آداب الحديث عن نزيف القلب
سلوان #3
#جو عام
«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون في السلسلة، التي تحررها سلمى الديب، خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين ننشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي هذا العدد تكتب شيرين ثابت دليلًا للحديث مع الأمهات المكلومات، وعن أفكارها كأم ثكلى، وإمكانية ولادة الأدب من الأحزان والموت. ولا تنسوا إكمال الضفيرة بقراءة دليل دعاء أبو صالح لعبور الألم نحو الأمومة.
في «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه.
#سلوان
في 2014 كانت جدتي تنعي خالتي. تنوح وتبكي وتضع يدها على صدرها وتقول «سكّينتك حامية على قلبي يا سامية»، تساءلت، هل ألّفت جدتي هذه الجملة فور موت ابنتها أم هي رثائية معروفة للكثيرين ويتم تغيير اسم الشخص وفقًا للمناسبة الحزينة؟ هل الحزن يصنع أدبًا؟ ولو بشكل بدائي بسيط؟ ولو بجملة قصيرة؟ أم هي الكلمات موجودة ومحفوظة وتأتي حين نكون في حاجة إليها؟
ابني مات، لم أجد عبارة أكثر وضوحًا، ولم أكن أتخيل منذ عام واحد أنني سوف أكتب هذه العبارة. ولكني، ولدي القدرة الكاملة على هذا الادّعاء، مررت بأحلك تجربة يمكن أن يمر بها إنسان: فقدان طفل.
بعد وفاة ابني ضبطت نفسي أقول: قلبي انسلخ يا حبيبي.. قلبي اتفتفت يا حبيبي. ليست مقفاة كمرثية جدتي، كما لم نقم بتسمية ابني قبل رحيله. في الواقع قمت بتسميته، لكن لم يُكتب هذا الاسم في المستندات الرسمية. كتبوا في وثيقة الوفاة: Baby of Sherine Mohammed Hasan وبالعربية ترجموها: بيبي أوف شيرين محمد حسن. يمكن لأنه «بيبي» أصبحت قصيدتي قلبي انسلخ عليك يا حبيبي، فأصبحت مقفاة كعبارة جدتي.
بعد وقوع هذه المصيبة، واجهت بعض التحديات التي لم تزدني إلا ألمًا. من بينها تعامل الأصدقاء والمقربين مع الحدث. أطنان من الكلمات غير الصالحة للعزاء، والتي لا تليق بالموقف. ففكرت من خلال هذا الدليل أن أقدم نبذة عن كواليس الحدث، وأحاول، مجرد محاولة، أن أساعد نفسي وغيري، وأوضح بعض النقاط التي يجب أخذها في الحسبان عند مواساة أم حزينة.
فكيف أنتم مواسون؟
يقال إن الحزن الذي يشعر به الوالدان بعد فقدان طفل هو عملية معقدة متعددة الأبعاد تؤثر على الجوانب البدنية والعاطفية والاجتماعية والمعرفية والروحية. بل وأكثر من ذلك، هذا الحدث يمكن أن يؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي وصعوبة الحفاظ على العلاقات الحالية. خاصة إذا رفعنا سقف توقعاتنا فيما يتعلق بكلمات التعزية والدعم.
في البداية سألت نفسي وسألت المجتمع وسألت الإنترنت، مَن يتحدث إلى قلوب الأمهات الدامية؟ مَن يدعمهم؟ بحثت عن خطاب أو رسالة أو قصيدة أو أي نص يتحدث إليّ، وفي ظل أحزاني لم يصل إلى ذاكرتي سوى خطاب محمد أنور السادات، حين استهل حديثه للمكلومين بـ«يا أيتها الأم الثكلى». وبعد أن ذكر بقية فريق الحزانى والمتاعيس قال لهم: «املأوا الأرض والفضاء بتراتيل السلام، املأوا الصدور والقلوب بآمال السلام، اجعلوا الأنشودة حقيقة تعيش وتثمر، اجعلوا الأمل دستور عمل ونضال».
بصراحة كلام فارغ، أرض وفضاء وصدور وقلوب. أنا حتى لم أستطع وقتها أن أملأ مثانتي بسلام، حين رحل زياد كان ألمي الجسدي مُضاعفًا. لم أفهم نفسي أو حزني، لم أفهم المغزى أو الدرس، ولم أستطع أن أطلب الدعم الذي أنا بحاجة إليه. خلقت مسافة واحتميت خلفها، توقفت عن التواصل والرد على الرسائل والمكالمات. هناك بعض الرسائل التي لم أرد عليها حتى اليوم. بعد ذلك بقليل، تكونت لديّ رؤية أوضح لما قد أكون بحاجة إليه. أحتاج إلى عزاء مختلف.
«ربنا هيعوض عليكي»
لهذه العبارة نصيب الأسد من كل عبارات التعزية. لا أعلم من يعوضه فقدان أحدهم وجود أحدهم آخر.. ولماذا حينما يتعلق الأمر بفلذات الأكباد يعتقد الناس أن العوض سيكون هو الحل.. لماذا لم نسمع من قبل عبارات مثل لا تحزن على أخيك فلديك المزيد من الإخوة. أو لا تجزع، سيبعث لك الله صديقًا جديدًا.
أعرف أن الله سيعوضني. ربما. أو سيرحم قلبي من الإدماء. ولكني أريد هذا الطفل. أحببت هذا الطفل، حملت هذا الطفل. حزني ليس له علاقة بالعوض. حزني يخص حبيبي. هذا الصغير الهش. هذا الفم الصغير. هذا الأنف الذي يشبه أنفي. هذا الكف. ابني.
قبل الولادة كنت أختم أي حديث بجملة واحدة مضحكة محاولةً تخفيف التوتر، فكنت أقول ردًا على أي طرح أو اقتراح أو فكرة: يا ست أنا عايز ابني، بأداء حسن مصطفى.
الآن، أقسم بالله أن هذا حرفيًا ما أريده. ربنا سيعوض علينا وسيفتح لنا أبواب الجنة، ونعم بالله والحمد لله والله أكبر، ولكن، بجد، يا ست أنا عايزة ابني.
«بمرور الوقت ستصبحين أفضل»
فلنتفق. الحزن بشكل عام ليس مجرد إحساس عابر، بل هو ساكن جديد، جار سخيف، بل أصبح أحد أفراد العائلة، يغيّر ملامح الروح ويعيد رسم حدود الوجود نفسه. أما ألم الفقد، وخاصة فقدان طفل لا يُشبه أي ألم آخر. يصبح كيانًا يعيش بداخلك، يتنفس معك، ويغير من طريقة تفكيرك وإحساسك بالعالم. في ليلة الفقد، كان الألم ملموسًا كجسد ابني الذي حملته لدقائق معدودة. أصبح الألم شريكًا لفراشي، ورفيق قهوة كل صباح، في كل زاوية من بيتي، في كل لحظة صمت، خلفية لكل حديث، صوتًا في رأسي صباحًا ومساءً، أفكر فيما كان من الممكن أن يكون.
بعد أسابيع، كان لا بد من نقطة تحول، لم تأتِ بوحي أو رؤية، أو بتغير درامي في الأحداث، بل بالتعايش اليومي مع الفقد أدركت أن الألم لن يرحل، لكن قد، قد، يتم احتواؤه وتحويله إلى طاقات مختلفة، لا تفنى ولا تستحدث من عدم.
قولًا واحدًا، أنا لن أصبح أفضل بمرور الوقت، بل سأصبح شيئًا آخر، نفس الكم من الطاقة، لكنها قد تتحول إلى أشكال جديدة، أفضل أو أسوأ، يعتمد الأمر على الرزق والاجتهاد. ربما تتحول إلى جزع واكتئاب ورغبة في إنهاء الحياة، وربما تتحول إلى روحانيات ودروشة، وربما تصبح شيئًا بعيدًا غير متوقع.
«شيرين، الحياة ستستمر، فكري في نفسك، إنتِ أهم».. إلخ
في هذه اللحظات، تبحث كل أم عن كلمات تلامس جرحها برفق، مُختارة بعناية، وقادمة من مكان يفهم طبيعة الفقد.
لك أن تتخيل، قولك إن «الحياة تستمر» يخلق لديّ شعورًا بالذنب، كيف تستمر؟ هل يجب الآن أن أتركه خلفي وأنجو بحياتي؟ هل تريد مني أن أنساه؟ أأخذ القميص وأجري؟ مجرد التفكير في ذلك يشعرني بالنذالة. هل لأنه صغير؟ لا يستطيع التحدث والتعبير عن نفسه؟
عبارة «الزمن كفيل بأن يشفي كل الجراح» قد تصبح سطحية ومؤذية لأم فقدت طفلها. كلمات مثل «عليكِ بالصبر» أو «حاولي التفكير في الأمور الإيجابية»، تحمل في طياتها فكرة أن الحزن يمكن تجاوزه ببساطة أو أن الشخص المفجوع يحتاج فقط إلى تغيير طريقة تفكيره، وهذا غير صحيح.
الحياة كما أعرفها قد انتهت بالفعل، أخبرني كيف أتعلم مهارة أن أعيش حياة لا يوجد فيها ابني. في هذا الوقت، أحتاج إلى مَن يقدر أن الفراغ الذي خلفه الفقد لا يمكن أن يطيبه سوى الفهم والصدق والصبر الطويل.
«ربنا بيحبك .. سيُشيد لكِ قصرًا في الجنة»
من حين لآخر، تزورني «ركلات الوهم» أو Phantom kicks، تلك الحركات التي كنت أشعر بها عندما كان طفلي ينمو بداخلي، ولكنني أشعر بها الآن، دون حمل أو طفل. في البداية كانت تخيفني، والآن تذكرني هذه الركلات بأنه كان هنا حقًا، كان جزءًا من هذه الحياة، وهذا أمر يخص هذه الحياة، ولا يتعلق بأي حياة أخرى.
عبارات مثل «كان ذلك قضاءً وقدر» أو «سيُدخلك الجنة» وعلى الرغم من النوايا الحسنة، غالبًا ما تفتقر إلى القدرة على الفهم والتعاطف مع الألم الذي أشعر به. الوقوف أمام هذا الحديث يضيف بعدًا جديدًا من الشعور بالذنب، لا أستطيع التوقف عن الحزن وهذا الخطاب لا يواسيني، ما يضعنا جميعًا في موقف محرج أمام القدر. بشكل عام لا أنصح بإقحام العقائد في المواساة، بل وأعتبره كسلًا. هل تريد المساعدة؟ ابذل بعض الجهد. لا تستخدم قوالب جاهزة. خُض أحاديث أصعب وأكثر تأثيرًا.
لن أحسدكن.. لا أريد سوى ابني
الخوف من الحسد يمكن أن يكون مصدر قلق بين الأمهات، خاصة في مواقف تجمع الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن مع أمهات أخريات لديهن أطفال أصحاء، هذه الديناميكية معقدة وتحمل الكثير من الأبعاد، فأنا أتفهمها تمامًا، ولكنها تُحزنني في نفس الوقت.
ومع ذلك، تأتي الدعوات للمناسبات الاجتماعية، حيث الأطفال يملأون الأجواء بضحكاتهم وصراخهم. وأجد نفسي أتردد، تغمرني مشاعر معقدة من الخوف والترقب. فمن جهة، تلك الضحكات تعيدني إلى ما كان يمكن أن يكون، ومن جهة أخرى، أخاف أن أكون مصدرًا للخوف أو أستشعر قلقًا من قِبل أمهاتهم. أخاف أن يُفسر خوفي خطأً، أن يُرى كنقص في الإيمان أو جحود بالنعم التي ما زالت في حياتي. أخشى أن تُرى أحزاني على أنها حسد لسعادة الآخرين. أدفنها. وأبسمل وأحوقل وأردد الكثير من الآيات القرآنية، خوفًا حقيقيًا على الصغار، وخوفًا من خوف الأمهات مني.
الصمت..
أما الصمت التام فهو أول شيء يفعله الجميع لمساعدتك. اعتقادًا منهم أن ذكرى فقيدك تشعرك بالمزيد من الألم.
بدايةً أنا لا أنساه، ثانيًا، وبمنتهى البساطة، أنا أحب سيرته.
أريد أن أتحدث عن ابني لأنه كان جزءًا حقيقيًا من حياتي، حتى وإن كانت مدة وجوده معي قصيرة. حتى وإن كان صغيرًا، حتى وإن لم يكن قد وُلد حيًا، حتى لو لم يولد أصلًا. كل لحظة تخيلتها معه لا أريد لها أن تُنسى. التذكر هو طريقي في محاربة الموت والإبقاء على حياته، هو طريقي لإعلان أن وجوده كان، وسيظل، له معنى. على عكس ما يعتقده الكثيرون، الحديث عن ابني ليس مصدرًا للألم. الحديث عن الأشخاص الذين فقدناهم يمكن أن يكون عزاءً. كلما تحدثت عن ابني، أشعر أننا نعترف بحقه أن يُذكر.
أضطر أحيانًا لإخفاء حزني خوفًا من أن يتملل الناس من الحديث عن الخسارة والألم المستمر. يبدو لي أن العالم لا يتحمل الحزن، فالناس يفضلون التفاؤل والقصص ذات النهايات السعيدة. تتعلم الأم أن تحمي الآخرين من وطأة حزنها، فتبتلع دموعها وتضحك حين يتوقع منها الجميع أن تكون بخير.
ومع مرور الوقت، تجد نفسها تخشى الحديث عن ابنها، الشخص الذي تود الحديث عنه أكثر من أي شيء آخر. تصبح هذه الرغبة في مشاركة سيرته ومشاعرها تجاهه بمثابة سر تخفيه خلف ابتسامات مجاملة وأحاديث عابرة.
الحديث عن زياد، حتى لو كان مؤلمًا، هو ضرورة للاعتراف بمشاعري، زياد كان هنا، كان مهمًا، لا ينبغي أن أنساه ببساطة. الشمس لن تشرق، الحياة لن تستمر هكذا، لذا، أتحدث عنه لأن في كل مرة يُذكر اسمه، أشعر بأن جزءًا من قلبي يشفى.
أدعو كل مَن يعرفون أمًا فقدت طفلها أن يتحدثوا معها عن طفلها، إلا إذا طلبت غير ذلك، أن يسألوها عنه لأن هذا الحديث يُشعرها بأن حبها لابنها مشروع، ولا يخضع لتاريخ انتهاء الصلاحية. تحدث عنه، اذكر اسمه، تخيل وجوده. فبذلك، على عكس المُتوقّع، تعزيني في مصابي.
بعد تجربتي تعلمت أن الحزن لا يمكن أن يُعالج بكلمات معسولة أو وعود بعوضٍ قد يأتي، بل بالاعتراف بأن هناك ألمًا يجب أن يُعاش ويُحترم. وفي كل يوم، أخطو خطوة نحو تحقيق ذلك، محتضنة ذكرى ابني، مستندة إلى قوة الألم نفسه. التعامل مع الألم يتطلب صبرًا لا حدود له وفهمًا عميقًا لطبيعة النفس والتجربة حتى لو لم ندخلها بأنفسنا. من خلال تجربتي، تعلمت كيف يمكن للصبر أن يكون ملاذًا، وكيف يمكن للفهم أن يحميني من اليأس. أصبحت أكثر قدرة على التعاطف مع آلام الآخرين، وأكثر استعدادًا لتقديم يد العون لمَن يحتاجها.
قد يكون للحديث بقية، وقد تكون هذه هي المرة الأخيرة. ولكني اليوم، أرسل قلبي لكل أم فقدت ابنها، أو لم تلتقِ به بعد. تشتاق إليه، وتبحث عنه، وتحزن عليه. أقول لها: أشعر بكِ، أفهمك، راسليني للحديث عن ابنك. سأكون سعيدة لمعرفته من خلالك.
***
أتأمل خصلات شعري وألاحظ كم أصبحت لامعة، حية، وسعيدة.
أُصففها..
أحاول أن أبقيها هكذا لأطول فترة ممكنة.
أنثر عليها عبيرًا ورديًا لا ينتمي إلى هذا الزمان.
أستمع إلى تعليقات المُقربين؛ شعرك طوِل بعد الحَمْل
أقول لهم: نعم، سطوة الفيتامينات والهرمونات.
وفي داخلي أبتسم
ليس لأنني سعيدة بسنتيمتر أو اثنين من الكيراتين والأحماض الأمينية.
بل لأن شعري الحالي..
بهيأته وهندامه وقوته..
هو ضيفٌ خفيف..
محض هدية..
لفتة طيبة..
تركها لي ابني قبل أن يرحل.
وسلام.
لقراءة عن «التحمل والولادة» اضغط هنا.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن