الغرف الورقية
بذلتُ قصارى جهدي لما يقارب العقد في خلق أماكن تسمح للصغار بمحاولات الانتماء. لا أدري اليوم إن كان لذلك أي طائل. صارعت بعدها لأعوامٍ عدة لاحقة إحساسًا غامرًا بالفشل. إن كنت أنا نفسي انتهيت في عزلة قامعة، فما أدراني بشأن بشر آخرين تقاطعت حيواتنا لبضعة سنوات؟
كرستُ عددًا كبيرًا من تلك السنوات للعمل مع منظمة لخدمات اللاجئين، ومنها الخدمات التعليمية والتربوية للأطفال. وبما أن عملي يختص بالتعليم البديل لمرحلة الطفولة المبكرة، فقد أسست برنامجًا كان الجزء الأكبر من أهدافه هو إقامة حضانة وفقًا لأسس التعليم البديل، تعمل عن قرب مع عائلات الأطفال. وخُصِص للحضانة جزء من مساحة المنظمة، باعتبارها امتدادًا للمدرسة الملحقة بها.
كانت المنظمة تستقبل جميع الجنسيات، ولذا تضمن البرنامج أطفالًا وعائلاتهم من خلفيات وبلاد مختلفة. وبما أن الحديث عن الانتماء، قد يظهر أن النقاش سيدور حول الانتماء القومي والسفر عبر البلاد، وتصادم الهويات القومية المختلفة لأفراد اضطروا للفرار. ولكن لم يختلف صراع الانتماء على مستوى الأفراد (وخاصة الأطفال) بشكل جذري في عملي مع هذه المنظمة عن عملي مع أماكن أخرى تستقبل في الأغلب خلفية قومية واحدة.
كل برامج الأطفال التي أسستها تميزت بظاهرة متكررة، ولا يُستثنى منها عملي بالمنظمة الذي كان أول عهدي بهذه الظاهرة: يأتيني عدد من الأطفال ممن تم رفضهم أو طردهم من حضانات أخرى، بحجة صعوبة التعامل معهم. لم أكن على دراية في بداية عملي بسلطة الحضانات في قدرتها على رفض وفصل الأطفال حسب معاييرها، وفكرة «امتحان القبول» كانت بالنسبة لي دربًا من دروب الجنون. وارتعت عندما اقتُرح عليّ -عند بدء عملي في المنظمة- أن أُفَعِّل نظام التصفية ذلك، وفوجئت باستخدامهم امتحان القبول في مدرستهم لمرحلة أولى ابتدائي. نجاح الطفل في هذا الامتحان لم يكن يضع في الاعتبار إلا التمكن من حل أسئلة عن الحروف والأرقام بطرق شديدة التجريد، مما يستبعد كل الأطفال الذين لا تمكنهم ظروفهم أو ظروف عائلاتهم من تحقيق ذلك النوع من التحصيل الأكاديمي المتسق (بقدر اختلافي مع الأساليب التقليدية لتحقيقه).
أستطيع تفهم ذلك من سوق الحضانات أو المدارس الهادف للربح، حيث الهدف هو السمعة والكسب، فلهم دينهم ولي دين. ولكن لم أتمكن من فهم وجود مثل هذا الشيء في منظمة تعمل مع فئة ديموغرافية تتصف عامة بقدر هائل من المصاعب والمعوقات والضغوط، مما يؤثر في معظم الأحيان على النمو المتزن لمراكز المخ التي من شأنها تمهيد التحصيل الأكاديمي، وهو أمر معروف لأي مربي. فماذا تفعله منظمة غير هادفة للربح باختيار «النخبة»؟
رفضت المقترح كليةً.
فقدت أم الصبي زوجها في حرب الميليشيات، وهربت بطفليها إلى القاهرة، حيث استدرجها رجل كعاملة نظافة، وانتهى الأمر باستعبادها وحبسها في بيته سنتين وتهديدها بطفليها. سنتان كبر الصبي فيهما دون أي اتصال بالعالم. وبعد هروبها، منعها اكتئابها الناتج عن كل هذه الصدمات من التواصل مع مجتمعها في القاهرة، الذي دومًا ما يقدم المساعدات والدعم لأفراده. وأخبرتني بعد فترة من حضور ابنها في البرنامج أنها كانت أيضًا تخجل منه ومن سلوكياته، ولم ترد التعرض للنقد من أهل بلدها، لذا امتنعت عن الاحتكاك بهم.
لم يُقبل الصبي لكبر سنه (ست سنوات) في أي حضانة، ولم تقبله أي مدرسة لتدهور حالته. حاول تقمص دور الأب الحامي، وكلما فشل في تحقيق ذلك، كلما زاد غضبه وعنفه. ومع كل فورة غضب يزداد قنوط الأم. تبكي ويخبرها أنه سيكبر بسرعة ويذهب للعمل و«يصرف عليها»، ويجران أذيال الخيبة بعد كل رفض. تَقطُر عزلة الأم على طفلها، «تحسي إنه راجل عجوز». وكانت على حق.
في أول زيارة منزلية لي لهم لتسجيل الطفلين في البرنامج، استشعرت ثقل الوحدة على كاهل الصبي وهو يحاول كتابة حروف في كراسة بجانبي ليكسبني في صفه كـ«ممثلة» عن تلك المؤسسة التي تحكم عليه بإرضائها إن أراد القبول المجتمعي. رمقني بنظرة يختلط بها الأمل القلوق في فرصة إثبات «صلاحيته» لأمه، وغضب مكبوت بافتراض الرفض. كانوا يسكنون في غرفة بدت وكأنها صُنعت من ورق على سطح مبنى أكدت لي الأم أنها لا تعرف أحدًا من ساكنيه، ولا يلقي أي منهم السلام حتى إن تقاطعت سبلهم على السلم الضيق. نزلتُ بعد الزيارة، وبدى وكأن السلم لا ينتهي، وفي كل خطوة ازدادت عزلة الغرفة وساكنيها في ذهني.
تلوَّت شَفَتا الصبي برهة وتقافز في مكانه ثم نعت زميله الأصغر سنًا، الفتوة وخصمه اللدود، بـ«الكلب». منعت نفسي من ابتسامة احتفالية وأنا أقف على مقربة منهما، كنتُ على أهبة الاستعداد للتدخل إذا خرج الموقف عن السيطرة. نظر الصبي الكبير إليَّ وفهم أحدنا الآخر الإشارة، فسحب جاروف الزراعة الصغير وكيسًا وخرج مسرعًا للحديقة. لم يتهرب الفتوة الصغير مني متباهيًا بنصره في إثارة حفيظة الآخر كالعادة، بل وقف مذهولًا. الحقيقة أن المكان كله عمه الصمت لهذا الحدث الجلل. وبعد نصف ساعة، عاد الصبي بكيس ملآن بأوراق الشجر الجافة للسماد وجاروف اِستُخدِم لأقصى حد. وسجلت هذه اللحظة تغييرًا شاملًا لهذا الطفل وديناميكيات علاقته بالآخرين.
قبل هذه الواقعة، كانت المواجهة بين هذين الطفلين حدثًا يوميًا متكررًا، ولكن بتداعيات مختلفة تمامًا. فقبل بضعة أسابيع، لكان موقف مثل ذلك تدَهوَر بسرعة شديدة نحو فوضى من العنف، ولكنت أمنع أحدهم من ضرب الآخر بكرسي أو عصا أو غيره، وأحمل الولد الأكبر خارجًا وهو يركل ويسب بأقذع الألفاظ (لذا كانت سبة «الكلب» هي درجة من التحكم في الذات لم أتوقعها بتاتًا)، ولكان رمقني كالعادة زملائي في المنظمة العابرين بنظرات استهجان عن وجود مثل «هذه الحالة» وسط الأطفال الآخرين. بل وأن في مرة من المرات، أخبرتني أم لطفل آخر أنها ستسحب ابنها من المكان إذا ظل هذان الولدان فيه، وأنها ستقنع الأمهات الأخريات بنفس الشيء، وأخبرتها حينها أنه يمكن للجميع أن يرحلوا إلا هذين الولدين. ولأنها أم، ولأنها تعلم حق العلم محدودية السبل لهما كأطفال لاجئين، فهمت قصدي ورجعت عن تهديدها.
وبينما إن حكيت هذا الموقف لأي شخص، لظن أن القصد الوحيد هو أن الطفل تمكن من السيطرة على غضبه إلى حد ما، واستطاع التنفيس عنه في صورة أكثر «تحضرًا»، وهي اختياره لنشاطه المفضل الذي يبعث فيه الهدوء. ولكن تغير علاقات الأطفال به بعد الحادثة، حتى وإن فقد أعصابه في لحظات كثر، أظهر لي بوضوح التحول الأهم: أصبح جزءًا من الجماعة. ما رأيته هو أن محاولته للتحكم في غضبه أثبتت للجميع عمق رغبته في التقبل، ومس ذلك الكل، بمن فيهم خصمه الصغير، والذي إن لم يتوقف عن مشاكسته، لكنه لم يرضَ له منذ هذه اللحظة أن يقع مجددًا في فخ الانهيار التام، وتَمَكَّن الجميع من مساعدته على تخطي أزمته بشكل كبير بعد ذلك بعدة أشهر، وأصبح الأخ الأكبر لهم، ورفيق الفرح واللعب لأول مرة. وشعرت أن جملتي المتكررة هو «بيحاول» التي ألقيها على الطرف المعتدى عليه أصبحت أخيرًا ذات معنى بيّن لهم.
لا أدري إن كان تفسيري هذا إسقاطًا مني على تحول لا أعلم حيثياته. لكن، لا ينفي ذلك أن هذا التحول هو الأشد وضوحًا والأكثر حدة بالمقارنة مع عدة مواقف أخرى ظهر فيها نفس التحول ولكن بالتدريج. والقصد من التحول ليس فقط في صورته الوردية أن «كل شيء أصبح على ما يرام»، بل على العكس. فالانتماء المكتسب هو عملية شرسة تتطلب اشتباكات ومناورات وتنازلات من طرفي المواجهة قد تستمر إلى الأبد، ولكن في النهاية يقع كل ذلك في دائرة التقبل. ففي أي نظام بيئي غير راكد، تحمي الجماعة نفسها من التداعي، بينما تستقبل العضو الجديد. ويحمي الفرد نفسه من خسارة فرديته، بينما يتشكل ليناسب الجماعة. وبذلك تتحول الصراعات، من كونها محاولة لطرد الفرد، إلى كونها الدافع الطبيعي نحو الوصول إلى هذا الاتزان الحيوي بين الفرد والجماعة. فهل كان هذا التحول نموذجًا مصغرًا من بدء هذه العملية؟ هكذا رأيتُ هذا الموقف حينها، وسعدتُ بشدة لتلك الخطوة التي خطاها الصبي إلى داخل مجتمعنا الصغير.
وعلى ناحية الأم، بذلتُ ما أستطيع في إيجاد فرص لها للاختلاط بمجتمعها، بعد تأكدي من رغبتها الدفينة في ذلك، وإن منعتها حالتها النفسية. وكنت أتصيد المناسبات وأتابع حضورها وأستمع لحكاياتها، وأفتعل «اجتماعات أهالي» لتتاح لها فرصة التواصل مع مجتمع طفليها في المنظمة.
بعد عامين، كان يُرى الطفل في المدرسة الملحقة بالمنظمة ويستغيث به الصغار في خلافاتهم، وهو يلقي بنظرة راعية على الأنحاء في وقت الراحة، حيث يجتمعون في ساحة واسعة. كان لم يزل يتملكه الإحساس بالمسؤولية تجاه الأضعف، ولكنه استعاد شيئًا من طفولته. متعرقلًا بعض الشيء في تحصيله الدراسي، ولكن أثبت للجميع أن ذلك لا ينفي عنه كل الأوجه الأخرى من كيانه.
لا أدعي أبدًا أن ذلك نتج عن عملي معه بشكل مباشر، ولكن من المؤكد أن فرصة التواجد في مكان غير أحادي النظرة أو القيمة أتاحت له المساحة للتخبط اللازم لإيجاد السبيل إلى الانتماء. حيث لا تُقارَن النُهُج التي أتبعها بفصول التعليم التقليدي وامتحانات القبول، التي لا سبيل فيها إلا السبيل الوحيد: التحصيل الدراسي. وبزحف تلك القيمة الأحادية في حياة الأطفال إلى أوقاتهم خارج أسوار المدرسة، تقل فرصهم أكثر وأكثر في إيجاد سبل أخرى للانتماء.
ولفهم القصد من الأماكن أحادية القيمة وتلك المتعددة، يمكن إعادة النظر في منظومة الحضانة عن كونها مجرد مساحة تقدم خدمة التربية والتعليم، إلى اعتبارها نموذج للأنظمة الجمعية المتخصصة والمرسومة التي يقيمها البشر. تمثل هذه الأنظمة المرسومة صورة مبتذلة من الأنظمة البشرية العضوية؛ سواء كانت قيمها المختارة تقوم على ركيزة واحدة أو ألف ركيزة. فنحن، كبشر، غير قادرين على محاكاة قدر التعقيد الكامن بطبيعة الحال في الأنظمة العضوية التي تتطور وتتشكل عبر أجيال من جماعة من البشر يتفاعلون مع بيئتهم المحيطة. وفي خضم هذا التفاعل، يتكوَّن نظامًا اجتماعيًا ديناميكيًا يحمل كمًا هائلًا متراكمًا ومتشابكًا من العوامل المؤثرة فيه.
وعلى نقيض الأنظمة العضوية، ترغب الأنظمة الجمعية المرسومة في التحكم في المعطيات، وتفرض وسائل لقياس النتائج عن كل المدخلات المخطط لها، متسببة في عزل مفتعل للنتائج عن الواقع (شديد التعقيد). وبالتبعية، يُعزل الأفراد المشاركون في هذه النظم، حيث يُترَكون لإيجاد المعنى لهذه النتائج في معيشتهم خارج نطاق النظام. وقد تكون تلك النتائج المرغوبة هي مجرد «التحصيل الدراسي»، أو سلسلة طويلة من المهارات مثل التنظيم الشعوري والتفاعل الاجتماعي والاتزان الحركي والمهارات الذهنية، وما إلى ذلك.
ففي النهاية، ورغم شراسة امتحانات القبول الاجتماعية في الأنظمة العضوية، التي يحدد فيها المجتمع من هو منه ومن لا يليق به، تظل فيها المسارات والاختيارات متعددة، ويمكن للإنسان التحايل والمراوغة والتأقلم لإثبات ذاته. ولذلك، ورغم محاولاتي لإضافة أبعاد وقيم متنوعة في الأماكن التي أعمل بها، فأنا على وعي كامل أني في النهاية لا أقدر على محاكاة النظم العضوية، ومصير برامجي أن تتسبب في عزلة بعض الأطفال لعدم توافقهم مع القيم والأبعاد المحدودة التي أوفرها.
رأيتُ الصبي وهو يُظهر علامات الاستقرار والتأقلم في أثناء لعب الكرة مع أصدقائه بكل شغف، ورأيتُ الأم تجلس مع صديقتها تروي لها مفارقات وظيفتها الجديدة وهي تضحك. ولكن يظل السؤال، ماذا يفعل كل منا عندما نأوي إلى غرفنا الورقية على أطراف العالم؟ هل يكفي إلقاء التحية على الجيران في ملء الفراغ وإيجاد المعنى، أم تسقط كفة التنازلات والأقنعة مودية بأي عائد حسن؟ هل نفقد أنفسنا في محاولات التقارب وجسر هوة العزلة، وينتهي بنا الأمر في عزلة أبشع عن أنفسنا؟ أم نرضى بالسياق الذي من شأنه أن يدفعنا للاستمرارية في تفاصيل المعيشة.
في عملي في آخر عام لي في المنظمة، أسست مشروعًا يعمل مع عائلات اللاجئين في أحياء القاهرة على تحديد مواقع القوة لمجتمعاتهم السكنية والتخطيط معهم على استخدامها لخلق مساحات آمنة لرعاية الأطفال بما يرونه الأمثل.
عادةً ما يقيم مجتمع ما من اللاجئين، في حي سكني ما، مراكز تسمى «منظمات مجتمعية». وقد تكون عبارة عن شقة سكنية يتشارك أفراد المجتمع في تأجيرها ليجتمعوا بها، أو مركزًا متكاملًا متعدد الغرف والاستخدامات. وعادة ما تتواصل منظمات خدمات اللاجئين مع تلك المراكز لتوفير الدعم لها. فتلك المراكز تلعب دورًا محوريًا في التواصل عن قرب مع أفراد وعائلات مجتمعاتها. وبينما قد تقدم هذه المراكز عددًا لا بأس به من الخدمات، لكن تظل خدمات التعليم والرعاية للطفولة المبكرة نادرة. ونظرًا للظروف المادية، فعادةً ما تلجأ العائلات إما لحضانات محلية رديئة الجودة على أقل تقدير -إن لم تكن بؤر إساءة على مستويات خطيرة- أو تدرج أسماء أطفالها في قوائم انتظار طويلة للمنظمات القليلة التي تقدم خدمة الحضانة.
اعتمد المشروع الذي أسسته على إجراء العديد من المقابلات والمحاورات، والاستبيانات والتحليلات ومناقشة الاستنتاجات مع العائلات. وتضمن كذلك مناورات لغوية عدة لإيجاد أرض مشتركة للحديث، وذلك لتقويض الكلمات المفتاحية الرنانة التي توارثتها من مجال عملي، وإعادة بنائها مع العائلات للوصول إلى معانيها على أرض واقعهم.
نتج عن هذه العملية كتيب إرشادات للمشروع مُكَوَّن من شبكة معقدة من الاحتمالات، التي تعتمد إلى حد كبير على نتائج المناقشات، ولم يناسب المنظمة التي كنت أعمل بها؛ فما كنت أراه كمرونة واجبة لضمان استدامة البرامج التي سيقيمها مجتمع ما من العائلات، رأته المنظمة غير صالح للتنفيذ المؤسسي من خلالها بفاعلية. وفي نهاية العام تم تحويله إلى «مساعدة المجتمعات السكنية على تأسيس حضانات من خلال التدريب والمتابعة»، وهو ما يكاد أن يكون العكس الصريح لهدفي الرئيسي، والذي كان الخروج من نمط الحضانات باعتبارها الوسيلة الأوحد لتوفير الرعاية للأطفال اللاجئين. وذلك لأن الحضانات تتطلب، في معظم الأحيان، انتظار مساعدات خارجية لتأسيسها، وانصياع الأفراد المخطط لهم العمل بها لتدريبات المنظمات للمدرسين، ثم يُترَك المدرسون لتأويل النهج حسب فهمهم للمبادئ «الكونية» في التربية والتعليم للطفولة المبكرة. وعادةً لا تلتفت الصيغة المتداولة لتلك التدريبات لخصوصية كل مجتمع من العائلات. ولأن موازين القوة ترجح كفة المدربين الدخلاء كـ«متخصصين أدرى وأكثر إلمامًا باحتياجات النمو»، تصبح النتيجة هي وضع أساليب التربية المتوارثة وخصوصية كل مجتمع واحتياجاته في محل ثانوي في ذهن الأفراد المُدرَّبين.
ورغم فشلي في تحقيق مرادي في تثبيت المشروع كما ارتأيته كجزء من برامج المنظمة قبل رحيلي، إلا أن عملي خلال هذا العام لفت انتباهي إلى الحجم المهول لنظم العائلات والتأثير المتبادل بينها وبين الأفراد والمجتمعات من ناحية، والمعاني شديدة التباين لمفهوم الانتماء من ناحية أخرى.
كانت المعلومات التي كنت أحاول استنباطها من المناقشات والاستبيانات تدور حول العلاقات بين أفراد العائلة ووسائلهم للتعامل مع الظروف، وقدرتهم على التأقلم كأفراد ذوي شخصيات مختلفة، ولكن مقدر لهم الاشتباك مع تلك الظروف كوحدة واحدة في أحيان كثيرة، نظرًا لنوعية الضغوط المتكررة التي يواجهونها كطالبي لجوء. وخُصِّص جزء كبير من المناقشات لفهم رؤيتهم للموارد الاجتماعية، إما المتوفرة لهم أو تلك التي يوفرونها لأفراد وعائلات مجتمعهم، أو حتى مجرد يقينهم بوجودها أو عدمه. ومن خلال تلك المدخلات يمكن فهم الانتماء في العائلات على مستويات عدة: الانتماء الروحي في المعتقدات والإيمان بالتكاتف والصبر على البلاء، والانتماء لأفراد العائلة على مستوى الأحداث والاحتياجات اليومية وما تتطلبه من شفافية التواصل والمرونة والمشاركة، والانتماء لمجتمع العائلات المحيط والأصدقاء.
اختلفت النتائج من كل مجموعة عائلات لأخرى. كان ارتفاع مستوى الإحساس بالانتماء على أي من المستويات الثلاث في أغلب عائلات المجموعة هو مؤشر قوي لقدرة المجموعة الجمعية على المشاركة الفاعلة في إيجاد نموذج رعاية الأطفال الأكثر تناسبًا مع مواردها واحتياجاتها وتنفيذه في مجتمعها السكني. والعكس صحيح، ففي حالة انخفاض مستوى الإحساس بالانتماء على المستوى الجمعي، كنت أرى المشاركين يتبعثرون ويتلاشون من الصورة واحدًا تلو الآخر حتى من قبل أن أنتهي من تحليلاتي لاستبياناتهم.
ويجدر هنا ذكر بعض المتغيرات التي أثرت بشدة في نتائج بعض الاستبيانات، مثل قدرة دخل العائلة على تغطية الاحتياجات الأساسية لأفرادها، والتعرض المتكرر للصدمات، وحدة تأثيرها على عدد من أفراد العائلة. فحتى إن توفرت كل العناصر التي تؤمن عائلة ما بأهميتها في إحساس أفرادها بالأمان والانتماء، يمكن لتلك المتغيرات قلب الموازين. أعتقد أنه في النهاية يوجد خط فاصل لكل عائلة يصبح السؤال من بعده هو «وما الفائدة؟». القنوط هو بالفعل أكبر أعداء الانتماء. فالانتماء هو ما يدفع الإنسان للمثابرة، ويضيف معنى وسياقًا أوسع للأفعال والمبادرات وتفاصيل الأيام اللانهائية.
وأُضيفَ إلى تلك المتغيرات متغير آخر لم أنتبه لوجوده في بداية عملي في هذا المشروع، ولكن ظهر بقوة وبسرعة فور أن بدأتُ في تنفيذ المشروع، وهو الصراع الأكبر بين التوقعات والواقع. إذا كان من المتوقع من القدَر أن يقف في صفنا أحيانًا، ولكن لا يكل الظلم في إرسال ضربة بعد أخرى، فما الفائدة؟ إذا كنت أنتظر من عائلتي تقبلي في لحظات الضعف، ولم أجد سندًا، فما الفائدة؟ إذا شعرت أن جيراني يمكن لهم رعاية طفلي المريض، بينما أضطر للذهاب إلى العمل، ولكن أقابل بالرفض مرة بعد أخرى، فما الفائدة؟
لذا تباينت النتائج بشدة بين من يحملون التوقعات ولا يتفق معهم الواقع، ومن لا يؤمنون بوجود الملاذ في المقام الأول. وقد تتحول تلك السلبية (أو الواقعية) إلى نقطة قوة، وسيلة للحفاظ على النفس من الرفض. فالرغبة في الانتماء هي في النهاية غريزة من غرائز البقاء، ومن الناحية البيولوجية تستجيب أجسادنا للفظ أو العزلة (غير المتوقعة) مثلما تستجيب لخطر الفناء.
كان أكبر اختبار مهني لي في عملي هذا، هو احتياجي للتراجع خطوات عدة للتركيز على الصورة الأكبر، وعدم الانجراف التام في تفاصيل الأفراد واحتياجاتهم، والذي كان لكل السنوات السابقة هو الجزء الأكبر من عملي. كل طفل لذاته، كل عائلة وظروفها الخاصة. وعلى الرغم من ذلك، ظلت المقارنات تدور في عقلي في الخلفية. قابلتُ عددًا من الأفراد الذين لم يجدوا مكانًا لهم في طيف القوالب التي توفرها عائلة أو مجتمع أو عقيدة ما للتعبير الفردي داخل حدود الهوية الجمعية. وأضاف ذلك مستوى جديدًا لفهمي للانتماء، ومتغيرًا فشلت في تعريفه، ذلك المتغير الذي هو معني بخصوصية تجربة الفرد، ولا يمكن حصره في ظروف أو عناصر أو مستويات مثل تلك التي ذكرتها. فقد لا تتفق حقيقة شعور فرد ما مع افتراض المحيطين له باكتمال الشروط التي قد تبدو وكأنها حتمًا ستحقق إحساسًا بانتماء الفرد لجماعته. ورأيتُ أن عادةً ما يعاني هؤلاء الأفراد من الحكم المتسرع بلوم عزلتهم عليهم، ووضع المسؤولية على عاتقهم كلية في تحرير أنفسهم من العزلة، دون الإنصات لما قد تكون شروطًا شديدة الخصوصية، ولكن لا يستحيل تحقيقها في علاقات هذا الفرد بمجتمعه المباشر، دون الاحتياج لرؤيته ككائن معلول يتوجب علاجه.
قد تساعد التدخلات المطلعة على النطاق الأوسع، والتي تتعامل على مستوى الجماعات، في تحقيق شيئًا من تحسين الأوضاع والذي يخلق سياقًا أكثر أمانًا للأفراد لكي يسعوا دون معوقات إضافية في محاولات الانتماء، فيكفيهم ضراوة العملية في حد ذاتها. ولكن يظل الأفراد الساكنون على أطراف عوالمهم -تحت خطر الطرد الدائم- في احتياج لمقاربات أكثر خصوصية تستطيع عدستها رؤيتهم. ولست أقصد هنا الطرد بسبب التفرقة أو الظلم الممنهج والمؤسسي، فقد يعني ذلك افتراض أن بغياب أو انحلال ذلك النوع من القمع الجمعي، يمكن ضمان الإحساس بالانتماء للأفراد. ولا أعتقد أن هناك ارتباطًا حصريًا بين الشيئين. ومن تجربتي الشخصية، أجد أن على تلك المقاربات أن تتنحى عن التوجهات «التصحيحية» أو «العلاجية» كالمنفذ الرئيسي للتعامل مع نتائج عزلة أفرادها، أو عزلتهم الوشيكة، لأن من شأن استخدام تلك التوجهات، كحل أوحد، عزل هؤلاء الأفراد أكثر.
وليس قصدي هنا بالجماعات التصور المعاصر لمجتمعات من الملايين أو حتى عشرات الآلاف، حيث تلعب السياسات والقوانين والتحركات على مستوى البلدان الدور الأكبر في التأثير على أفرادها، فلست على دراية كافية بآليات الانتماء على هذا المستوى، وإن كان للصراعات والقضايا المطروحة فيها دور محوري في سلامة أفرادها أو عدمها. ولكن لكي تنجح التدخلات على هذا المستوى الواسع في مساعيها، فعلى الأفراد أن يتحولوا -في نظرها- إلى رمز مكون من قائمة من الحقوق والاحتياجات، ويتعامل مع كل من مكونات تلك القائمة كيان مؤسسي أو معرفي منفصل. وعلى الأفراد الحقيقيين، الذين يمثلهم هذا الرمز، الاستفادة من تلك المساعي في تفاصيل معيشتهم التي لا يدري بها من يقومون بتلك التدخلات. والمقصود بالفرد الحقيقي هنا هو النظام المعقد الذي هو تجلي علاقات وتراكمات وأحداث شديدة الفردية لا يمكن استنساخها أو محاكاتها أو اختزالها.
ما أقصده هنا بالجماعات هو على مستوى أصغر بكثير بما يكفي لكسر حائط تلك الرمزية مع أفرادها. الجماعات التي تقدر، إن رضيت، على رؤية أفرادها الحقيقيين. وتصبح الأزمة هي انتقال تلك الرمزية من المستوى الأكبر لهذا المستوى في علاقات أفراد الجماعة الواحدة ببعضهم، وتفكيك الفرد إلى مجموعة من الأجزاء، دون الالتفات إلى ما يتم استئصاله (بشكل شديد الدموية) من كُليَّته. فما شأني وأنا أتعامل مع عشرين طفلًا وعائلة على الأكثر أن أستكفي بمفاهيم واسعة ومبهمة مثل «توفير تعليم جيد وشامل ومنصف» أو غيره، بينما ألجأ لمنظومة أخرى للتعامل مع الأطفال ممن يواجهون الصعوبات في هذا التعليم الجيد والشامل والمنصف في رأي المقيمين عليه، وأحيل الأهالي لمنظومة ثالثة للتعامل مع أطفالهم الذين يعانون الصعوبات، فننتزعهم من سياقهم الأكبر ويتحولون إلى رموز أفراد معزولين في مهب الريح، وتصبح صعوباتهم هي الممثل الأول لهم، وهم تحت رحمة الإجراءات التصحيحية؟
وبينما يقع ذلك المثال عن الأسئلة التي تدور في ذهني في نطاق شديد الضيق وفي نظام اجتماعي مفتعل كما ذكرت سابقًا، إلا أني أعتقد أن ذلك النوع من القيم المبهمة ورمزيتها تتسرب بشدة في علاقات أفراد الجماعات، ولا أعلم كيفية تخطي ذلك، بينما أُسست مجتمعاتنا على التخصص والتقسيم المفرط لأوجه حيواتنا.
وحتى في أكثر الدوائر الاجتماعية تفتحًا، رأيتُ ذلك النوع من التسرع في الحكم بالنبذ. ففي النهاية، لدى البشر قدرة بارعة على تحويل أكثر الأيديولوجيات تحررًا من القوالب، إلى مجرد قالب آخر، وتباعًا إلى أداة أخرى لفرض العزلة.
ومثال قوي على ذلك من مجال عملي هو توجهات التعليم البديل، التي تتباهى بقيمة مبهمة مثل «الحرية للطفل» حتى يُظهر لنا «شخصيته الفردية الدفينة». وما لم تضعه تلك التوجهات في الاعتبار أنه يمكن للأفراد القائمين على هذا التعليم أن يجعلوا من توقعاتهم وأفكارهم المسبقة عن ماهية خصائص تلك الشخصية الرمزية «الدفينة» التي «تُزهِر» لنا، الخصم الأكبر للقيمة التي يسعون إليها. وتتأتي تلك التوقعات من تجاربهم وخلفياتهم الشخصية، وما يفرضه السرد المهيمن عن نظريات النمو. وتكفي نظرة إحباط أو استنكار واحدة لكسر همة طفل يكافح في فهم كل تلك الفوضى من حوله ويحاول أن يجد مكانًا آمنًا له.
يمكننا تفهم ذلك من المؤسسات التعليمية، حيث في النهاية هي في معظمها مؤسسات وظيفية، ولا يجب وضع الكثير من التوقعات أو الضغط على من يسعون إلى در دخولهم لتكريس ذلك النوع من النضال المعنوي والفكري والعملي. ولكن ما أراه مرة بعد أخرى، هي تلك القيم الواسعة المبهمة وهي تقطع الخيوط واحدًا تلو الآخر بين راعٍ وطفله، في عائلة أو كيان اجتماعي من عدد محدود من الأفراد، تربطهم العديد من السياقات والأحداث. وقد قابلت في حياتي جماعات «تقليدية» أكثر تقبلًا ورعايةً لأفرادها من جماعات أخرى تدَّعي التقدمية، ولكن تتخبط في محاولة هستيرية لحماية قيمها دون الالتفات لخصوصية أفرادها.
هل لديّ إجابات واضحة عن كيفية تحقيق نوعًا من الرصانة الجمعية لا تطعن أفراد جماعتها لخطر تتوهمه يهدد بتقويضها؟ قطعًا لا. يمكن توفير مساحات آمنة للأطفال كما ذكرت سابقًا، يقوم عليها أشخاص ذوو وعي قوي بتحيزاتهم وميولهم، وذلك لكي يحموا الأطفال من إسقاطاتهم، ولا أدري حتى إن كان ذلك كافيًا. ولكن ما السبيل لشيء مماثل للبالغين؟ لعل المجتمعات تصل إلى حد الذروة في عزلة أفرادها، وينبثق من الضائقة وعي جماعي جديد يجيب على السؤال «وما الفائدة؟»
آراء أخرى
بين التقويم والانتقام
«يقع الحمل على الطفل في إعادة بناء تاريخ البشرية في عقله»
من آبائنا إلى أبنائنا.. كيف نربّي ونتربَّى؟
«هل أسعى للانخراط في الجماعة؟ هل ولّى زمن التمرد؟»
أطفال وحوامل في مواجهة الحبس الاحتياطي
«لكي لا تصبح مصالح الأطفال والسيدات الحوامل في دائرة النسيان والتجاهل جراء اتهامات لم تثبت بعد»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد