تصوير بدون كاميرا
ما أحببته من تجربة التصوير بالموبايل بجانب الجاهزية و امكانية حمله في كل وقت هي إتاحة الفرصة والمساواة الى حد كبير بين المستخدمين، فلا يجب أن تكون مصور محترف أو خبير بتقنيات التصوير المعقدة ولا بكيفية تجهيز الصور بالبرمجيات الصعبة حتى تستطيع أن تمارس الفوتوغرافيا بشكل عام ولا يجب أن تملك معدات تصوير بآلاف الجنيهات حتى تنتج أعمالاً متميزة. وبعيداً عن قاعات العرض والقيّمين الفنيين ومحرري الصورة الصحفية، تتيح وسائل العرض البديلة الحرية الكاملة للمصور في عرض أعماله الفوتوغرافية دون أي حواجز بين المصور والمشاهد, يمكنك أن تعمل منفرداً في مشاريع فنية أو قصص توثيقية أو أن تقوم بتغطية أحداث سياسية باستخدام الموبايل فقط وتقوم بنشرها في نفس وقت الحدث ودون أي شروط أو قيود تحريرية. وقد تابعت مؤخراً أحد المجلات الأجنبية المتخصصة في التصوير تعتمد بشكل كلي على الصور المنتجة بكاميرا الموبايل, وقد شاهدت أيضاً تغطية مميزة جداً للثورة الليبية من مصور صحفي شهير استخدم فيها كاميرا الموبايل فقط.
أردت في هذه المجموعة الرجوع للتجربة الأولى في بداية ممارستي للفوتوغرافيا, فوتوغرافيا الشارع والحياة اليومية في المدينة، كنت دائماً مهتم بهذا النوع من التصوير لأنه الأكثر صدقاً في توثيق الحياة داخل أي مدينة بكل ما بها من تفاصيل.
أردت ألا أحمل أياً من معدات التصوير المعقدة, أن أترك الكاميرا وكل العدسات التي أستخدمها, فقط التجول في شوارع وسط البلد بكاميرا الموبايل الخاص بي والتعامل معه كأداة تصوير كاملة. أن أركز فقط على ما يدركه بصري خلال جولاتي اليومية دون الانشغال بالإعدادات المختلفة للكاميرا الاحترافية.
أردت أن أبعد قدر المستطاع عن الأحداث السياسية في شوارع التحرير ووسط البلد، وأن أبعد عن المنظورالصحفي والتوثيقي والبحث عن ما هو غريب في الشارع، وأركز فقط على كل ماهو "عادي" بشوارع المدينة. كنت أحاول أن أعيد الرؤية لما تعودت أن أراه يومياً في شوارع وسط البلد.
تعودت أن أقوم بعمل صور في مجموعات تحت موضوع معين وأحتفظ بها حتى تكتمل في موضوع يستحق المشاهدة. تتراكم الصور وتفقد قيمتها مع الوقت وأفقد اهتمامي بهذه المواضيع حتى تنتهي دون أن يراها أحد غيري, وهو مايختلف مع طبيعة صور هذه المجموعة حيث يتيح الهاتف التقاط الصور وعمل التعديلات بها و نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي ومعرفة رد فعل المشاهد في دقائق قليلة، وهو ما يزيد من حالة الحوار بين منتج العمل الفني والمتلقي. وهو ما شجعني شخصياً على تكملة المجموعة وتطويرها حتى عرضت في إطار معرض فني معاصر حيث أخذ العمل بعداً آخراً عندما اختلفت وسيلة عرضه من شاشة الموبايل إلى قاعة العرض.
أعرف أن هناك بعض التقليل من دور و أهمية الصورة الناتجة من كاميرا الموبايل, مثلما كان التقليل من شأن الصور الرقمية عامة من سنين قليلة قبل أن يصبح التصوير الرقمي هو الاكثر انتشارا بين المصورين.
شخصياً أرى أن الصورة النهائية أهم بكثير من الوسيط أو الأداة التي أُنتجت من خلالها هذه الصورة. فالصورة الجيدة لا تحتاج أن تدعمها بالتنويه عن مواصفات أو إعدادات الكاميرا التي أُنتجت بها.

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن





















