تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أبناء التشخيصات

أبناء التشخيصات

#106| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: يوسف رخا 6 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

هذا الويك إند يشاركنا الكاتب يوسف رخا دليلًا على هيئة رسالة إلى والده الراحل، بمناسبة ذكراه الواحدة والعشرين [الصورة مع الكاتب صغيرًا]. يشتبك هذا الدليل الخطاب مع الأبوة عبر التركيز على الأعباء النفسية، وطرق التعامل مع آثارها الموروثة. كتابة تدلنا كيف يتغيّر وعينا مع الوقت، حين تُفهم التشخيصات. كتابة تعلمنا كيف نستمر.

caption
تصوير: من أرشيف يوسف رخا

#دليل#قراءة

كتبت عنك لأول مرة في ذكرى وفاتكَ العشرين. لا أصدّق أن عامًا كاملًا قد مر. لكنني هذه المرة أستعيد تعبك النفسي. لا أحب أن أسمّيه مرضًا ليس لحَرَج أو تأفّف، وبالتأكيد ليس استخفافًا بقوته؛ فقط لاختلال القياس.

صحيح أن هناك مساحات تداخل واسعة -الأعراض الجسدية لـ«المرض العقلي»، والعقاقير المستخدمة في علاجه- لكنْ أين الإقلاع عن التدخين مثلًا من التهاب رئوي؟ لاعتلال الجسد أسباب ونتائج مهما تحتّمت أو تعقّدت تنتهي عند شيء ملموس، مادي. والأعراض قد تُعطّل الحياة أو حتى تنهيها، لكنْ لا يمكن أن تكونها بهذا الشكل. في التعب النفسي، الأعراض هي الحياة.

مثلًا: أنْ لا يغادر الإنسان سريره إلا مُجبرًا، بحيث يصبح نومه اختباءً متواصلًا من كل شيء، وصحوه الليلي تَجوالَ زومبي أليفٍ في أنحاء البيت.

مثلًا: أن ينتاب الإنسان ارتياع جنوني حين لا يجد مواصلة وسْط الزحام، فيكونَ جاهزًا لاختطاف أقرب سائق تاكسي، أو استجدائه.

مثلًا: أن يكف الإنسان عن ممارسة الأشياء التي يعيش من أجلها أو البحث عن بدائل لتلك الأشياء، لا يعود للأنشطة أو البشر أيُّ نَجمٍ في سمائه.

كانت هذه خصالك، مثل الولع بالحلويات وكراهية عبد الناصر. ومثل الخجل من الظهور وإدمان الأدوية -أدوية الضغط والسكر وأي عَرَض عابر فضلًا عن مضادات الاكتئاب- لم يكن تعبك النفسي مجرد سعال أو دوار، سرعة ترسب، اضطراب مناعي، أو تضخم في الخلايا يُسبّب ألمًا لا يُطاق. لم يكن «المرض العقلي» شيئًا دخيلًا على إحساسك بنفسك أو نظرتك إلى الدنيا، كما يمكن أن يكون مرضٌ جسدي.

كان يحلو لك أن تتعلّل بعبارة «أنا مريض»، لكنّ العلة ليست طارئة عليك. ليستْ بمعزل عن خِفّة دمك وشهوانيتك وحنانك، ولا نفورك من ممارسة أي سلطة كأب أو رئيس عمل أو رب بيت من الطبقة المتعلّمة، يمنحه العُرف الاجتماعي بموجبها صلاحيات. «أنا مريض،» كنت تقول، مع أنك في حياتك لم تُعرَض على طبيب نفسي. ورغم ولعك بالمشافي لم تطأ قدمك مصحة عقلية.

الـ major depression شخّصه طبيب مخ وأعصاب قبل أن أولد بعشر سنين. في زمن ما قبل الـ SSRIs. لم يكن هناك كلام متواصل عن «الصحة العقلية» على السوشال ميديا. لم تكن هناك سوشال ميديا. ولعل الناس كانت متآلفة أكثر قليلًا مع أمزجتها رغم كل ما يبدو. أنْ يتكلم الواحد عن «تشخيصه» حتى في سياق حميمي: لم يكن هذا مألوفًا أو مقبولًا على أي حال. ولابد أنك كنت مرعوبًا من أن توصَم بالجنون. لكنْ بصرف النظر عن أي تفسيرات أو أحكام، «مرضُك» كان أنتَ.

الشيء الذي لوّن كل ما عداه ما زال يعرّفني من تكون.

الذي أنكرتُه عليك يوم أجلستك على كرسي وسط الصالة وبدأت أستجوبك كمحقق: لماذا لا تمارس أنشطتك اليومية؟ هل يعجبك حالك وأنت لا تتحرك؟ وبقسوة الجهل أُعنّفك وأدمدم. كانت قناعتي أن امتناعك عن الحياة ليس سوى كسل أو ضعف إرادة. بينما أنت، وأنا لا أعرف، بدأت تحتضر بالفعل. خلال أيام ستموت قبل أن تتسنى فرصة احتضانك.

الذي جعلك غائبًا رغم كثافة حضورك، ومُعَطّلًا رغم أن روحك حَرَكة.

الذي جعلك مُنهِكًا رغم كرمك وثقيلًا رغم خِفّتك.

لنقُلْ إنه فعلًا مرض، هذا الشيء. أو إن المرض مجاز مناسب. أليس مآل أي مرض مقصورًا على جسم المريض؟ كيف إذن أكون أنا مآل اكتئابك؟ وعيي المتناثر بكل تقاطعاته مع الناس والأماكن خلال ثلاثين عامًا منذ كنتُ في الخامسة عشر (وواحد وعشرين منذ وفاتك)، هذا الوعي هو بالضبط النتيجة المستقبلية التي كان يمكن أن يتكهن بها الأخصائي المعالج يوم شخّص حالتك. وكيف يتكهن طبيب بمصير شخص لم يولد؟

يبدو لي التعب النفسي أقرب إلى اللاهوت والدين المقارن منه إلى أي طب أو علوم طبيعية.

اليأس من أن يوجد في الحياة ما يبررها، والعيش كتأجيل دائم للانتحار: هل يشك أحد في أن ابنك الوحيد الذي ارتبطتَ به لدرجة أن تعيش من أجله سيكون نتاج تلك الحالة قدر ما هو نتاج أي شيء؟ فطرتي النفسية، شكل عَلاقاتي، المكان الذي انتهيتُ إليه بِصِدقِه وكذبه وما فيه من محبة وعذاب. (أنت طبعًا لم تكن العامل الوحيد، ولا كان اكتئابك هو الميزة الوحيدة في كونك عاملًا. لكن يبدو لي أنكما شرط جِذري لمصيري، أنت واكتئابك.) قولك «أنا مريض» يظل سِفْر تكويني، المقطع المختار من أسطورة الخلق الخاصة بي. الزمن السابق، والسَجن الأبدي. النخزة التي تُفسد كل شيء.

أخيرًا كبِرتُ بما يكفي لأعترف. لم تكن وفاتك مجرد ضربة اكتملت بها صياغتي المرتبكة. خلال فترة بطول عمر شخص يُقر القانون بأنه فاعِل مستقل، انقلبت الدنيا لأسباب غير ذات صلة. انفتحت طُرُق وانغلقت حجرات. تغيرت مفاهيم جذرية. لكن باستثناء ثلثي السنة التالية على الواقعة، لم ينقضِ نهار لم أفكّر أثناءه ولو لبضع ثوانٍ في «الصحة العقلية».

اليوم وأنا أستعيد تعبك لأول مرة أعترف. كانت نهايتك أكثر من خزي يحرمني الكتابة عنك. كانت أكثر من طموح تاريخي يدفعونه على سلالم العمارات جيلًا بعد جيل. نهايتك كانت إيذانًا بذهابي لأول مرة إلى عيادة نفسية. وتحوُّلي هناك من شخص قليل الصبر كثير التوتر إلى صاحب تشخيص بالـgeneralized anxiety. خلال سنة من وفاتك، أنا أيضًا «مريض عقلي».

موتك هو الذي أكسبني تلك الهوية: فجأة تبدو هذه حقيقة قاطعة. لكن ماذا عساني أصنع بتلك الحقيقة؟

أنظر إلى مراد ابني الطفل الذي وُلد بعد خمسة عشر عامًا كاملة من وفاتك. أنظر إليه وهو راقد يتفرج على التلفزيون، على بعد أمتار من هذه الشاشة. وأسأل:

لو كنتَ تفاديتَ طبيب المخ والأعصاب، عن نفسك. لو لم يقنعك أحد بأن الماء الأسود الذي يسري في خاطرك ويحل محل سوائل جسدك «مرض» اسمه اكتئاب وعلاجه حبوب تهد الحَيْل. هل كنت لتصمم على رفض الزواج؟ تلتزم قرارك الأول بالامتناع عن الإنجاب؟ أم كنت لتنفذ تلك الرغبة التي ألحت عليك في أحد اجتماعات مجلس الإدارة -كما أخبرتني ذات جلسة رائقة- بأن تصعد فوق المائدة المستديرة وتقف في وسطها تمامًا. بأن تفتح سوستة بنطلونك وأنت فوق. (ستكون شربت ما يكفي من المياه والقهوة قبل الاجتماع، وأنت مريض سكر على كل حال.) بأن تُخرج «بضاعتك» كما كنت تسميها لترش وجوه الحضور بشلالات متتالية من بولك، عضوَ مجلس إدارة مبجلًا بعد عضو.

هل كنت لتعثر على طريقة لاحتواء خِذلانك؟ أم، دون أن تنجبني، تصعد إلى سطح عمارتنا ذات غروب لازوردي لتفرد جناحيك وتقلع قبل أن تسقط صريعًا مثل طائر تراجيدي؟

هل كان ذلك أفضل؟

«اغمض عينيك تراني أمامك،» هكذا يقول جبران. في ذكرى وفاتك الواحدة والعشرين، كأنني أسمعها بصوتك. لمعة عينيك وأنت مائل إلى أسفل تمد وجهك إلى مراد وهو يرقص. يسألك بكلامه المكسّر: أصلًا ما فائدتك في الدنيا لو لم تعطه «حاجة حلوة» كل يوم. أرى يدك في جيب بيجامتك تُخرج لوح شيوكلاتة وتساومه على بوسة واحدة في المقابل. وأراه يكف عن الرقص ويهجم محاولًا اختطاف اللوح وتحاشي البوسة. لكنك تتمكن من تطويقه وهوس الفرحة في وجهك.

و#سلام.

عن الكاتب

يوسف رخا

يوسف رخا مصري يكتب بالعربية والإنجليزية، ويعمل في الصحافة الثقافية منذ 1999. صدرت أولى رواياته «كتاب الطغرى» عام 2011. آخر أعماله كتاب «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة (شعر/سرد)».

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن