًا مع حسام بهجت، مدير المبادرة بالإنابة، في حضور المحامي نجاد البرعي، تم التوصل خلاله لصيغة خطاب يوضح استعداد المبادرة للتحول إلى جمعية أهلية. وقام السادات بتسليمه لرئيس مجلس الشيوخ الذي قام بتوصيله للأجهزة الأمنية المعنية، التي قامت بدورها بالسماح لأسر المقبوض عليهم بزيارتهم في السجن قبل يوم واحد من الإفراج عنهم.
لكن، الخطاب المذكور لا يحمل صفة رسمية فيما يتعلق بتوفيق أوضاع المبادرة بسبب عدم دخول قانون الجمعيات الأهلية الجديد حيز التنفيذ حتى الآن. بحسب مصدر بوزارة التضامن لـ«مدى مصر»، يُفتح باب توفيق أوضاع المبادرة أو غيرها من الجمعيات والمنظمات العاملة في المجال الأهلي في اليوم التالي لنشر اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية، التي لم تُنشر حتى الآن، على الرغم من إعلان مجلس الوزراء في 26 نوفمبر الماضي (بعد 11 يومًا من الحملة على المبادرة) موافقته على اللائحة.
استغرق تنفيذ سيناريو الخروج من الأزمة ثلاثة أيام، وانتهت بشكل مباغت بإبلاغ الأجهزة الأمنية للسادات بقرار إخلاء سبيل ثلاثي المبادرة مساء الخميس 3 ديسمبر دون ضمانات أو تدابير احترازية، قبل ساعتين من تنفيذه. وجاءت العقوبة فيما يبدو في حكم محكمة الجنايات بعد يومين، تقرر بموجبه منع قيادات المبادرة من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم دون أن يسري القرار على «المبادرة» ككيان.
وبعد ساعات قليلة من إخلاء سبيلهم، أعلنت الرئاسة الفرنسية عن دعوتها الرئيس السيسي لزيارة باريس، وهي الزيارة التي بدأها السيسي بالفعل في 6 ديسمبر الجاري، واستمرت عدة أيام.
تقارير ذات صلة
بعد حبس 3 وإخلاء سبيل 4 على ذمة «اغتصاب فيرمونت».. مصادر: 4 من هؤلاء شهدوا ضد «المُغتصِبين»
إحالة أحمد بسام زكي إلى «الجنايات»
تفاصيل حركة التغييرات الدبلوماسية المقبلة | وفاة الصحفي محمد منير
59 جامعة أمريكية تختصم قرار ترامب بإبعاد طلاب الأونلاين
«مرسال» و«مستشفى 25 يناير».. مواجهة كورونا بوعي مختلف
تمثّل المؤسستان طوقي نجاة في ظل خروج الجهات الرسمية عن نطاق خدمة العديد من المرضى
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن