مشاهد عبثية من مسرح حكم الفرد (1 من 2)
عن البلد التي يتغير فيها مصير إنسان بسبب "علبتين لبن"!
.....................................................
ـ السادات يطلب عدم نشر تصريحات الرئيس نجيب لأنه "راجل خَرفان وبيحب كُتر الكلام" ـ رئيس البعثة التعليمية في الكويت يكتب تقارير للمخابرات والسفير المصري في بيروت يرسل لبن أطفال لابن السادات في الحقيبة الدبلوماسية ـ السادات يعين قائده في الجيش مديرًا لإدارة المراسم لكي يفتح له باب السيارة كل يوم!
* * *
في كتابه المثير (السادات وحكايات أخرى) يحكي السياسي المخضرم أحمد طلعت مجموعة وقائع عن علاقته بالسلطة في عهدي عبدالناصر والسادات، قد لا تحفل بالأسرار الخطيرة التي ينتظرها البعض من كتب المذكرات السياسية لأن المؤلف لم يكن قد وصل إلى مواقع شديدة التأثير في صنع القرار، إلا أن تلك الوقائع ترسم صورة مهمة لطريقة صنع القرار في مؤسسات الدولة العادية في ظل حكم الفرد، الذي يظن الملايين أنه يمثل الحل الأكيد لمشاكل مصر، مع أنه لم يزد تلك المشاكل تلوثًا وتعقيدًا إلا حكم الفرد.
بدأ أحمد طلعت حياته العملية عام 1953 كمندوب في رئاسة الوزراء لجريدة (الجمهورية) التي اختير أنور السادات لرئاسة تحريرها لتكون لسان حال ثورة يوليو، كان ذلك في الوقت الذي كان فيه محمد نجيب يجمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وعندما بدأت الأزمات تتصاعد بين محمد نجيب وجمال عبدالناصر داخل مجلس قيادة الثورة، فوجئ طلعت بالسادات يستدعيه في وقت متأخر، كان السادات متعودًا على السهر في الجريدة كل ليلة، دخل عليه طلعت ليجده يتناول عشاءً دسمًا مكونًا من لحوم مشوية وفراخ محمرة، يقول طلعت: "ظللت واقفًا أمامه حتى رفع عينيه في وجهي، ووجه الحديث إليّ بغير اكتراث قائلًا: الراجل نجيب ده راجل خرفان بيحب كُتر الكلام..من هنا ورايح سيبك منه ولا تنشر من تصريحاته شيئًا على الإطلاق".
وبرغم ذهول الصحفي الشاب من سماعه لعضو في مجلس قيادة الثورة يسب رئيس الجمهورية فقد نفذ الأمر دون نقاش طبعًا، فكان يقف مع زملائه من الصحفيين أمام محمد نجيب وهو يدلي بتصريحاته دون أن يسجل منها كلمة، واستمر الوضع كذلك حتى خرج محمد نجيب من رئاسة الوزراء ليتولاها عبدالناصر طبقًا لاتفاق جرى لتسوية الأزمة بين الرجلين، وعندما جاء نجيب ليزور عبدالناصر ويهنئه بمنصبه، سمعه طلعت يقول لعبدالناصر "مبروك يا عم جمال" متجنبًا مناداته برتبته العسكرية أو لقبه الجديد، وعندما قام نجيب بالإدلاء بتصريحات عقب الزيارة لم يسجل طلعت منها حرفًا لكي يكتبه في جريدته تنفيذًا لتعليمات السادات السابقة، وفي اليوم التالي فوجئ بالسادات يستدعيه ويعنفه قائلا "ما هذا الذي فعلته؟، لقد سببت لنا حرجًا شديدًا في مجلس قيادة الثورة، لقد اتصل نجيب بجمال، وكان غاضبًا غضبًا شديدًا لأن الجمهورية لم تنشر تصريحاته بالأمس، إن اتفاقنا مع نجيب على التخلي عن رئاسة مجلس الوزراء يقضي بأن يُعامل معاملة رئيس الجمهورية كاملة، وأن تُنشر كل تصريحاته بهذه الصفة ولقد تصور من عدم نشرك لتصريحاته أمس أن جمال قد أخل باتفاقه معه"، ثم توقف السادات فجأة ليقول لأحمد طلعت بمنتهى الثبات "إنت مفصول" دون أن ينظر حتى إليه، أدرك طلعت أن الأمر قد صدر بأن يشيل الليلة منفردًا، لذلك وجد أنه من العبث تذكير السادات بأنه كان ينفذ أوامره، وتقبل القرار في صمت وغادر المكان.
بعد فصله من (الجمهورية) سافر أحمد طلعت إلى باريس والتحق بمعهد العلوم السياسية للحصول على دبلوم الدراسات الأفريقية وتخصص في عمل أبحاث عن المسلمين في أفريقيا، وبعد فترة تم تعيين السادات سكرتيرًا عامًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي ووزير دولة لشئون المؤتمر الإسلامي، كان السادات في تلك الفترة قانعًا بما يكلفه به عبدالناصر من مناصب، حتى وإن بدت هامشية لكي يبعد نفسه عن الصراعات الطاحنة على المناصب الهامة دون أن يعلم أن هذه القناعة ستزيد ثقة عبدالناصر فيه وستؤتي ثمارها يومًا ما. عندما عاد أحمد طلعت إلى مصر بعد انتهاء دراسته تقدم لوظيفة في جامعة الدول العربية، لكنه فوجئ باستدعاء يأتيه من أنور السادات لكي يقابله في مكتبه بالمؤتمر الإسلامي ومعه كل ما لديه من وثائق ومراجع تتعلق بالمسلمين في أفريقيا، وذهب طلعت إلى المقابلة متوقعًا أن السادات سيفاتحه فيما جرى في جريدة الجمهورية بشكل ما، لكن ذلك لم يحدث، بل فوجئ بالسادات يقول له مباشرة أنه قرر تعيينه وكيلًا لإدارة الاستعلامات التي كان يرأسها السيد علوي حافظ وقتها، بل وطلب منه أن يبدأ عمله فورًا وأن يعتبر نفسه الرئيس الفعلي للإدارة لأن علوي مشغول بأشياء أخرى، ثم نهض وصافحه دون أن يترك له حتى فرصة ليقول رأيه في عرض الوظيفة.
كان العرض مغريًا من كافة جوانبه، ولذلك لم يتردد طلعت طويلًا في الموافقة عليه، دون أن يدري أنه سيندم عليه بعد ذلك، وبالفعل بدأ عمله على الفور، وبعد أسابيع قليلة تعرضت مصر للعدوان الثلاثي في عام 1956، ووقتها تحول مقر المؤتمر الإسلامي إلى مقر إقامة بديل لعبدالناصر بناءً على اقتراح من السادات الذي قال أن وجود المبنى وسط حي الزمالك وبالقرب من معظم السفارات الأجنبية سيصعب على الطيران الإنجليزي مهمة ضرب مقر إقامة عبدالناصر للتخلص منه، بعد انتهاء العدوان قام السادات بكتابة كتاب يشرح بالصور طبيعة العدوان، وتم تكليف طلعت وزملائه بترجمة الكتاب إلى عدد من اللغات المحلية المتداولة في أفريقيا وآسيا، وبعد أن تمت ترجمة الكتاب وطبع مليون نسخة منه، تم تكليف طلعت بالذهاب إلى عدد من رؤساء الدول برسائل من السادات وتوزيع نسخ من الكتاب في تلك الدول، وقبل سفره سأل طلعت فوزي عبدالحافظ سكرتير السادات عما إذا كان مطلوبًا منه أن يحضر معه شيئًا من الخارج، دخل فوزي إلى حجرة السادات ثم عاد ليقول له أنه في حاجة إلى علبتين لبن أطفال، لابنه الرضيع جمال، اسمه "S.M.A" لم يكن منتشرًا وقتها في مصر، وطلب منه أن يعطيه للسفير المصري في بيروت ليرسله إلى مصر بالحقيبة الدبلوماسية، وهو ما فعله طلعت فور وصوله إلى بيروت حيث ذهب إلى صيدلية واشترى علبتي لبن أطفال وأعطاهما للسفير المصري، دون أن يدري أن تلك العلبتين ستكونان سببًا لتأزم علاقته بالسادات فيما بعد.
علبتين لبن!
عاد أحمد طلعت إلى مصر وهو يشعر بالفخر لأنه أدى المهمة التي كلفه بها السادات على أكمل وجه، كان من بين ما كلفه به السادات أن يوصّل لنائب حاكم الكويت وقتها الأمير عبدالله مبارك الصباح طلبًا بتقديم معونات مالية لأسر شهداء بور سعيد، فحصل من الأمير على شيك بخمسين ألف جنيه استرليني وهو مبلغ ضخم بمعايير ذلك الوقت، كان طلعت قبل مقابلته للأمير قد اجتهد وقدم له صورة السادات داخل برواز من الفضة اشتراه من بيروت، على أساس أنها هدية شخصية من السادات للأمير الذي كان يعتز بصداقة السادات.
لكن طلعت فوجئ بعد عودته بأن السادات يرفض استقباله لأكثر من مرة، فاضطر لترك الشيك الكويتي لدى سكرتيره فوزي عبدالحافظ، وعندما التقى بالسادات صدفة على سلالم منظمة المؤتمر الإسلامي فوجئ به يشيح بوجهه عنه بغضب، ليعرف من سكرتير المنظمة المساعد أحمد عبدالغفار أن سر ذلك الغضب هو أن المخابرات أرسلت تقريرًا إلى السادات بأن طلعت أمضى سهرة صاخبة في ملهى بيروتي، انتهت باقتياده ومن معه من السيدات إلى مركز الشرطة، بعد أن تغلب طلعت على ذهوله بدأ يحكي لعبدالغفار القصة الحقيقية التي لم يكن لها علاقة أبدًا بما قاله تقرير المخابرات، فكل ما هناك أنه لبى دعوة للعشاء في مطعم خارج بيروت وجهها له صديقه عبود فودة مراسل جريدة الجمهورية، حضرته عايدة هلال زوجة فودة وشقيقها والدبلوماسي العراقي قدري الكيلاني، وعند عودة الجميع إلى بيروت وتوقفهم في دورية للجيش اللبناني رفض الدبلوماسي العراقي التفتيش متمسكًا بحصانته الدبلوماسية، لتحدث مشادة انتهت بتدخل قائد الشرطة العسكرية والاعتذار لهم عما حدث، لكن هذا الموقف الطارئ عندما وصل إلى القاهرة عبر تقرير المخابرات كان قد تحول بقدرة قادر إلى فضيحة أثارت غضب السادات من مرؤوسه.
حصل طلعت على وعد من أحمد عبدالغفار بأنه سيمكنه من مقابلة السادات في الصباح التالي ليروي له حقيقة الأمر، لكنه فاجأه بقوله "بقيت مسألة أخرى صغيرة، فإن السيد أنور واخد على خاطره منك بخصوص مسألة لبن الأطفال الذي طلبه لجمال ثقة منه فيك ثم فوجئ بك ترسل إليه علبتين فقط من هذا اللبن وهما تكفيانه بالكاد لمدة أسبوع، والحقيقة أنه لم يكن يصح منك ذلك، فقد اختارك الرجل وأنت في مطلع حياتك العملية، مبعوثًا خاصًا له، وقدمك إلى رؤساء الدول وحكامها، وكان ينتظر منك عناية أكبر بما طلبه من لبن يحتاجه طفله الرضيع".
غرق أحمد طلعت رغمًا عنه في نوبة ضحك قبل أن يحاول التماسك للدفاع عن نفسه في مواجهة ذلك الاتهام الخطير قائلا: "أولًا، أنا شاب أعزب ليست لي خبرة بما يحتاجه الأطفال، وقد فهمت من حديث فوزي عبدالحافظ أن اللبن المطلوب نوع من الدواء، ولذلك تصورت أن المطلوب هو علبة منه وقد أرسلت علبتين، ثانيًا، إن تكليفي بإرسال الدواء عن طريق الحقيبة الدبلوماسية جعلني أتصور أن المطلوب سرعة وصوله، ولم أكن أتصور بسذاجتي أن الحقيبة الدبلوماسية يمكن أن تكون الطريق الطبيعي لاستيراد غذاء الأطفال، ولو تصورت ذلك فما كان أحب إليّ من أن أرسل كل ما تحتويه صيدليات بيروت من هذا الدواء ما دمت لا أحمله على كتفي بل تتكفل بذلك الحقيبة الدبلوماسية، كنت بريئًا جادًا فيما قلت إلى درجة جعلت أحمد عبدالغفار يستغرق في الضحك بحيث بدا أنه قد فقد السيطرة على وقاره، فلما استطاع أن يتماسك قال لي: دعك من هذا الموضوع في مقابلتك مع السادات غدًا فلا تفاتحه فيه، وسأتولى أنا عنك ذلك".
في اليوم التالي دخل أحمد طلعت إلى مكتب السادات ليجده جالسًا على مقعده المفضل بجوار الشرفة، حيث لم يكن يحب أبدًا الجلوس على المكاتب، يصف طلعت السادات بأنه كان واضعًا على وجهه قناع الصرامة حتى أنه لم يأذن له في الجلوس، وبدأ يستمع إلى دفاع طلعت عن نفسه بهدوء كادت تقطعه ابتسامة عندما ختم طلعت دفاعه بقوله "إذا كانت تقارير المخابرات كل ما تستطيعه هو أن تلفق مثل هذه السخافات وكل ما تهتم به أين أكل أحمد طلعت فإنها لا تكون فاشلة فقط بل وتافهة أيضا"، لم يعتمد السادات رواية طلعت على الفور بل طلب من أحمد عبدالغفار أن يطلب من السفير المصري في بيروت عبدالحميد غالب تقريرًا عما حدث، وبعد أيام جاء تقرير السفير مؤكدًا رواية طلعت، ليقوم عبدالغفار بإخبار طلعت أن السادات استعاد الثقة فيه، خاصة بعد أن عرف بموضوع برواز الفضة الذي أهداه باسمه للأمير الكويتي، لكن كيف عرف السادات بذلك؟، ببساطة من تقرير مندوب المخابرات في الكويت الذي وصل متأخرًا قليلا، والذي كان كاتبه هو رئيس البعثة التعليمية في الكويت الذي كان يمارس كتابة التقارير إلى جوار عمله الرسمي، فلا تتعجب إنها إرادة حكم الفرد.
الباشا يختار "رجالته"!
في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة يدرك الحاكم أن بقاءه في منصبه مؤقت وليس أبديا، وأنه ليس منزهًا عن الحساب والعقاب والمرمطة الشعبية، لذلك فهو يحرص على أن يكون حوله دائمًا رجال أكفاء يصدقونه القول ويوقفونه عند حدوده إذا جعلته نشوة السلطة يتجاوزها، أما في المجتمعات المتخلفة المستبدة فأنت لست محتاجًا لأن أذكرك كيف يختار أي مسئول "رجالته" ـ ولا أقول رجاله ـ فأنت من هنا وعارف.
دعنا نتأمل مع السياسي المخضرم أحمد طلعت المنهج الذي كان أنور السادات مثلًا يختار به الرجال المحيطين به منذ كان وزيرًا مسئولًا عن منظمة المؤتمر الإسلامي: "فيما عدا قلة من الفنيين من أمثال المرحوم الدكتور محمود محمد الصياد أستاذ الجغرافيا الشهير، والدكتورة سعاد ماهر أستاذة الآثار الإسلامية، فقد وزع السادات بقية مناصب السكرتارية العامة على عدد من معارفه أو محاسيبه لأسباب مختلفة: فمحمد أحمد مأمور الضرائب الذي أصبح مديرًا لمكتبه منتدبًا من وزارة المالية، كان قومندانًا لمعتقل الزيتون الذي كان السادات معتقلًا فيه خلال الحرب العالمية الثانية بعد فصله من الجيش، وكان رجلًا مهذبًا ورقيقًا ويختلف عن الذين تناوبوا على قيادة المعتقل فأراد السادات أن يرد له الجميل، وعلوي حافظ الضابط السابق والنائب الوفدي فيما بعد كان يسكن مع السيدة والدته في ذات العمارة التي كان يسكنها السادات قبل الثورة في منيل الروضة، وكانت والدة علوي حافظ تعتبر السادات أخًا أكبر لابنها، وعندما أصبح السادات سكرتيرًا عامًا للمؤتمر الإسلامي عيّن علوي في المؤتمر بمرتب كبير، وسلمه مفتاح سيارة مرسيدس 190 سوداء.
أما عبدالخالق كامل، اللواء المتقاعد، فقد كان السادات مرؤوسًا له خلال عمله بالقوات المسلحة، فلما أحيل عبدالخالق إلى التقاعد عيّنه السادات مديرًا لإدارة المراسم بالمؤتمر لكي يستمتع كل صباح برؤية الرجل وهو ينتظره على باب المبنى، ليفتح له باب السيارة ويسير وراءه حتى يدخل إلى غرفة مكتبه. أما حسن جعفر ابن المرحوم المستشار صالح بك جعفر الذي رزق به من زوجته الألمانية والأخ غير الشقيق للجاسوس الألماني هانز ابلر والذي عينه السادات وكيلًا لإدارة المراسم، فقد كان زميل السادات في المعتقل وكان هو الذي علّمه اللغة الألمانية خلال إقامتهما في المعتقل واستمر يعطيه دروسًا فيها بعد عودته إلى الجيش. وكامل عابدين بلديات السادات أصبح هو الآخر من كبار موظفي المؤتمر وتم تكليفه بمهمة خاصة هي الإشراف على بناء مقبرة في قرية ميت أبو الكوم بلد السادات لينقل إليها رفات السيدة والدته التي توفيت ودفنت في مقابر القرية وأراد السادات أن يكرمها فقرر أن ينقلها إلى مقبرة خاصة. أما محمد زكي عصمت الضابط في سلاح الفرسان فقد كان ينحدر من أصل تركي ويتصل بقرابة للفريق عزيز المصري الذي طلب من السادات أن يجد له عملا، وكان السادات لا يرد له طلبًا لأسباب تعود لتاريخهما المشترك، لذلك عين محمد زكي عصمت "تشريفاتي" في السكرتارية العامة، ثم غضب عليه ففصله، وكانت آخر وظيفة شغلها قبل إحالته إلى المعاش رئيس هيئة التأمين والمعاشات".
في موضع آخر من كتابه يحدثنا أحمد طلعت عن أحمد عبدالغفار الذي كان أطول من بقي في منصب السكرتير العام المساعد للمؤتمر الإسلامي الذي تقلب عليه قبله كثيرون فيقول: "في بداية عمل عبدالغفار بالمؤتمر الإسلامي كان إلى جانب ذلك عضوًا منتدبًا للبنك العقاري العربي، تصادف أن أُحيل السيد صفوت رؤوف والد السيدة جيهان السادات إلى التقاعد من عمله في وزارة الصحة، والتقط عبدالغفار هذا الخيط وعيّن صفوت رؤوف سكرتيرًا عامًا للبنك العقاري العربي، كان اللقب يتناسب مع صهر وزير الدولة وسكرتير عام المؤتمر الإسلامي، وكان الراتب الشهري يسمح للأسرة بأن تعيش في المستوى الذي يحب السادات لأسرة زوجته بأن تعيش فيه، وكان ما فعله عبدالغفار ضربة معلم ضمنت له أن يحتفظ بموقعه إلى جانب السادات، ما دام صهر السادات محتفظًا بوظيفته في البنك العقاري".
لا ينفصل عن ما سبق تفاصيل يرويها أحمد طلعت عن رحلة صعود شخصية كانت مثيرة للجدل في عهدي عبدالناصر والسادات، هي شخصية أحمد يونس الذي أوصله عمله السياسي مع أحد ضباط يوليو، السيد وجيه أباظة، ليكون عضوًا بمجلس الأمة، وعندما حدثت أزمة مايو 1971 وانقسم أعضاء مجلس الأمة حولها، راهن أحمد يونس على السادات وكسب الرهان، فكافأه السادات بأن عيّنه رئيسًا للإتحاد العام التعاوني الزراعي، فأصبحت له بحكم منصبه الجديد اليد الطولى في الإشراف على التعاونيات من الإسكندرية حتى أسوان، لكن ذكاءه، كما يقول طلعت، خانه فاعتبر نفسه فوق منزلة الوزراء وتعامل معهم بغطرسة استنادا إلى ثقة السادات فيه، وهنا أخطأ خطئًا نقله في لمح البصر من خانة المرضي عنهم إلى خانة المغضوب عليهم، كان ذلك عندما دعا السادات لحضور مؤتمر للإتحاد التعاوني، وعندما وافق السادات أعلن عن حضوره هو وكبار المسئولين، ويوم انعقاد المؤتمر أبلغه معاونوه باعتذار السادات ومن بعده اعتذر رئيس الوزراء، فكانت تلك صدمة قاسية له جعلته يخرج عن شعوره فيقول في الميكروفون "لقد دعونا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لإفتتاح المؤتمر وقد قبلا الدعوة، لكنهما اعتذرا في آخر لحظة، والله اللي عايز ييجي ييجي واللي مش عاوز عنه ما جه"، لتنقل تلك العبارة إلى السادات الذي غضب منها، فانفتحت أبواب جهنم على أحمد يونس، ليبدأ موسى صبري رئيس تحرير جريدة الأخبار المقرب من السادات بشن حملة شديدة على يونس واتحاده، لم تتوقف إلا بإقالته وتقديمه للمحاكمة لتزول السلطة والنفوذ ويعود مزارعًا في قريته لا يزوره أحد ممن كان أقصى أملهم أن يقابلوه، وكان كل ما استطاع أن يفعله انتقاما من السادات هو أن يصوت في مجلس الشعب ضد كامب ديفيد ضمن 11 عضوًا عارضوا المعاهدة، وتشاء الأقدار أن يموت أحمد يونس بأزمة قلبية قبل أن يصدر حكم القضاء ببراءته مما نُسب إليه، وقبل أن يكتب موسى صبري في جريدة الأخبار كلمة اعتذار للمتهم الذي رحل إلى العالم الآخر.
ـ الجزء الأول من فصل من كتابي (البهاريز)، يصدر قريبا بإذن الله.
آراء أخرى
السوابق المصرية في تغيير مشاهد المسرحية السياسية
«من وحي المشهد في استاد القاهرة يوم 15 يوليو الحالي، لما سُمي «المشروع القومي حياة كريمة»»
صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952
«مقدمة كتاب «صحوة الموت.. الفصل الأخير في رواية يوليو 1952»، لعبد العظيم حماد، ويضم مقالات منشورة على موقع مدى مصر»
تدوينة عن النكسة والثورة والجراح الممتدة: معنى الغمر بالماء
«هل استطاع انتصار 1973 مداواة الشعب المصري من أثر النكسة؟ كيف تُحفر الجروح عميقًا في أعماق الناس، حتى وإن أنكروها»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد