تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

٣٠ يونيو.. من ثورة إلى انقلاب

دينا الخواجة
4 دقيقة قراءة

نخطئ حين نجعل من خارطة الطريق الصادرة في الثالث من يوليو الماضي أساسا للشرعية، فهي لا تعدو أن تكون تجسيدا إجرائيا لأساس جديد للشرعية تبلور بحشود ٣٠ يونيو، ليس فقط لإزاحة حكم الإخوان، و لكن للبدء بما هو أهم: تصحيح المسار الانتقالي من مخاطر الاستحواذ السياسي الإخواني على المؤسسات الوطنية و صنع القرار.

و لنراجع معاً ما كانت أهم سمات هذا التصحيح، و ما نادى به كأساس بديل لأزمة الشرعية السياسية لحكم الاخوان؛ هذه الشرعية التي اهتزت رغم اكتسابها عن طريق صناديق الاقتراع، بعدد من الإجراءات الاستثنائية مثل الإعلانات الدستورية و الانفراد بكتابة الدستور و المساس باستقلال المؤسسة القضائية و تهديد  مهنية الإعلاميين و المثقفين. هذه الشرعية التي انبري الكثيرون لاسترجاعها سعياً لخلق مناخ موائم لبناء نظام سياسي جديد، هذه الشرعية البديلة التي قامت على ثلاث قواعد  مؤسسة: أولاً حق الأقلية في المشاركة و التعبير عن رأيها،  و ثانياً أهمية إبقاء مؤسسات الدولة بعيداً عن نفوذ فريق بعينه، و ثالثاً ضرورة التأكيد على مبدأ مدنية الدولة.

إن نظرة سريعة على مجريات الأمور منذ ٢٦ يوليو، توضح بما لا يدع مجالا للشك حدوث انقلاب تدريجي، ليس على حكم الإخوان و إنما على هذه المبادئ الثلاثة التي بلورت خطوة أكثر واقعية من مجرد إسقاط النظام القديم، حيث اشتملت -أو على الأقل ادعت اشتمالها- على المبادئ المؤسسة لنظام سياسي جديد.

فعلى مدار عام اشتكت القوى المدنية من الاقصاء المتعمد سواء في صنع السياسات أو في صياغات دستور ٢٠١٢، و كانت دعوتها للحشد مبنية أساساً على رفض اقصاء الأقلية و التأكيد على محورية التعددية كحجر زاوية لأي نظام سياسي. أين نحن من التعددية اليوم؟ أين نحن من تعريف أدوات إدارتها، ناهيك عن الإقرار بها كحق مكفول سياسياً و قانونياً و دستورياً؟

كما تدافعت الأجنحة السياسية المختلفة للنزول ضد الاخوان للاعتراض على أخونة الأجهزة سواء الأمنية أو البيروقراطية. و اتفقت الأحزاب و القوى السياسية على ضرورة إبقاء المؤسسات خارج دوائر نفوذ أي جماعة حاكمة  حتى و لو جاءت بالاقتراع. فقد مثلت تجاوزات الإخوان في انتهاك مؤسسة القضاء و اختراق المؤسسات  الحكومية الأخرى مثل وزارات التعليم و المالية و الثقافة -عبر تعيين أهل الثقة- فعلاً يمثل انتهاكاً صريحاً لضرورة حماية الهياكل الوطنية من أي انحياز. أين صرنا من هذا المطلب؟ و بالأصح متى اتفقنا على قبول التضحية بهذه الأولوية الثانية؟ إن نظرة سريعة للمناقشات الدستورية و السياسية عن نطاق صلاحيات مؤسستي الجيش و الأمن، كافيه لتذكيرنا بأننا بصدد إعاده ذات الأخطاء و ربما زياده الطين بله.

كما مثلت حشود ٣٠ يونيو اصطفافا لصالح مبدأ "مدنية الدولة". و رغم غموض المفهوم و مطاطيته و مراوغته المستمرة بين معنيين: الدولة "اللا دينية" و "اللا عسكرية"، بدا الحشد الجماهيري كضامن أساسي لإعلاء المعنيين معاً، و للتأكيد على أهميتهما القصوى كنقطة إطلاق لبناء نظام سياسي جديد. فخلع حكم مرسي لم يتم عبر بيان أصدره ضباط من الجيش و الأمن، و إنما عبر منبر مدني، بلور تحالف قوي متباينة اجتمعت في شكل أعطى مشروعية مدنية ذات دلالة كبرى لإنهاء حكم الإخوان: حيث وقف كل من شيخ الأزهر و بابا الكنيسة المرقسية و محمد البرادعي، رمز النداء للتغيير، و قادة القوى المدنية من جبهة الانقاذ و شباب تمرد معاً مع الجيش لتجسيد مبدأ مدنية الدولة، و ليس فقط استرجاعها من أيدي الإسلاميين. هنا أيضاً، لا يسع المرء إلا أن يسأل، متى نسينا هذا المطلب و لأية أسباب تم تجاهله تدريجياً لصالح مبدأ آخر و هو استرجاع محورية الدولة و ليس مدينتها؟

إن الإجراءات الأخيرة فيما يتعلق بمناقشة مسودة الدستور بعيداً عن كاميرات الإعلام و التعجيل بقانوني منع التظاهر و مكافحة الإرهاب و التبرير الفج لمبدأ ترشح عسكريين للمقعد الرئاسي، ناهيك عن إطلاق يد الأجهزة الأمنية في التنكيل بكل أشكال المعارضة، و تخوين أيه أصوات مخالفة، يعد نسفاً لاتفاق ٣٠ يونيو و أهم مساعيه. إنه نفي للتعددية و لاستقلال المؤسسات الوطنية و لمبدأ المدنية، كما إنه انقلاب ناعم ليس فقط على الإخوان، و إنما على المبادئ السياسية التي جعلت إسقاطهم مقبولاً و شرعياً وعلى ما جعل ٣٠ يونيو سيناريو بديلاً لشرعية شعبية تحفظنا من الانتهاكات و الاستحواذ.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عبد العظيم حماد

مراجعات ينايرية

«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).