ماذا تقول لنا البطة ذات المائة عام؟
فرنسا فى سبتمبر ١٩١٥، عام تقريبًا منذ اكتشف البشر قدرتهم على خوض حرب عالمية وقتل الآلاف بطرق أسهل وأسرع وأبشع، عام تقريبًا من فرنسا الخائفة القلقة والمتوقفة عن الحياة بالمعنى الفرنسى، كل مظاهر البهجة والمرح والتسلية توقفت قلقًا أو ركودًا أو بأوامر من الدولة، الشعارات الفارغة هى الصوت الوحيد والحقيقة كالعادة أول ضحايا الحرب، الرقابة فى فرنسا هى الأسوأ والأشد وربما الأغبى كذلك؛ حتى أن بائعي الجرائد منعوا من النداء عليها بحجة عدم إقلاق المواطنين.
موريس مارشال صحفى شاب معارض للحرب جمع مدخراته المحدودة هو وزوجته لإنشاء جريدة تكسر هذه الحالة وكل القواعد الصحفية، جريدة أسبوعية ساخرة بطاقم محدود للغاية حتى أن زوجته ستعمل كسكرتيرة وستوزع بنفسها الجريدة على دراجة، ستصبح هذه الجريدة لمدة مائة عام قادمة أهم جريدة أسبوعية في فرنسا وأوسعهم انتشارًا، وستظل دومًا نموذجًا فريدًا فيه قدوة حسنة لمن كان يرجو صحافة مستقلة.
***************
فى فرنسا ٢٠١٥ الصحافة بلا أنياب، التحقيقات فريضة صحفية شبه غائبة، والاتهامات الحادة للحكومات والسياسيين أمر نادرًا ما تقرأه، العلاقات القريبة بين الصحافيين والسياسيين على مدى عقود وانتماء الجرائد لتوجهات وأيدولوجيات وأحزاب بعينها شكلت حاجزا ضد الانتقاد الواسع والحفر بعمق، وصارت الصحافة فى فرنسا جزءًا من الدولة حتى لو لم تملكها. النتيجة المباشرة هى انصراف القارئ عنها؛ فعدد قراء الصحف فى فرنسا أقل دومًا من مثيله فى دولة مثل بريطانيا وألمانيا، والجريدة اليومية الأكثر مبيعا ليست لوموند ولا لوفيجارو، بل جريدة ويست فرنس المحلية التى تصدر فى مقاطعة رينييه، والنتيجة النهائية أزمات مالية فى الصحف أزدادت بحدة عند تراجع الجرائد المطبوعة أمام الانترنت، وعصفت هذه الأزمة بكبريات الصحف الفرنسية حتى بيعت ملكيتها لرجال أعمال قريبين من السلطة وتكتلات اقتصادية؛ حتى أن جريدة ليبراسيون التى أسسها الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر فى السبعينيات بيعت نسبة متحكمة فيها لأحد أفراد عائلة روتشيلد.
جريدة واحدة لم تتأثر، جريدة ما زالت بنفس السعر منذ ثلاثين عامًا وبنفس التصميم منذ مائة عام؛ تطبع فى ثماني صفحات بلونين فقط، الأسود والأحمر، وتحتوي على الكلام والكاريكاتير بدون أى صور، ليس لها وجود تقريبًا على الانترنت ولا تصرف مليمًا أو ما يعادله على الدعايا أو التسويق، ولم تقبل طوال تاريخها أية إعلانات، طاقمها المحدود هو مالكها وهو الأعلى أجرًا فى فرنسا باستثناء رئيس التحرير، هى الأكثر ثباتًا وفى أحيان كثيرة الأعلى مبيعًا بنصف مليون نسخة، ساخرة، استقصائية، أسبوعية، ويخافها كل سياسي فرنسي، كانت تاتشر تقرأها لتتابع أحوال فرنسا وبهذا نصحت أنجيلا ميركل، أسسها موريس مارشال منذ مائة عام وأسماها "لو كانار إنشينيه"؛ والترجمة غير الكافية للاسم هى البطة المقيدة، ولديها ما تقوله لنا وخصوصًا للصحافة المصرية.
***************
قبل ويكيليكس كان هناك "لو كانار إنشينيه" وبعد ويكيليكس كان هناك "لو كانار إنشينيه" - قارئ بريطاني
***************
فى خطابه الأول بعد قيام الحرب العالمية الأولى؛ صك الرئيس الفرنسي بوانكاريه مصطلح الاتحاد المقدس تعبيرًا عن تحالف كل الشعب الفرنسي للدفاع عن وطنه، وأعلنت أغلب المعارضة انضمامها لهذا الاتحاد المقدس ومساندتها للحكومة والجيش الفرنسي، حتى أن قوى يسارية قررت أنها لن تدعو لأية إضرابات فى ظل هذه الظروف، وجذبت اللمسة الدينية المتدينين الذين ما زالوا لم يتقبلوا فصل الدولة عن الكنيسة منذ عشر سنوات، وبهذا صار تعريف الوطنية هو دعم الحكومة وتماسك النخبة السياسية وترابط الشعب الفرنسي، والتوحد مع نغمة تمجيد الحرب والتضحية والموت في سبيل فرنسا بدون أي لكن، وصارت هذه هى المهمة الوحيدة المسموح بها للصحافة التى تقبلتها بسرور، وبالتطوع أحيانًا بأكثر من المطلوب.
فى العام ١٨٧٠ ساعدت الأخبار فى الجرائد الجيش الألماني على معرفة مواقع الجيش الفرنسي، عند قيام الحرب العالمية الأولي كانت هذه الواقعة مبررًا قويًا لتشديد الرقابة على الصحف، ولم تشمل الرقابة فقط الأخبار العسكرية؛ بل كانت تشمل أيضًا أي ذكر لمآسي الحرب وبشاعتها أو حالة الجنود وآلامهم، لكن هدف الرقابة الأساسي كان منع الانتقادات السياسية الحادة وفضائح السياسيين، وذلك بحجة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وعدم تشويه رموز الوطن فى هذه الأوقات الحرجة، وتفرغت الصحافة كلها تقريبًا للأكاذيب والدعاية الفارغة وغسيل الأدمغة، كان هذا الوضع هو الجنة بالنسبة للسياسيين.
فقط قلة كانت تميز بين موقفها من فرنسا وجنودها وموقفها من الحكومة والحرب، وكان هؤلاء بالطبع بالنسبة لباقى الشعب المنضم للاتحاد المقدس مجموعة من الانهزاميين مشكوك فى وطنيتهم لا بد ألا يُسمع ولا يقرأ لهم، واتفق بشكل عام على تفضيل الرقابة المسبقة تجنبًا لأي جدل تؤدي إليه مصادرة الصحف أو محاسبة الصحفيين، وفى زمن كانت الطباعة فيه عملية طويلة معقدة يصعب التعديل فيها، صار مألوفًا أن تخرج الصحف بمواضع بيضاء خالية من أخبار ومقالات انتزعتها الرقابة، ومع الوقت صار فى فرنسا أربعمائة رقيب مركزي وخمسة آلاف رقيب محلي تتضارب أوامرهم، وكانت أوامر المنع فى بعض الأحيان كثيرة لدرجة يصعب معها مراقبة تنفيذها كلها مما أدى لتجاهل بعضها من الصحف، وفى نهايات ١٩١٤ حظرت الرقابة "الرجل الحر- لأوم ليبر"، جريدة جورج كليمنصو- الصحفى ورئيس وزراء فرنسا السابق- والذي غيّر اسم الصحيفة عند عودتها إلى "الرجل المقيد - لأوم إنشينيه"، وبوحي من هذا الاسم سمى موريس مارشال صحيفته الساخرة لو ك"انار إنشينيه".
"لو كونار" تعني البطة وتعني كذلك الجريدة والإشاعة، هذا التلاعب بالكلمات والحيل اللغوية لا يقتصر على العنوان بل هو قلب لغة "لو كانار إنشينيه" طوال تاريخها، وهو أحد أدواتها للمناورة والسخرية من الرقابة والمساءلة، وفي افتتاحية عددها الأول؛ وعدت البطة قراءها بالأكاذيب والأشياء غير المفيدة لأن القارئ مل من الحديث فى السياسة والاقتصاد والأخبار الصادقة، وبهذا يمكن لـ"لو كانار" القول بأن الأخبار والدعايا الرسمية تافهة وكاذبة بمجرد نشرها، ورغم هذا المكر توقفت "لو كانار" بعد خمسة أعداد فقط من بدايتها بسبب ضغوط رقابية.
لم يدم هذا التوقف طويلاً، فى صيف ١٩١٦ عادت الجريدة بثقة وطاقم أكبر وأكثر ثباتًا، وصاحت البطة المقيدة فى رسم كاريكاتيري مواجهةً مقصا يشير للرقابة "يمكنك أن تأخذ ريشي ولكن لن تأخذ جلدي" ولكن الجملة كانت تحمل معنى آخر أيضًا "يمكنك أن تأخذ قلمي ولكن لن تهزمني"، ستخوض البطة في السنين التالية حربًا خاصة ضد الرقابة وسيساعدها في ذلك الجنود الفرنسيين.
كانت صحافة الخنادق هى الطرف الآخر فى المواجهة ضد الرقابة والبروباجندا مع "لو كانار إنشينيه"، كانت الصحف التى يحررها مجموعات من الجنود تُعبر عن مآسي الحرب وآلامها فى مقابل اكتفاء الدولة والصحف بصورة رومانسية للحرب تملأها التضحيات والبطولات، وكان من الصعب أن تتعرض الرقابة لصحف يصنعها أولئك الذين يواجهون الموت فى الخطوط الأمامية، وعبرت تلك الصحف للمجتمع الفرنسي، كما عبرت "لو كانار" للخنادق وصارت الجريدة الأكثر تداولًا بين الجنود، جعل هذا "لو كانار" هدفًا لرقابة أشد، ولم تخرج البطة من المعركة بدون جروح بيضاء على صفحاتها؛ ولكن الذكاء والسخرية حافظا على قدرتها على توصيل أفكارها، وكانت "لو كونار" تمرر بعض مواضيعها الممنوعة للجرائد اليومية فى اليوم التالي دون أن تنتبه الرقابة، فسرت البطة هذا بأن الرقيب يقرأ الجرائد اليومية كلها فى ساعتين بينما يقرأ "لو كانار" فى أربعة ساعات.
انتهت الحرب بانتصار فرنسا و"لو كانار إنشينيه"، وصل توزيعها لمائة ألف نسخة؛ واحتفالاً بانتهاء الحرب والرقابة غيرت اسمها لعدة أشهر إلى "لو كانار دينشينى – البطة المحررة"، وواصلت فى الفترة بين الحربين العالميتين سخريتها وتميزها واستقلاليتها وإن تأرجح موقفها المادي بين الحين والآخر، فى عام 1924 أعلنت لقارئها أنها قد تضطر لقبول الإعلانات، ولكن بعد شهرين تقريبًا هنأت نفسها على تراجعها عن الفكرة، وظلت تشارك فى فضح الفساد السياسي والمالي حتى توقفت عن الصدورعندما دخل الرايخ الثالث الألمانى باريس فى عام 1940.
ذات يوم أشار بيير بيروسوليه أحد رموز المقاومة الفرنسية لملصق فيلم "ذهب مع الريح" وقال لرفيقه: "بالنسبة للفرنسيين ستنتهى الحرب عندما يستطيعون مشاهدة هذا الفيلم الرائع وقراءة "لو كونار إنشينيه"، كان هذا حقيقيًا جدًا، وعندما عادت فرنسا فى 1944 عادت "لو كانار" بعدد تخطى نصف مليون نسخة لأول مرة، ولكن موريس مارشال لم يكن موجودًا ليشهد هذه الحفاوة؛ فقد توفي فى 1942.
بناءً على رغبته، قامت جين زوجة موريس وشريكته بإنشاء شركتين، أحداهما تملك اسم "لو كونار إنشينيه" والأخرى تدير وتنشر الجريدة ويملكهما العاملين بها، على ألا يحق لأى منهم توريث حصته أو الاحتفاظ بملكيته فى حالة تركه للجريدة، كما لا يحق لأى منهم العمل فى نفس الوقت لأى جريدة أو المساهمة فى أى شركة أو شراء أسهم فى البورصة أو تلقى هدايا أو جوائز من أى جهة، وفى المقابل ينتفع العاملون بنسبة من الأرباح ويتلقون أجورًا مرتفعة نسبيًا، ويحتفظ بباقي الأرباح كاحتياطي للجريدة يضمن استقلاليتها وثباتها، وما زالت ملكية الجريدة وأرباحها بنفس التنظيم تقريبًا.
كانت الخمسينيات نقطة تحول هامة لـ"لو كانار إنشينيه"، بطبيعتها المعادية للحرب كانت "لو كانار" تقف بجانب استقلال الجزائر وتشارك فى فضح الانتهاكات والجرائم، وأعادت نشر موضوعات ممنوعة، أحدها كان مقالا مشهورًا لسارتر عن التعذيب فى الجزائر، جعلها هذا فى تحدي مع الدولة، وبدافع من هذا التحدي أضافت لخلطتها الخاصة التسريبات الحكومية والتحقيقات سواءً بخصوص قضية الجزائر أو أي شأن فرنسي داخلي أو خارجي، وكانت رائدة فى ممارسة الصحافة الاستقصائية قبل حتى أن تخترع الكلمة، لم تعد البطة بالنسبة للسياسيين فقط كابوسًا مزعجًا بل صارت خطرًا حقيقيًا ومرعبًا يصدر كل أربعاء، ولم تتخل "لو كونار" عن أسلوبها الخاص؛ ظلت السخرية والتلاعب بالكلمات والأسماء الكوميدية والمستعارة درعًا يحميها، ولذلك صرح أكثر من مسئول أن "لو كانار" لا تتعرض لنفس القدر من المساءلة والرقابة لأنه لا يريد أن يبدو كأحمق.
***************

***************
قال قارئ فرنسي لـ"أسوشتيد برس" فى بداية الستينيات "مادامت "لو كونار" موجودة تأكد أن الأمور ليست سيئة للغاية فى فرنسا"، فى هذه الفترة كان شارل ديجول قد صار رئيسًا، وكان يحرص فى صباح كل أربعاء على أن يسأل "ماذا قال الطائر"، دعمت "لو كونار" خطواته فى اتجاه استقلال الجزائر، لكن عارضت نفوذه القوي الطاغي على مؤسسات الدولة، وخصصت له باب شهير باسم المحاكمة كانت ترسمه فيه كملك وأطلقت عليه ديجول الرابع عشر.
عندما جاء بومبيدو للرئاسة بعد ديجول كانت نصيحته الأولى لمسئوليه هي ألا يفعلوا شيئًا يمكن أن يكتب فى "لو كانار إنشينيه"، لم تؤت هذه النصيحة أثرها؛ خاصة بالنسبة لجاك دلماس رئيس الوزراء الذى أثبتت "لو كونار" من خلال سجلاته الضريبية عدم دفعه لضرائب لمدة أربعة سنوات مستغلاً ثغرة قانونية؛ واضطرته الفضيحة للخروج من منصبه. خلال فترة بومبيدو أيضًا ضُبط أفراد من الأمن الفرنسي متنكرين كسباكين يحاولون دس ميكروفونات فى مقر "لو كانار إنشينيه" الجديد لمعرفة من هم مصادر الجريدة، حاول الأمن إنكار علاقته بالأمر لكن "لو كانار" من خلال مصادرها القوية بدأت فى نشر أسماء الأفراد والضباط المسئولين عن العملية، وفى وسط أجواء فضيحة السباكين توفي بومبيدو، وأسفرت الانتخابات عن تولي فاليري جيسكار ديستان.
فى الشهور الأولى قالت "لو كانار" عن جيسكار وسهراته الليلية "كان لدينا رئيس قليلاً ما يعمل بسبب المرض (تقصد بومبيدو) والآن لدينا رئيس قليلاً ما يعمل بسبب الامتلاء بالصحة". كانت العلاقة بين "لو كانار" وجيسكار وموظفيه هى الأكثر حدة، لذلك لا يستغرب أن يتهم جيسكار الجريدة بأنها السبب فى انتحار أحد وزراءه، وقرب انتهاء ولايته الأولى واقتراب الانتخابات؛ قالت "لو كانار" إن جيسكار تلقى عام ١٩٧٣- عندما كان وزيرًا للمالية- عددًا من الماسات كهدية من بوكاسا ديكتاتور أفريقيا الوسطي، لم ينكر جيسكار الأمر، وقال أنها كانت ماسات صغيرة للزينة وأنه تبرع بها للأعمال الخيرية، وهو ما أثبتت "لو كانار" عدم صحته، كلف الأمر جيسكار فترة الرئاسة الثانية التى خسرها لصالح ميتران.
تُتهم "لو كونار" بأنها أجلت الكشف عن فضيحة الماسات لمدة شهرين حتى تكون مؤثرة أكثر فى ترجيح كفة ميتران، وبشكل عام تتهم أنها كانت أقل حدة مع ميتران وحكومته لكونه يمثل اليسار الفرنسي، وربما فقدت "لو كانار" بعضًا من محرريها اعتراضًا على هذا، ولكن البطة عادت لتعض من جديد مع نهاية عهد ميتران، واتهمت بالتسبب فى انتحار وزير آخر، وعلمت "لو كانار" بوجود ابنه غير شرعية لميتران قبل أن يُعلن هذا بسنوات، لكنها رفضت النشر لإيمانها أن حدودها تقف عند أبواب غرف النوم ما دام هذا لا يؤثر فى عمل المسئول، وهو ما يؤمن به أغلب الفرنسيين، وفى فترة ميتران أيضًا تابعت البطة الفساد المتورط فيه عمدة باريس جاك شيراك لكن الفرنسيين لم يروا مانعًا في اختياره رئيسًا لمدتين.
بينما كانت باقى الجرائد الفرنسية تعاني فى فترة ساركوزي، كانت أرقام "لو كانار" تزدهر، كان الفرنسيون يتابعون مذكرات كارلا بي وهى يوميات متخيلة لزوجة رئيس فرنسي فى إشارة لكارلا بروني زوجة ساركوزي، ولكنهم أيضًا كانوا يتابعون كالعادة البطة وهي تقلق المسئولين وتقصيهم، فى عام ٢٠١٠ وحده تسببت فى أقصاء ستة مسئولين بتحقيقات مختلفة، ووصل هذا بتوزيعها لنصف مليون نسخة، وصار احتياطي الجريدة كافي لأن تغطي نفقاتها لثلاث سنوات بدون أن تبيع أي نسخة، نعرف هذه الأرقام لأن "لو كونار" تنشر حسابتها مرة كل عام رغم أنها غير ملزمة قانونًا بهذا، وقد انخفض التوزيع مع وصول اليسار مرة أخرى للإليزيه عبر هولاند، وتقول "لو كونار" بإن هذا متوقع وحدث سابقًا فى أول عهد ميتران، لأن جزء من قرائها المؤيدين لليسار لا يحب أن يقرأ نقدًا أو اتهامات موجهة لحكومة يسارية على صفحات "لو كانار إنشينيه".
ولا تصنف "لو كانار" نفسها كجريدة يسارية أو يمينية بل جريدة مستقلة توجه الاتهامات لأى طرف أيًا كان انتماؤه، والانتماء الوحيد تاريخيًا لـ"لو كانار" أنها معادية للحرب ولسيطرة رجال الدين، لكن الاشتباك فى نقد الأديان ليس أمرًا يشغل "لو كانار" أو يتداول على صفحاتها، ولا يذهب الكلام والسخرية فى هذا السياق فى "لو كانار" بعيدًا كما هو الحال فى "شارلي إيبدو"، ومع هذا أعلنت "لو كانار" بعد حادث "شارلي إيبدو" الشهير أنها تلقت تهديدات جادة بما يكفي للتحقيق فيها.
"البطة الحقيقية" هو عنوان كتاب صدر فى ٢٠٠٨ يرصد ما يقول مؤلفاه أنه تغير فى مصداقية واستقلالية الجريدة منذ ميتران وحتى ساركوزي، ويتهم المؤلفان "لو كانار" بنشرها عدد من التحقيقات غير الحقيقية أو التى لم تثبت صحتها، وبأنها كانت متساهلة مع ميتران وحكومته لقرب أفراد فيها منه، وأن ساركوزي من خلال مقربين منه كان يسرب الحوارات التى تنشر فى باب مذكرات كارلا بي لتوصيل رسائل معينة للشارع، ويعتبر المؤلفان أن استقلالية "لو كونار إنشينيه" المادية وتاريخها العريق جعلا منها تابو لا يجروء أحد على الاقتراب منه.
تؤكد "لو كانار" دومًا على صحة مصادرها، ويؤكد هذا قائمة طويلة جدًا تكاد تتمدد أسبوعيًا من الفضائح والاتهامات والتسريبات التى ثبتت صحتها، تعتمد "لو كونار" على الآلاف من مطلقي الصافرات- وهم الاشخاص الذين يبادرون بتسريب ونقل المعلومات عن المخالفات والفساد، وبالنسبة لأى فرنسي لديه معلومة عن فساد أو تلاعب تعد "لو كانار إنشينيه" هي الخيار الأول، بل إنها هي الخيار الوحيد تقريبًا لأى صحفي لديه معلومات قد تمتنع جريدته عن نشرها بسبب انحيازها ومصالحها، وتتعامل "لو كانار" مع مصادرها بسرية وحرص شديدين. عُرف عن أحد صحفيات "لو كانار" أنها تحمل هاتفًا محمولاً تتخلص من شريحته بعد كل مصدر، خاصة أن بعضهم قد يكونوا موظفين رفيعو المستوى فى الإليزيه ومجلس الوزراء، وهذا هو ما جعل "لو كانار" بالنسبة للمسئولين كالقدر الذي قد يخبئ لهم أي شئ من كبرى فضائحهم حتى أحاديثهم الجانبية، قدر يتعجلونه فى استسلام بطلب نسخهم فى مساء الثلاثاء قبل أن يطلع عليها مئات الآلاف صباح كل أربعاء.
على الإنترنت تتواجد "لو كونار" بموقع وحساب تويتر لا يقدمان أى شئ تقريبًا سوى الصفحة الأولى من الجريدة كل أسبوع، الغرض الحقيقي منهما منع آخرين من انتحال صفة البطة المقيدة، وكما قيل فى واجهة الموقع يؤمن القائمين على "لو كانار إنشينيه" أن دورهم هو إعلام القارئ وتسليته بالحبر والورق، وهو موقف تسويقي ناجح، كما أنك عند زيارتك لمقر "لو كانار إنشينيه" ستشعر بأنه موقف متوائم جدًا مع هذا المكان، فهناك القليل من الأجهزة الإليكترونية وحوالي نصف الكتاب ما زالوا يكتبون مقالاتهم على الورق، ويبدو المقر كما وصفه أحد أفراد طاقم "لو كانار": "كموقع تصوير لمسلسل جريمة قديم" ، هذه تفاصيل تجعل تجربة "لو كانار" تبدو كقصة مفتعلة أو ملفقة، لكنها فى الواقع الجريدة الحقيقية الوحيدة فى فرنسا.
****************
فى مصر ٢٠١٥ صحفيين بلا صحافة، المؤسسات الصحفية إما تابعه للدولة أو لرؤوس أموال مصالحها مع الدولة، وحتى بعض النوافذ التي تفتح للمعارضة تفتح بحسابات ومصالح ليست الحقيقة أحدها، والمحاولات الفردية داخل كل المؤسسات السابقة لا تترك أثرًا أطول من أثر الماء على رمال الصحراء، لكن هذا يبدو بسيطًا عندما نضيف له صحفيين يقتلون ويحبسون وجرائد تصادر وتغلق وقرارات بحظر النشر وقوانين تعاقب من يُكذّب الدولة فيما تقول أو تنوي أن تقول.
"لو كانار إنشينيه" جريدة فرنسية جدًا؛ لا يشغلها سوى الشأن الفرنسي ولا تهتم بنا وليس لديها ما تقوله لنا، لكن شعارها الذي تكرره وتصر عليه موجه لكل صحفي فى العالم وربما لكل الناس، هذا الشعار كان يصلح كنصيحة قيمة بعد الثورة، لكنه الآن لا يصلح إلا كعظة تقال بصوت رخيم كنهاية مبتذلة لفيلم عربي مأسوي، يقول شعار البطة المقيدة "حرية الصحافة لا تسلب إلا عندما لا تستخدم".
--------------------
مصادر:
خبر صدور لو كانار إنشينيه من نيويورك تايمز
الصحافة والرقابة فى فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى
كتاب: حرب وذاكرة وسياسات السخرية: "لو كونار إنشينيه" والحرب العالمية الأولى
موضوعات عن "لو كانار إنشينيه":
تقرير مجموعة إنوفيشان "الإبداع فى الصحف ٢٠١٢"
آراء أخرى
الشعبوية في عالم مختلف
«لماذا لن تستمر طويلًا الموجة الشعبوية الحالية؟»
مائة عام من الحرب
«يبدو أن "العالم الغربي" يحتاج أن يتغذّى على الحرب حتى يعيش. فمنذ 1914 وحتى يومنا هذا، تقريبًا بلا انقطاع، يحارب "العالم الحر" ضد عدو ما، متغير،…»
ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»
« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد