تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مصطفى البنك أو «ذا وولف أوف إدفو»

محمد رمضان
8 دقيقة قراءة
مصطفى البنك أو «ذا وولف أوف إدفو»
مصطفى البنك المعروف بالمستريح وبيرني مادوف المُلقب بذئب وول ستريت

في أبريل من العام الماضي، توفي بيرني مادوف داخل سجنه بعد أن حكمت عليه محكمة فيدرالية أمريكية بـ150 عامًا. قُبض على مادوف في 2008 وحوكم على عدد من التهم منها الاحتيال المالي. يلقب البعض مادوف بأكبر محتال عبر التاريخ. نجح الرجل عبر مسيرة طويلة وحافلة بالإنجازات والأموال في أروقة وول ستريت امتدت لـ30 عامًا أن يصبح صاحب أطول وأكبر عملية احتيال مالي حين نجح الرجل ذو الأصول اليهودية في تنظيم أكبر «مخطط بونزي» PONZI Scheme عبر التاريخ شمل ما يقرب من 65 مليار دولار.  مخطط بونزي هو ببساطة أن تأخذ أموال «س»  لتدفع لـ «ص» عوائد أمواله وهكذا حتي ينهار المخطط بالكامل، ويدفع «س» و«ص» الثمن بينما تحقق الربح من خلال اقتطاع نسب بسيطة جدًا من الأرباح لنفسك.

كان مادوف ضمن نخبة حصرية من كبار رجال المال في وول ستريت عمل كرئيس تنفيذي لبورصة «ناسداك» في نيويورك، وهي البورصة الأضخم في العالم لأسهم التكنولوجيا، قبل أن يستقيل منها ليؤسس صندوق تحوط  شهير في وول ستريت شملت قائمة مستثمريه كثير من المؤسسات المالية الكبرى وكثير من مشاهير هوليوود والكثير من الأناس العاديين الذين وثقوا في الأرباح السنوية المرتفعة التي كان يعطيها لهم مادوف، بغض النظر عن حالة السوق. كان الرجل يعطي ما متوسطه 18٪ سنويًا للمستثمرين، في ظل أن المعدل الطبيعي للبورصة الأمريكية كان في حدود 8٪ وأسعار الفائدة طوال العقدين الماضيين في الولايات المتحدة كانت أقل من 5٪ سنويًا. بدأت التحذيرات من مادوف تظهر في بداية  2000 من قِبل بعض الأشخاص في وول ستريت الذين تقدموا بشكاوى رسمية للجنة الأوراق المالية الأمريكية والتي من المنوط بها الرقابة على البورصات الأمريكية، لكن لا أحد قرر أن يفحص بشكل جدي تلك الادعاءات حتى 2008 مع الأزمة المالية العالمية.

قصة مادوف كانت قصة كلاسيكية تتكرر كثيرًا في وول ستريت، لكن ليس بهذا القدر من الأموال والاحترافية، وكما تقول وول ستريت على لسان جوردن جيكو، الذئب الأسطوري لها في الفيلم الشهير «وول ستريت»،  (greed is good , greed is right, greed works)  بمعنى ما الطمع -أو بالتعبير المخفف للأدبيات الاقتصادية السعي الدائم للأرباح- هو شيء جيد للاقتصاد، وهو ما يدفع الأمور للأمام دائمًا، ذلك هو جوهر الرأسمالية الحالية والتي تروج دائمًا أن سعي الشخص للربح من المفترض أن تعم بسببه فائدة المجتمع ككل.

هؤلاء «المستريحون» لدينا من أمثال مصطفى البنك وتجار الماشية ليسوا بالطبع كبيرني مادوف أو جوردن جيكو أو غيرهما من رجال المال في وول ستريت. بل المستريحون أقل احترافية ويستغلون بالفعل جهل الكثيرين، ولكن حتى أكثر العقول عبقرية في وول ستريت وقعت ضحية لمخططات بونزي.

يمكن النظر للاحتيال في الرأسمالية المالية التي نعيش في ظلالها اليوم على أنه ظاهرة طبيعية جدًا في الاقتصاد، تقدر أحد الدراسات البحثية في 2019 أن  الاحتيال في المؤسسات المالية والاقتصادية في العالم يكلف الاقتصاد العالمي حوالي خمسة تريليون دولار سنويًا. يتراوح ذلك من الاحتيال المباشر والتقارير المحاسبية غير الصحيحة وحتى ممارسات التهرب الضريبي. ويقع ضحايا لذلك الاحتيال كل سكان العالم تقريبًا بطريقة غير مباشرة لأن ممارسات التهرب الضريبي تؤثر على الشعوب، وقدرة الحكومات على الإنفاق على الخدمات العامة، وتحديدًا في الدول الفقيرة التي تعاني من نقص مزمن في الحصيلة الضريبية بسبب ممارسات التهرب الضريبي.

وفي حين يمثل «المستريحون» في مصر مادة خصبة للصحافة ووسائل الإعلام، فإن النظر للظاهرة بشكل جدي غالبًا ما يغيب تحت ستائر التغطيات الصحفية التي تريد فقط أن تقدم قصة مثيرة. تتعرض تلك الظاهرة للتضخيم من قِبل الإعلام الرسمي، والذي يجدها متماشية من سردية الحكومة عن المصريين الذين «يكنزون كثيرًا من الأموال تحت البلاطة.» لكن لو دققنا قليلًا في تفاصيل تلك القصص ستجد أن الناس في الغالب لا تكنز أموالًا كثيرة بشكل غير رسمي، بعضهم يبيع عدد من المواشي، أو يضطر لتسييل أصول عبارة عن أراضي زراعية وعقارات أو حتى أصول لها طابع إنتاجي مثل السيارات. مستريح أسوان الأحدث، مصطفى البنك، مثلًا كان متخصصًا في تجارة المواشي.

غالبًا ما تستدعي مثل تلك القضايا، والتي تركز عليها الصحافة بشكل كبير جدًا، الحديث عن الظاهرة، و«لماذا يفعل هؤلاء الفلاحون الغلابة ذلك؟» لكن في الغالب يميل الإعلام لتجريم هؤلاء الفلاحين لأنهم لا يفهمون شيئًا عن الشمول المالي الذي أطلقته الدولة. ثمة عوامل تساعد في إحجام الناس عن استثمار أموالها في البنوك بعضها عوامل دينية أو ثقافية، وهناك انعدام ثقة متبادل بين البنوك والفلاحين، بل بين البنوك وعموم الشعب المصري ممَن ليسوا من المودعين في تلك البنوك.

تخبرنا البيانات الكثير عن ضعف ثقة المصريين في البنوك، وهو ضعف ثقة متبادل، فالبنوك لا تُقرض أغلب المصريين، وبالتالي هناك حالة من غياب التداخل بين الاقتصاد المالي للبنوك التي تستخدم أموال المودعين في إقراض الحكومة بشكل أساسي، وبين الاقتصاد الحقيقي للعمل والإنتاج في البلد، ربما ساهم في ذلك مساحة اللا رسمية الكبيرة في الاقتصاد المصري،  بحسب آخر البيانات المتاحة من البنك الدولي في 2018 لدى 32.5 ٪ فقط من المصريين البالغين فوق سن الـ 15 عامًا حساب بنكي، ذلك إن أضفت بالطبع عدد الحسابات البنكية للموظفين في الدولة والقطاع الخاص والذين يستخدمونها بشكل أساسي لاستقبال دخولهم الشهرية.

أحد الأسباب الهيكلية للجوء للمستريحين من قِبل الفقراء في الريف تحديدًا هو طبيعة وهيكل الاقتصاد، وطبيعة الاستثمار في الاقتصاد في الوقت الحالي، والتي تعتمد على الريع والاستثمار في أنشطة ريعية أو تركيز الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة في قطاع العقارات كعرض جانبي لتوجهات الدولة في الاستثمار بكثافة في البنية التحتية والعقارات. لكن ماذا سيحدث إذا قررت الدولة إزاحة كل المستثمرين الصغار والمقاولين الصغار من الاستثمار والمشاركة في الطفرة العمرانية الحالية؟ سوف يبحث الناس عن ملاذات أخرى للاستثمار، فبدلًا من بيع الأرض لتمويل إنشاء عمارة من قِبل مقاول صديق أو من العائلة في أطراف المدن الكبرى أو التجمعات الحضرية في الريف، سوف يصبح الناس فريسة سهلة للمستريحين. يفسر ذلك بشدة الوتيرة السريعة لظهور أخبار المستريحين في الجرائد، وتكرار الحوادث خلال السنوات القليلة الماضية.

يمكننا معرفة مشكلة الاستثمار الصغير في البلد من خلال النظر للأرقام الرسمية لمعدلات الادخار والاستثمار في مصر. معدلات الادخار المحلي في مستويات متدنية حيث تشكل حوالي 9.9 ٪ من الناتج المحلي تبعًا لأحدث الأرقام الحكومية، وهي في منحنى هبوط منذ التسعينيات حين كانت في بداية التسعينيات حوالي 17٪ من الناتج المحلي. ضعف معدلات الادخار الوطنية له علاقة مباشرة بالفقر بالطبع، ولكنه أيضًا متصل بالتضخم المُستمر خلال السنوات الأخيرة والذي يزيد من حدة الاستهلاك مع بقاء الدخول ثابتة إلى حد كبير بفعل التضخم الذي يأكل أي زيادة جديدة في الأجور.

وفي حين تتدنى معدلات الادخار الإجمالية نجد نموًا مطلقًا في أرقام الودائع البنكية في العقود الأخيرة، بسبب أن الفوائد البنكية المرتفعة تمثل تحوطًا ضد التضخم المستمر في الارتفاع كسمت طبيعي في العقدين الأخيرين. اليوم تبلغ الودائع البنكية ما يقرب من 6.4 تريليون جنيه ما يمثل حوالي 70 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، لكن ذلك المبلغ المهول من الودائع البنكية لا يُستخدم في تمويل الإنتاج في الاقتصاد بسبب مزاحمة الحكومة الكلاسيكية للقطاع الخاص والعائلي في الحصول على التمويل من البنوك. فالبنوك المصرية، وكجزء من هيكلها الحالي بعد كل محاولات الإصلاح، تفضل إقراض الحكومة. تبلغ نسبة الائتمان الموجه للحكومة حوالي 66٪ من إجمالي الائتمان الذي تقدمه البنوك بحسب أحدث تقارير البنك المركزي في 2020، وحين ننظر للودائع نجد أن القطاع العائلي يشكل حوالي 70٪ منها. وهو وضع معكوس تمامًا، فالقطاع العائلي الذي يساهم بـ70٪ من الادخار لا يحصل إلا على 9.2٪ من إجمالي الائتمان المحلي. من المفروض أن يعكس ذلك تشوه كبير في الهيكل التمويلي للبنوك في مصر، ودورها في تمويل الإنتاج في الاقتصاد. فمن المفترض أن تلعب البنوك دورًا في تعبئة المدخرات وتوجيهها للأنشطة المولدة للثروة في المجتمع.

يمثل التوسع في الاقتراض الحكومي في السنوات الأخيرة مشكلة كبيرة على مستوى البنية الاقتصادية، فالتوسع في الاقتراض لتمويل سداد الفوائد والقروض أو القيام بالمشروعات الكبرى يعني حصول الدولة على التمويل من أجل تنفيذ مشروعات تحد من قدرة القطاع العائلي والخاص على الوصول للتمويل، وفي الوقت نفسه تخلق نشاطًا يزاحم الاستثمار في القطاعات التي كان القطاع العائلي والاستثمار الصغير ينشط فيها، مثال ذلك ما حدث مع قطاع المقاولات والذي كان جزء كبير منه ينشط في القطاع غير الرسمي في الريف. بالإضافة لمخاطر المزاحمة تصل مدفوعات الفوائد السنوية على الدين الحكومي في السنوات الأخيرة لمتوسط 40-45٪ من إجمالي الإيرادات الحكومية وحوالي 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي أنها فعليًا تساوي الفرق بين الدخل الإجمالي والاستهلاك الإجمالي في الاقتصاد في السنة الواحدة أي أن مدفوعات الفوائد نفس النسبة تقريبًا لقدرة المجتمع كليًا على الادخار.

أيضًا، فإن غياب قنوات الاستثمار التقليدية وبيئة أعمال جيدة تتمتع بدعم وتمويل مستمر من القطاع البنكي يشكل فرصة متزايدة لزيادة مساحة الاقتصاد غير الرسمي، ويصبح عندها الحديث عن الشمول المالي أو إجبار الناس على الدفع إلكترونيًا دربًا من الإصلاح الشكلي لمنظومة تحتاج إلى الكثير من التفكير المُعمّق والجذري في إصلاحها، بمعنى أن الدولة إذا أرادت أن يثق الناس في القطاع البنكي ويضعون مدخراتهم الصغيرة فيه، فعلى هذا القطاع أن يمول مشاريع  هؤلاء الفقراء. ويشكل الحصول على التمويل الصغير والمتوسط الهاجس الأهم لتطوير البنية الاقتصادية غير الرسمية في مصر ودمج مساحات كبيرة من هذا الاقتصاد غير الرسمي ضمن الاقتصاد الرسمي للدولة، وبالتالي يساهم ذلك مع الوقت في رفع مستويات المعيشة وتطوير بيئة العمل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وما لم يحدث ذلك سوف نرى الكثير والكثير من مصطفي البنك، لأن البنك الطبيعي لا يقوم بدوره في توفير التمويل ودعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).