وداعًا دكتورة ليلى البرادعي
رحلت عن عالمنا الدكتورة ليلى البرادعي، وما زال من الصعب تصديق رحيلها. هي لمن لا يعرفها أستاذة السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأول مصرية وعربية تحصل على جائزة الإدارة العامة الدولية في عام 2024 من الجمعية الأمريكية للإدارة العامة. أما لطُلابِها، لا يأتي التعريف من المناصب التي شغلتها والجوائز التي حصلت عليها، وإنما من الذكريات التي لا نختلف عليها وتجمعنا وإن لم نعرف بعضنا البعض.
أجد صورة من ذكرياتي معها في كل قصة كُتبت في رثائها خلال الأيام الماضية. تتبدل المواقف والأشخاص وتبقى الدكتورة ليلى في ذاكرتنا جميعا بنفس الصفاء، بابتسامتها المعهودة، وصوتها الهادئ، تُقدم الدعم، تسأل عن أخبارنا، تتابع تطورنا باهتمام، وتدفعنا لنكون نسخة أفضل من أنفسنا. عالم كامل من الطلبة والباحثين تغيرت حياتهم لأنهم التقوا بها، ليس فقط بسبب سعيها الدؤوب لتوفير فُرص ومِنح للدراسة والبحث العلمي لم تكن لتتاح لنا لولا اجتهادها وإيمانها بضرورة بناء أجيال جديدة من الباحثين في الجامعات المصرية، ولكن لأنها أيضًا قدمت لنا نموذجًا استثنائيًا من العمل الأكاديمي في السياق المصري والغربي. كرم لا محدود في الوقت المخصص لطلابها، تواضع وإيمان حقيقي بقدرات الباحثين والباحثات المصريين، دقة ومثابرة في العمل الأكاديمي، وإصرار على دفعنا لتطوير قدراتنا الأكاديمية ورفع سقف أحلامنا وطموحاتنا.
عرِفتُ دكتورة ليلى من خلال منحة «بناء الجيل القادم من الأكاديميين في الجامعات المصرية العامة»، والتي كنتُ من أبناء الجيل الثاني منها. كانت المنحة مُخصصة للمعيدين والمدرسين المساعدين في الجامعات المصرية العامة في مجالات العلوم الاجتماعية، وضم الجيل الأول والثاني من المنحة مجموعة متنوعة من الباحثين المصريين في مختلف التخصصات ومن الجامعات المصرية كافة. كانت الدكتورة ليلى، في إدارتها للمنحة، حريصة على تنمية شبكة تواصل بين أجيال المنحة؛ سمحت لنا في مرحلة مبكرة من النمو الأكاديمي أن نبني علاقات صداقة وعمل مع باحثين وباحثات من تخصصات مختلفة ومن محافظات مختلفة. لولاها لم يكن ليتوافر السياق أو المجال العام الذي يسمح بذلك. شجعتنا دائمًا على التفكير في كيفية تطوير المؤسسات العامة التي ننتمي إليها، وكانت حريصة على أن نسعى لاستكشاف العالم الواسع في رحلات إلى المؤسسات الأكاديمية والحكومية بالخارج واستكشاف رحاب أوسع في بلادنا في رحلات إلى محافظات مختلفة بالداخل.
خلال ذلك كله، نجحت ليلى في تحقيق توازن قلما يتواجد مثله في التعرف على طلابها بشكل شخصي والاستماع باهتمام لحياتهم والتحديات التي تواجههم -حتى أن عدد من طلابها أجمعوا على وصفها بأنها كانت أم ثانية في حياتهم- وبين الحفاظ على المهنية والاحترام المتبادل والعمل الجاد. واليوم بعدما حملتنا الأعوام من مقاعد الطلاب إلى صفوف الأكاديميين يبدو ما كانت تفعله أشبه بالمعجزات. استطاعت ليلى البرادعي أن تحقق معادلة شديدة الصعوبة في الموازنة بين إعطاء كل منا كامل اهتمامها ووقتها، والتفاني في الابتكار بطرق التدريس، ومواصلة النشر، بل والحصول على أعلى الجوائز في تخصصها. عطاء متفاني وطاقة متجددة وعمل متواصل بمنتهى البساطة وسعة النفس وبدعم غير محدود لكل الشباب الذين قادهم الحظ السعيد لمقابلتها.
رحيلها المفاجئ فجيعة حقيقية لكل من عرفها، جعل العالم فجأة أكثر خواءً، وأقل جمالًا واحتمالًا، وكأن طلابها مهما حملتهم أقدامهم بعيدًا كانوا مطمئنين بوجودها وعالمين أن بإمكانهم العودة دائمًا طالبين الدعم والنصح والمشورة. يصعب تصديق أن اللقاء بها لن يتجدد أو تصور الجامعة دون الدفء الحاضر بوجودها. لكن لا يسعنا إلا أن نُذكِر أنفسنا أن الوفاء الحقيقي لذكراها هو الاقتداء بالمثال الذي ضربته لنا. أن الاستمرار الحقيقي لإرثها فينا. في أن نُكمل ما بدأته من دعم الأجيال الجديدة من الطلاب والباحثين بسعة نفس وحرص دؤوب على توفير فرص لهم. وإنه ما زال على عاتقنا مسؤولية السعي نحو تطوير المؤسسات العامة، والبحث الأكاديمي الجاد في مشكلات مجتمعنا. كانت الدكتورة ليلى خير مثال على الأثر العميق الذي يمكن أن يتركه العمل الجامعي في نفوس الطلاب والحياة العامة. وداعا دكتورة ليلى، أنتِ دائمًا في قلوبنا بجميل عملك.
آراء أخرى
الغرف الورقية
«لدى البشر قدرة بارعة على تحويل أكثر الأيديولوجيات تحررًا من القوالب، إلى مجرد قالب آخر»
جلال أمين: أستاذ فن المحاضرة
«لم يكن يحتاج إلى أكثر من سبورة، وطباشير، ومعرفته وصوته المليء بالدعابة ليجذب طلابه.»
الأقباط في مناهج التاريخ المصرية (2)
«النهج المُقترح هنا يؤكّد على الاستمرارية الثقافية للشعب المصري على مر التاريخ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد