مشاهد عبثية من مسرح حكم الفرد (2 من 2)
كيف قضى شعر صدر أنور السادات على علاقة زوجية بين سياسي وصحفية!
............................................
"فصلني السادات من عملي لأنني طلقت زوجتي" هكذا يحكي أحمد طلعت وقائع قصة مؤسفة كان يمكن أن تكون قصة شخصية بحتة، لولا أنه كان يعيش في مصر فتحولت تلك القصة إلى قضية سياسية وصلت إلى رئاسة الجمهورية. القصة بدأت بتعرف أحمد طلعت على صحفية في مجلة أسبوعية يرمز لها طلعت بالصحفية (م) كانت قد نشرت تحقيقا عن جماعة (شهود يهوه) وبعض الشخصيات العامة المنتمية لها، لفت التحقيق انتباه السادات فطلب من طلعت أن يلتقي بالصحفية ويحصل منها على تفاصيل أكثر عن تلك الجماعة وعلاقتها بالصهيونية العالمية، لكن لقاء طلعت بالصحفية تحول إلى علاقة عاطفية تطورت إلى عقد قران، وخلال فترة تأثيث بيت الزوجية التي كان مقررًا لها أن تستغرق عامًا، جاءت الصحفية إلى طلعت لتريه بروفات موضوع أجرته في بيت السادات تحدث فيه عن حياته الخاصة، وكانت ستنشره خلال أيام في مجلتها تحت عنوان (مع الثائر الأسمر في بيته)، وفوجئت الصحفية بأن الحوار أغضب زوج المستقبل الذي قال لها أن الناس سيفهمون الحوار على أنه استخدام منه لزوجته من أجل التزلف للسادات ونفاقه، كما أخبرها أن بعض العبارات الموجودة في الحديث لا يليق أن تصدر عن سيدة متزوجة مثل قولها "وضحك أنور السادات فلمعت أسنانه البيضاء بين شفتيه"، أو "وكان يرتدي قميصا ترك بعض أزراره مفتوحة فظهر منه شعر صدره"، حاولت الصحفية أن تدافع عن نفسها معبرة عن ذهولها لأن زوجها لم يستفد شيئًا من دراسته في فرنسا، لكن مناقشتهما تحولت إلى خناقة انتهت بتهديد طلعت لها بأنه لو تم نشر الموضوع سيرسل لها ورقة الطلاق.
خرجت الصحفية من مكتب زوجها لتتصل بالسادات وتخبره بما حدث، فقال لها السادات كما نقل عنه أحد أولاد الحلال "لن يجرؤ زوجك على تنفيذ شيئ مما هددك به"، وفي صباح اليوم الذي نشر فيه حديث "الثائر الأسمر" تغيب طلعت عن مكتبه لمدة نصف ساعة ليوقع فيها أوراق الطلاق وعاد إلى مكتبه، وفي اليوم التالي جاءت إليه الصحفية في مكتبه لتحاول تسوية الخلاف ولم تكن تعلم بما تم، فأخبرها بما فعله، وقدم لها ورقة لتسوية موقف كل منهما من أثاث بيت الزوجية، فوقعت الورقة وخرجت وهي في قمة الغضب، وفي اليوم نفسه وبعد أن انتهى طلعت من عمله وأثناء تناوله للغداء في بيته فوجئ باستدعائه للعودة إلى مكتبه بشكل غير مألوف، ليفاجأ بأنه مطلوب للتحقيق أمام زميله في الإدارة القانونية أسعد عبدالسلام، وبعد أن سأله عن اسمه وسنه كان السؤال الأول: "ما هو موضوع الخلاف بينك وبين زوجتك؟"، وبأقصى درجة من التماسك أجاب أن هذا موضوع شخصي لا شأن لجهة العمل به، لكنه فوجئ بإصرار المحقق على أن يأخذ أقواله في شكوى قال أن زوجته تقدمت بها إلى المنظمة شفاهية لتتهمه بأن هناك مسائل مالية بينهما لم تتم تسويتها، وبعد شد وجذب أبلغه قرار السادات بإيقافه عن العمل فورًا بدءًا من تاريخ 13 نوفمبر 1957.
كانت طليقته (م) قد اتجهت بعد خروجها من مكتبه إلى بيت السادات الذي كان يقع وقتها في شارع الهرم، لتستقبلها زوجته السيدة جيهان والتي كانت قد وثقت صلتها بها منذ فترة حيث كانت تساعدها من خلال عملها كمحررة لباب الأزياء في معرفة ما هو معروض في محلات ملابس السيدات، بعد أن حاولت السيدة جيهان أن تخفف صدمة صديقتها اتصلت بزوجها تليفونيًا في مكتبه لتروي له ما حدث لصديقتها من مرؤوسه وتطلب منه أن ينصفها فورًا، والسادات لم يكذب خبرًا واتصل بنائبه أحمد عبدالغفار وأبلغه بقرار الإيقاف عن العمل وأمره بإحالة طلعت إلى التحقيق، وهو ما حكاه عبدالغفار لطلعت عندما استقبله في بيته فيما بعد.
لجأ طلعت إلى المحامي الشهير الدكتور علي الرجال وقرر السفر إلى لبنان للاستجمام والتفرغ لإنهاء كتاب عن المسلمين في روسيا، كتب الدكتور الرجال خطابًا مستفيضًا للسادات طلب فيه رفع الإيقاف مستخدمًا عبارات تقرر بأن ما حدث لطلعت سببه استخدام الصحفية لعلاقاتها الشخصية المعتمدة على عملها، واصفًا ما حدث بأنه ظلم وأمد الظلم قصير ودولة الباطل ساعة ومستخدمًا عبارات أخرى قوية اللهجة، ليأتي بعدها بأيام خطاب يفيد بفصل طلعت من الخدمة، ليس فقط لأن ما صدر عنه يخل بسلوك موظفي المؤتمر بل لأنه قام بدفع طليقته للتوقيع على ورقة الأثاث خلال مواعيد العمل الرسمية، ولأنه سافر إلى الخارج من غير إذن، وذلك لكي يكون هناك أسباب قانونية لفصله لا تتعلق فقط بحياته الشخصية.
في اليوم التالي ذهب طلعت إلى مكتبه ليجمع أوراقه، فلم يزره أحد من زملائه لتوديعه، لأنه لم يحب أحد أن يخاطر بتحية رجل مغضوب عليه، ولم يقم بالسلام عليه سوى عم حبشي فراش مكتبه الذي جاءه بفنجان القهوة المعتاد وحمل له حقيبة أوراقه إلى سيارته وهو يكتم دموعه، وهو ما أثر في نفس طلعت وجعله يهدي له كتابه الثاني عن (المسلمون في روسيا) والذي جاء فيه جملة تقول "من الناس من يغلق على نفسه الأبواب ويضع على مكتبه عشرات الأجراس والتيفونات وعلى الباب الخارجي تنتظر السيارات الفارهة لتعود بالصنم إلى بيته بعد ساعات قليلة قضاها في مكتبه المكيف... ومن الناس من يشقى النهار بطوله يمسح الأرض وينظف المكاتب... إلى واحد من هؤلاء الكادحين لن تمحي من مخيلتي صورته والدموع تترقرق في عينيه يوم غادرت مكتبي بالمؤتمر الإسلامي، إلى حبشي الفراش أهدي هذا الكتاب تقديرًا مني لعمله المتواضع ووفائه العظيم"، وعندما وصل الكتاب إلى السادات غضب وأخذ يردد أمام حاشيته قائلًا: "الولد يقول عني أنني صنم"، ولم يكن أحمد طلعت يعرف أن ثمن طلاقه وتحديه لإرادة أنور السادات وحرمه لن يكون الفصل فقط بل أن ثمنًا أكثر فداحة سينتظره في المستقبل القريب.
عبد الناصر والدبوس!
لم يلتزم أحمد طلعت الصمت بعد فصله بل كان حريصًا على أن يخبر قصته لكل من يسأله عن أسباب فصله "فُصلت لأنني طلقت السيدة حرمي، فإما أن أقبل بأن تجري حديثًا مع الثائر الأسمر أو أن يفصلني الثائر الأسمر"، ولم يكن يعرف أن كل ما يقوله يذهب رأسًا إلى ملفه لدى إدارة المباحث العامة التي صار له فيها ملف ضخم تغذيه طليقته السيدة (م) التي كانت تعمل أصلًا في خدمة المباحث. (ما رواه أحمد طلعت عن السيدة (م) كان التفسير الوحيد المنطقي لاستمرارها في كتابة صفحة أسبوعية في مجلتها الشهيرة على مدى عقود دون أن تقدم فيها شيئًا مفيدًا، لدرجة أنها حين تقدم بها السن كانت تنشر شتائم صريحة للشخصيات الفنية التي تختلف معها دون أن يحاسبها أحد على ما تنشره، برغم أن واحدة من تلك المقالات تسببت في أزمة شهيرة لفنانة محبوبة كانت تمر بظروف سيئة في أخريات حياتها).
عندما جاوز تضخم ملف طلعت الحد المقبول وصله استدعاء من الصاغ فتحي مأمون في إدارة المباحث ـ صار صديقه فيما بعد ـ ليطلب منه التوقف عن الإساءة إلى سمعة السادات خصوصًا مع من يقابلهم من العرب، دافع طلعت عن نفسه قائلًا إنه لا بد أن يحكي للناس لماذا تم فصله، وأنه إذا كان ما يحكيه يسيئ إلى السادات فذلك اختيار السادات نفسه، لم يعلم طلعت أن السادات أرسل خطابين إلى زكريا محيي الدين وزير الداخلية، والنائب العام يطلب التحقيق معه ومنعه من السفر، ليصدر قرار بالقبض عليه وحبسه احتياطيًا ويجد نفسه في سجن القلعة، وبرغم أن أخاه كان ضابطًا كبيرًا في القوات المسلحة ويرتبط بعلاقة عائلية مع مدير مصلحة السجون فقد فشل في الحصول على تصريح بزيارة أخيه الذي عومل كأنه متهم بقلب نظام الحكم، وعندما وجد ذات يوم أن مأمور السجن يستدعيه ليلتقي بزائر في مكتبه، ظن أنه أخيرًا سيرى أسرته، لكنه فوجئ بطليقته وقد جاءته شامتة متشفية، وحصلت على حق الزيارة بينما فشل أهله في ذلك. (يروي أحمد طلعت مفارقة غريبة هي أن المستشار محمد الصادق المهدي الذي حقق معه بتهمة القذف في حق السادات وقدمه للمحاكمة، تم فصله من الخدمة في ظل رئاسة السادات بعد أن قررت لجنة الصلاحية في وزارة العدل الاستغناء عن خدماته لدوره في مذبحة القضاء التي راح ضحيتها عدد من زملائه، بل وترددت نقابة المحامين طويلًا كما يروي وكيلها عصمت الهواري له قبل أن تضمه إلى عضويتها).
لم يتمكن أحمد طلعت من الخروج من السجن إلا بفضل سعد زايد الذي كان صديقًا حميمًا للسادات، والذي طلب من السادات أن يخفف ضغطه على سلطة التحقيق، بل وأحرج السادات بأن قبل رأسه كاعتذار شخصي منه، ليقوم بالتنازل عن بلاغه ويفرج عن طلعت في نفس يوم التنازل، (من سخرية القدر أن السادات عندما أصبح رئيسًا سجن سعد زايد عشر سنوات في قضية مراكز القوى عام 1971)، وبرغم أن القضية سارت في مسارها العادي وحكمت محكمة أول درجة بالبراءة فاستأنفت النيابة العامة وأيدت محكمة الإستئناف الحكم بالبراءة، إلا أن الخروج من القائمة السوداء لم يكن سهلًا مثل دخولها، لذلك فشل طلعت في الحصول على عمل بشركة مصر للطيران ومؤسسة التأمينات الاجتماعية التي تسلم قرار تعيينه فيها وبعد أن تسلم عمله لمدة 4 ساعات تم سحب قرار التعيين، ولم يتمكن من الحصول على أكثر من عمل في الخارج بسبب منعه من السفر، وكل ذلك بفضل اتصالات من طليقته للأجهزة الأمنية تدعي فيها أن السادات لا يريده أن يعمل، حتى أنه من يأسه تقدم إلى وظيفة سائق أتوبيس في شركة أتوبيس مقار للنقل العام، ليفاجأ بأن الأجهزة الأمنية أوقفت تعيينه، ولذلك ظل يضحك في آخر أيام السادات عندما كان يسمعه يتحدث عن سيادة القانون، ويتزين مزهوًا بالوشاح الأخضر الذي يمثل رئاسته للمجلس الأعلى للقضاء.
هكذا ظل الرجل داخل دائرة الحصار لأكثر من عامين حاول فيهما أن يوصل صوته لعبدالناصر عبر أكثر من وسيط، لكنه فشل في كل مرة، وعندما بلغ يأسه منتهاه جاءه الفرج من حيث لا يحتسب عندما قرر عبدالناصر أن يعيد تشكيل الاتحاد القومي الذي كان التنظيم السياسي الوحيد في البلاد وأن يجعله بالانتخاب المباشر، معلنًا أنه لن يكون هناك أي اعتراض على أسماء أي مرشح مهما كان، فقرر طلعت من يأسه أن يتقدم للانتخابات، وكانت المفاجأة أنه فاز بمقعد في لجنة العشرين التي كان من بين أعضائها سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات، فطلب مقابلته ليحتمي به من المعركة القادمة مع السادات الذي كان سكرتيرًا عامًا للاتحاد القومي، ولم يكن سيرضيه أبدًا ذلك الفوز الذي جاء على غفلة من الزمن، وعندما بدأ طلعت يحكي لسامي شرف أنه على خلاف طويل مع السادات فوجئ به يقول له أنه يعرف، ثم أمسك بدبوس على مكتبه وتركه يسقط من بين أصابعه وقال له أنه حتى لو سقط دبوس مثل هذا في مصر من الإسكندرية حتى أسوان سيعلم به فور وقوعه، وهنا تشجع طلعت وقام بتقديم مذكرة رسمية لوضع حالته تحت نظر عبدالناصر ليقوم بإنصافه.
بعد أيام أبلغه سامي شرف أن عبدالناصر أصدر قرارًا بتعيينه في المؤسسة الاقتصادية، وعندما سأله عن موقف عبدالناصر من اضطهاد السادات له، رد عليه سامي شرف بعتاب "وبعدين يا أحمد، هل تريد منه أن يعلقه لك على شجرة؟، يكفي أنه قد أمر بتعيينك، وهذا معناه أنه أنصفك"، واقترح عليه سامي شرف أن يذهب لزيارة السادات في بيته لطي صفحة الماضي، ووعده بأنه سيرتب له تلك الزيارة، وبالفعل تمت الزيارة، ولا أظنك من فرط معايشتك للعبث الضارب أطنابه على الدوام في مصر ستستغرب لو عرفت أن الزيارة انتهت بصداقة بين الاثنين جعلت السادات الذي كان سببًا في طلاق طلعت من زوجته الأولى يكون بعد لقائهما بأيام شاهدًا على عقد زواجه الثاني، وربما لأن طلعت أدرك أن القارئ لن يصدق ذلك فقد قام بنشر صورة السادات وهو يوقع على العقد، ولم لا يفعل وقد صدر من عبدالناصر قرار انحاز لصف الرجل، لينتقل في لمح البصر من خانة الأعداء إلى خانة الأصدقاء، لا تتعجب إنها إرادة الحاكم الفرد.
مسرحية مسرحية والعصابة هيّه هيّه!
بعد أن عاش سنوات من العذاب والضنى، جاء دور أحمد طلعت في التمتع بالاستقرار والهدوء، وكيف لا يفعل وقد حاز رضا الزعيم الأوحد حتى لو كان ذلك الرضا قد جاء من خلال وسطاء، فقد كان كافيًا لكي يكف عنه كل رجال ونساء الزعيم أذيّتهم، ليحصل أخيرًا على حقوقه كمواطن كانت كل جريمته أنه لم يأخذ رأي قادته في طلاق زوجته.
مرت الأيام، وعمل أحمد طلعت في المؤسسة الإقتصادية، وساقه عمله للإقامة سبع سنوات في أسوان في إدارة العلاقات العامة بمشروع السد العالي، حيث كان من مهام عمله الالتقاء بالمسئولين الأجانب القادمين لمتابعة العمل في المشروع الذي صار بندًا رئيسيًا في برنامج زيارة أي ضيف أجنبي لمصر، من خلال عمله ارتبط بعلاقة صداقة مع جيمس هالسما المستشار الإعلامي للسفارة الأمريكية، ولم يكن يعلم أن هذه الصداقة ستكون سببًا في واقعة مثيرة ستربطه من جديد بأنور السادات، ولكن هذه المرة من حيث لا يدري السادات.
في يوم من أيام خريف عام 1965 وخلال قضاء جيمس هالسما لأجازة في أسوان قال لصديقه أحمد طلعت على مائدة عشاء جمعهما أن الكونجرس الأمريكي دعا لزيارة الولايات المتحدة وفدًا من مجلس الأمة المصري الذي كان يرأسه أنور السادات، وأن السادات قبل الدعوة وتحدد لزيارته موعد في أوائل عام 1966 لتكون أول زيارة لأمريكا يقوم بها عضو في مجلس قيادة الثورة منذ إنشائه، وطلب هالسما من صديقه الذي كان يعرف أنه بات على علاقة طيبة بالسادات أن ينصحه بما يمكن أن يساعد على إنجاح الزيارة التي تُعلق عليها أمريكا الكثير لتخفيف حدة التوتر بين البلدين، اهتم طلعت بالأمر وبدأ يسأل عن تفاصيل الزيارة وكان من ضمن أسئلته سؤال عن طبيعة المسئولين الأمريكيين الذين سيكونون في استقبال السادات في المطار، ففاجأه هالسما بأن الدعوة موجهة من الكونجرس وليس من الحكومة الأمريكية، والبروتوكول لا يسمح لأحد من رجال الإدارة الأمريكية بالاشتراك في استقبال الوفد.
قال طلعت لصديقه أن ذلك لو حدث سيكون خطئًا كبيرًا لأن السادات يجب أن يحس بأهميته لأنه سيصاب بخيبة أمل لو خرج من الطيارة فلم يجد مسئولًا رسميًا في استقباله، واقترح طلعت أن يشترك في الاستقبال ريموند هير مساعد وزير الخارجية الذي كان قبلها سفيرًا في القاهرة وكان صديقًا شخصيًا للسادات، ومع أن استقباله سيأتي بصفته كصديق إلا أن ذلك سيُرضي كبرياء السادات، أعجب الاقتراح هالسما وشجعه على أخذ رأي طلعت في تفاصيل أخرى للزيارة، ليحصل من طلعت على ملاحظات لم تكن تخطر على باله أبدا، حيث نبهه مثلا أنه من الخطأ أن يتم حجز ستة غرف متجاورة في فندق هيلتون واشنطن للوفد، على أساس أن البروتوكول الأمريكي يضع رئيس الكونجرس في نفس مستوى أعضاء الكونجرس، وقال له أنه يجب أن يتم حجز جناح خاص للسادات على أن يكون في دور أعلى من الذي يقيم به أعضاء الوفد ليحس بتميزه عنهم.
ثم سأل أحمد طلعت صديقه عما إذا كانوا قد أعدوا موكبًا من الموتوسيكلات يتقدم سيارة السادات في طريقها إلى الفندق، فرد هالسما بأنهم لا يستخدمون هناك هذه المواكب، كما أن السادات ليس رئيس دولة بل مجرد ضيف على الكونجرس، فأكد طلعت على أهمية هذه التفصيلة التي ستعجب السادات، مقترحًا أن تتقدم سيارة السادات أربعة موتوسيكلات من تلك التي تستخدمها شرطة المرور لأن السادات لن يعرف مصدرها، ثم اقترح أن يتم وضع علم مصري يرفرف على سيارة السادات خلال تنقلاته، لأن ذلك سيجذب انتباه المارة وسيزيد من رضا السادات عن الزيارة، رد هالسما بأن تلك ستكون سابقة لم تحدث من قبل بأن يتم وضع علم دولة أجنبية على سيارة للكونجرس، فقال طلعت: إذن اتركوه يركب سيارة السفير المصري التي يوجد عليها علم بالفعل، ولن يهمه لمن تتبع السيارة طالما ظل العلم المصري عليها.
عندما تمت الزيارة شاءت الأقدار أن يكون طلعت موفدًا من عمله إلى الولايات المتحدة لإلقاء محاضرة عن السد العالي، ولذلك طلب منه السفير المصري هو وكل من كان يزور واشنطن وقتها الحضور إلى مطار واشنطن لاستقبال السادات، وبعدها وخلال عشاء جمع طلعت بصديقه محمد حبيب المستشار الصحفي للسفارة المصرية صارحه حبيب بأن هناك فتورًا شعر به من أجهزة الإعلام الأمريكية بالنسبة لزيارة السادات، وأنه حاول أن يقنع بعض مصوري الصحف بالقدوم لتغطية وصول السادات لكنهم اعتذروا لانشغالهم بما هو أهم، فاقترح عليه طلعت أن يستأجر بعض المصورين المحترفين وما أكثرهم وأرخصهم ليكونوا في استقبال السادات لتنطلق أضواء فلاشات التصوير لحظة وصوله، وبالطبع لن ينشغل السادات بهوية مطلقي الفلاشات إذا خطفت أنظاره وأرضت غروره.
في اليوم التالي كان طلعت يقف في المطار مشاركًا بدور كومبارس صامت في المسرحية التي ساهم قبل أشهر في إخراجها، وقف كاتمًا ضحكه وهو يرى سعادة السادات وفخره وانبهاره بالاستقبال الحافل الذي قوبل به في تلك الزيارة التي صارت نقطة فارقة في تفكيره السياسي، ولعلك قرأت تلك الآراء التي كتبها كتاب كثيرون ذهبوا إلى أبعد مدى في تفسير خروج الولايات المتحدة على التقاليد الدبلوماسية خلال استقبال السادات، معتبرين أن ما جرى من لقاءات حميمة في تلك الزيارة كان حجر الزاوية في تشكيل علاقة السادات بأمريكا التي وصلت إلى أبعد مدى عندما بنى سياسته الداخلية والخارجية كرئيس على أن أمريكا تمتلك 99 في المائة من أوراق اللعبة، ولا أظن أن أحدًا فيهم سيصدق أن كل ذلك الاستقبال الحافل بدأ بدردشة بين صديقين على العشاء، وإن كان لم ينته كذلك بالطبع فلا زالت آثار سياسة السادات تحكمنا حتى الآن مهما طنطن صانعو الأوهام بغير ذلك.
وختامًا، لعل ما يوجعنا ويحزننا ويقرفنا بعد استعراض كل هذه المشاهد التي رواها أحمد طلعت من كواليس مسرح حكم الفرد هو إدراكنا أن طريقة الحكم المتخلفة المريبة العشوائية المهينة لم تتغير لا في جوهرها ولا في تفاصيلها، وأننا لا زلنا محتاجين إلى صنع "فينالة" لهذا العبث البائس، لنصنع واقعًا أفضل لمصر لا يأتي فيه يوم نكون مضطرين لأن نهتف بحرقة ذلك الهتاف الجامع المانع "مسرحية مسرحية والعصابة هيه هيه".
* فصل من كتابي (البهاريز) ـ يصدر قريبا بإذن الله.
آراء أخرى
السوابق المصرية في تغيير مشاهد المسرحية السياسية
«من وحي المشهد في استاد القاهرة يوم 15 يوليو الحالي، لما سُمي «المشروع القومي حياة كريمة»»
صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952
«مقدمة كتاب «صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952»، لعبد العظيم حماد، ويضم مقالات منشورة على موقع مدى مصر»
تدوينة عن النكسة والثورة والجراح الممتدة: معنى الغمر بالماء
«هل استطاع انتصار 1973 مداواة الشعب المصري من أثر النكسة؟ كيف تُحفر الجروح عميقًا في أعماق الناس، حتى وإن أنكروها»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد