تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الغبار
بانوراما

الغبار

Xenia Nikolskaya 4 دقيقة قراءة

من زينيا نيكولسكايا دخلنا عبر الباب الخلفي إلى ظلام دامس. كان قلبي يخفق بقوة وكنت أشعر بالخوف. ولكن ما أن أضاء القائم على المكان الأنوار حتى تجلت أمام عيني بقعة سحرية لم تمس، مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار، وبها صالة رائعة ممهدة بالرخام تعود إلى أوائل القرن العشرين. كان هذا المكان هو قصر “الجميلة النائمة”، ولكنه بدا وكأنه لا يزال مأهولا، أو كأن قاطنيه قد غادروه لتوهم. أسفل السقف الزجاجي توجد كتب وصور فوتوغرافية متناثرة. كان بأحد جانبي المكان مكتبة وحجرة استقبال، فيما كانت حجرة الطعام على الجانب الآخر. قادتنا درجات السلالم وردية اللون إلى دهليز ثم إلى غرف النوم. أما القاع فنصب فيه تمثالين لكائن الجريفن الأسطوري. بدا المكان بما فيه من رخام، وحرير، وخشب لامع، وبلور، ومرايا، ورسومات وكأنه مسرح مثلت فوقه للتو إحدى تلك المسرحيات الفريدة التي تملؤك بالفضول والشعور بالذنب، كالذي ينتابك عند قراءة رسائل شخصية تخص أحدا ما. بدا لي الآن أن اللحظة المناسبة التي كان ينبغي أن تبدأ فيها رحلتي التصويرية الاستشكافية للأماكن الخالية في مصر هي تلك التي ولجت فيها إلى “بيت سراج الدين”. ومنذ ذلك الحين، كنت قد زرت العديد من الأماكن المهجورة، وأروقة الفناء، والجمال المتلاشي. كنت في البداية أبحث في تلك الأماكن عن آثار تذكرني بأوائل فترة شبابي التي قضيتها في سان بطرسبرغ، إلا أنني وجدت نفسي أنساق شيئا فشيئا وراء القصص حول تلك الأماكن. ولدت في الاتحاد السوفييتي( وهو الأسم الذي لم يعد ذا وجود شأنه كشأن مسقط رأسي ليننجراد). ودرست الفن المصري القديم فوق شرائح سوداء وبيضاء مشققة، وعلى يد مدرس لم يسبق له الذهاب إلى مصر. وكانت زيارتي الأولى لمصر في عام 2003 ضمن بعثة أثرية لممفيس(منف) تتبع المعهد الروسي للمصريات. كانت تلك الرحلة الأولى مبهرة، فانشغلت للغاية في تصوير الآثار والحفريات لتعلم المزيد عن البلاد، وشعرت بشيء ما يربطني بها. عدت مرة ثانية إلى مصر في عام 2006 ولكن بمفردي، وبمساعدة السفارة المصرية في موسكو. كانت بمثابة المغامرة، وكما قال رولاند بارثيز” لا تصوير دون مغامرة”. وبعد عودتي إلى روسيا، كان مدير المركز الثقافي المصري في موسكو راغبا في عرض أعمالي، إلا أنه استاء شيئا فشيئا حين اطلع على الصور التي القتطتها بمكتبه، قبل أن يسألني :" أين الأهرامات"؟. أجبته :"لم أجدها مثيرة لاهتمامي فلم أصورها". كانت تلك نهاية الاجتماع، ولم يعاود ذلك المسؤول الاتصال بي. مارست التصوير الفوتوغرافي في مصر على مدار السنوات الخمس الماضية، ولكنني لم أحدد شكلا لمشروعي إلا بعد مغادرتي لها. حدث ذلك في رحلة إلى الولايات المتحدة في عام 2009، حيث التقيت في مدينة نيويورك بالمصور جيسون إسكينازي، والذي كان يعمل بشكل مؤقت كحارس في متحف العاصمة. إصطحبني جيسون إلى المتحف يوم الأثنين، وهو اليوم الذي لا يتم فيه استقبال الزوار. أعادني المبنى المهجور إلى مرحلة الطفولة والرحلات المدرسية الليلية إلى متحف هرميتاج. كان هذا اليوم قد كشف لي عن شيء آخر شعرت كأنني أراه للمرة الأولى رغم أنني قد واجهته من قبل: الخادمة و اللبن، وهي اللوحة الشهيرة للرسام جان فيرميير. كان من المستحيل الاقتراب من اللوحة في أثناء فترة الزيارات. تظهر الفتاة في اللوحة وحيدة(ويجعلها المتحف المغلق أكثر وحدة)، ولكن لا تبدو عليها ملامح الحزن. وفي الخلفية يظهر كيوبيد فوق لوح من السيراميك الأنيق مصوبا سهمه. وهنا تكتمل القصة، فالفتاة تفكر في حبيبها، وفي تلك اللحظة أدركت الموضوع الذي سيتناوله عملي: الغياب. كان ذلك هو ما ظللت أفكر فيه طوال الوقت. لذا، وما إن خرجت من بيت سراج الدين حتى حل ظلام الحاضر ثانية. ولم أكتشف القصص التي واراها الغبار إلا لاحقا. إستغرق هذا العمل خمسة أعوام، والغريب أن الصور الأخيرة التقطت في 17 يناير قبل الثورة المصرية بأيام، فيما اكتملت المجموعة النهائية في 11 فبراير، يوم تنحي الرئيس السابق مبارك. يمكن مشاهدة أعمال زينيا نيكولسكايا في "متحف" المتحف العربي للفن الحديث، والذي يستمر حتى نهاية مارس 2013 كجزء من معرض "شاي مع  نفرتيتي".  كما يمكن الحصول على كتاب "غبار" في العديد من محال بيع الكتب أو على الإنترنت.

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن