لماذا لم ينجح الإخوان المسلمون بالمغرب في اختبار الديمقراطية؟
بعد فوز حزب العدالة والتنمية عام 2016 للمرة الثانية على التوالي بأكثرية مقاعد البرلمان في الانتخابات التشريعية المغربية، مُنح أمينه العام، عبد الإله بنكيران، صلاحية تشكيل الحكومة، لكنه لم يوفق في تشكيلها بسبب عزوف الأحزاب المغربية عن المشاركة في ائتلاف حكومي معه. وبعد خمسة أشهر من المفاوضات المتعثرة، قرر الملك محمد السادس إعفاء بنكيران من منصبه، وتعيين سعد الدين العثماني (زميل بنكيران في العدالة والتنمية) خلفًا له، ليتمكن الأخير من تشكيل الحكومة في ثمانية أيام فقط، متضمنة تلك الأحزاب التي لم تنضم لائتلاف بنكيران.
هذا التعثر في تشكيل الحكومة، والذي عرف بـ«البلوكاج»، كان بداية الاهتزاز الفعلي لحزب العدالة والتنمية، وجعل مسيرته في الفترة الحكومية الثانية مليئة بالعقبات والأزمات الداخلية والخارجية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى فوز حزب التجمع الوطني للأحرار (ليبرالي) في الانتخابات التشريعية عام 2021 بأكثرية المقاعد البرلمانية (102 مقعد) مقابل 12 فقط للعدالة والتنمية. وهو ما عَنى خسارة «العدالة والتنمية» فرصة تشكيل الحكومة بعد فترتين متتاليتين من رئاستها.
نتيجة لتلك الهزيمة المدوية، أُقيم المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية، في 30 أكتوبر الماضي، لإجراء اقتراع على منصب الأمين العام للحزب، وكانت نتيجة ذلك الاقتراع هي عودة بنكيران مرة أخرى ليقود الحزب في فترة تختلف تمامًا عن فترة 2011-2016، وتشبه بداياته في ذلك المنصب الذي تولاه لأول مرة عام 2008، مع بعض الاختلافات الجوهرية.
من خلال ذلك التتابع للأحداث ننطلق في تفكير مشترك مع الصحفي الميداني المغربي، أسامة باجي، والباحث في العلوم الاجتماعية، مروان بن فارس، والباحث الاقتصادي فؤاد عبد المومني، محاولين الإجابة على سؤالين: لماذا سقط حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية؟ وما العقبات التي تنتظر بنكيران مع توليه الأمانة العامة للحزب مجددًا؟
لماذا «البلوكاج»؟
قد يتساءل القارئ: لماذا نبدأ من محطة «البلوكاج»، وهي المحطة التي يراها فؤاد عبد المومني1 متقدمة نسبيًا في مسيرة الحزب برئاسة الحكومة. لكنها كاشفة بوضوح لسياسة الحزب التي مكنته من الوصول للحكم؛ وهي تقضي بعدم الصدام مع ممثلي القصر من أحزاب (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة)، أو أي وزراء يرشحهم الديوان الملكي.
كان بإمكان الحزب حل أزمة «البلوكاج» بقبول دخول حزب الاتحاد الاشتراكي اليساري إلى الائتلاف الحكومي، ما كان سيوفر أغلبية برلمانية مريحة في ائتلاف تشكيل الحكومة بـ208 مقاعد، مكونة من أحزاب: العدالة والتنمية (125 مقعدًا)، التقدم والاشتراكية (12 مقعدًا)، الاستقلال (46 مقعدًا)، الاتحاد الاشتراكي (20 مقعدًا)، ولكنه اشترط لذلك الدخول قبولًا مبدئيًا لبنود الائتلاف الحكومي الموضوعة مسبقًا دون أي تحفظات أو اعتراضات. رغم أن تلك الشروط المجحفة لم يتم فرضها على «التجمع الوطني للأحرار» الذي ظل بنكيران يفاوضه طيلة الخمسة أشهر.
وقد أدى التشكيل الجديد ذو الأغلبية الحزبية القريبة لاتجاه حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى عرقلة مسار الحكومة عدة مرات من قبل الأحزاب التابعة للقصر الملكي، وأيضًا من قِبل القصر الملكي بشكل مباشر. ولم تنعم الحكومة على المستوى السياسي بالاستقرار الكافي الذي يجعل أي فصيل سياسي يحقق برنامجه (إذا ما اعتبرنا أن حزب العدالة والتنمية كانت له أجندة سياسية واقتصادية). ففي أغسطس عام 2019 -بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة- قرر الملك إعفاء عدد من الوزراء من مناصبهم، كما قلص عدد الحقائب الوزارية من 39 إلى 24 حقيبة. وبعد مرور عام آخر، طالب أعضاء من حزب الأصالة والمعاصرة أمينهم العام، حكيم بنشماش، ورئيسة المجلس الوطني للحزب، الزهراء المنصوري، بتقديم التماس للرقابة بالبرلمان، يطالب فيه الحزب بإسقاط الحكومة، لما اعتبروه فشلًا في تدبير الملفات الاجتماعية. كما حدثت حرب خطابات بين «العدالة والتنمية» و«التجمع الوطني للأحرار» بسبب ما عرف بقضية «مشكلة التجار». ونتيجة لكل تلك الاضطرابات، طلب الملك محمد السادس عام 2021 من رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، تقديم مقترحات أسماء يتم بها تجديد دماء الحكومة، كفاءات وطنية مستقلة تُرشح على أساس الجدارة والاستحقاق. ليعلن حزب التقدم والاشتراكية انسحابه من الائتلاف الحكومي، منضمًا لجناح المعارضة.
تغيير حكومي وراء تغيير حكومي، وأزمة وراء أزمة، ومع كل تعثر سياسي يخسر الحزب مساحة سياسية في الحكومة، أو حليف من الأحزاب من خارج دائرة تحالفاته الإسلامية.
أما على المستوى الداخلي للحزب، كما يرى أسامة باجي2 فبعد تولي العثماني رئاسة الحكومة، انقسم الحزب إلى تيار مؤيد لرئيس الحكومة المعزول عبد الإله بنكيران، وقد كان مع خروج «العدالة والتنمية» من الحكومة والانضمام لصفوف المعارضة، بعد إعفاء بنكيران من منصبه. وتيار آخر يدعو إلى دعم عثماني، لأن سياسة الحزب مبنية على وجود كيان مؤسسي، لا يتأثر أو ترتبط برامجه بوجود أشخاص بعينهم من عدمه.
وانعكس ذلك الانقسام بشكل واضح على المجلس الوطني للحزب، والذي يضم قيادات محلية وجهوية. كما أثر على استقرار الوضع داخل صفوف «شبيبة» الحزب، والتي تعد من المجموعات ذات التأثير الواسع بالمغرب على المستويين الاجتماعي والسياسي. يقول أسامة الباجي: «التذبذب الواضح لموقف الحزب الداخلي، ساهم في استقالة عدد ملحوظ من الأعضاء، وهو ما أنذر بفقدان الحزب مشروعيته السياسية والاجتماعية».
فشل في إدارة اللعبة الاقتصادية
لم تستطع السياسة الاقتصادية التي انتهجها الحزب في فترته الأولى بالحكومة الصمود، والتي اعتمدت على جانبين: الأول هو محاولة امتصاص غضب الحراك الشعبي بقرارات اقتصادية تحسينية مؤقتة، لضمان استيعاب غضب الشعب. والجانب الثاني هو الحفاظ على رجال الأعمال والمستثمرين الذين طالتهم تهم الفساد داخل البلاد لضمان عدم تعثر الاقتصاد المغربي، وذلك بتجنب ملاحقتهم بأي قضايا أو محاسبات ضريبية، بحسب ما يرى مروان بن فارس3.
الحزب أيضًا لم يتحكم بأي قطاع اقتصادي استراتيجي بالدولة. ولم تتمتع الحكومة بأية منافذ مالية، حيث كانت وزارة المالية تتلقى استراتيجيتها من القصر. أما الميزانية العمومية فاعتمدت على الموارد السنوية والقروض. والمغرب منذ 2009، وبعد الأزمة المالية العالمية، تبدل وضعه من حالة تخفيض كبير للمديونيات الدولية والداخلية، إلى إفراط في الاقتراض، حتى بلغ الدين العمومي في سبتمبر 93.3% من الدخل الكلي. (ف.ع)
وحتى برنامجهم الانتخابي في 2011، والذي بُني على محاربة الفساد، لم تستطع الوزارات التي أشرفوا عليها في الحكومتين تنفيذه. ولنأخذ محاولة الحكومة إعادة مراجعة الامتيازات الفئوية التي كانت توزعها الدولة على بعض الأفراد التابعين لها كمثال على ذلك. فقد كانت اللوائح المراجعة لتلك الامتيازات ما إن تصل أنباء عنها للقصر، حتى قبل صدورها عن طريق مصادر الملك، حتى يتم إيقافها فورًا بقرار من الديوان الملكي. (ف.ع)
وكل المشاريع الاقتصادية الضخمة والمؤثرة التي تم تنفيذها وتمريرها في فترة الحكومتين، هي مشاريع ممولة من الصندوق الملكي. مثل الاستراتيجيات القطاعية التي سميت بـ«المغرب الأخضر» والتي استهدفت تنمية قطاعات الصيد البحري، والصناعات الخاصة بالمواد الخام. وهي مشاريع خُطط لها من قبل 2011.
كما لم يتمكن وضع الحزب المتأرجح ماليًا من تعويض تقييد القصر الملكي لحركة الحكومة الاقتصادية. فخارج إطار الحكومة، لم يتلقَ الحزب أي تمويلات خارجية ضخمة، نظرًا لأن القوانين المالية والرقابية للدولة تمنع الأحزاب من الحصول على تمويلات أجنبية. وبالتالي كل ما تمكن الحزب من الاعتماد عليه كموارد اقتصادية هو تمويل الجمعيات ذات النشاط الاجتماعي المرتبطة بالعدالة والتنمية، أو التيارات الإسلامية عمومًا، والتي كانت تخضع أيضًا لرقابة مشددة. وحتى رجال الأعمال القليلين الذين ارتبطت أسماؤهم بحزب العدالة والتنمية يأسوا من الاستثمار في مشروعه السياسي.
خذ مثلًا ميلود الشعبي، أحد أهم رجال الأعمال المغاربة، ومؤسس مجموعة «يينا» الاقتصادية، وهو مصنف في عام 2012 كأغنى رجل بالمغرب، بثروة تفوق ملك المغرب محمد السادس، حسب موقع كورا فوكس. شكَّل الشعبي بعد الانتخابات التشريعية في 2011، برفقة أربعة نواب آخرين، مجموعة نيابية مستقلة مساندة لحكومة بنكيران، حملت اسم «مجموعة المستقبل». وبعد وفاته في 2016، استقال نجله، شفيق، من عضوية حزب العدالة والتنمية، بينما انضمت ابنته أسماء بعدها إلى حزب الأصالة والمعاصرة (التابع سياسيًا للقصر الملكي).
كريم التازي، أحد الأخوين اللذين يديران مجموعة «ريشبوند» (مجمع صناعي وعقاري)، ويدير شركة سايلنت نايت كينيا، المتخصصة في إنتاج المفروشات والأثاث منذ 2017، والذي كان مؤيدًا لحركة 20 فبراير التي قادت الاحتجاجات في 2011، وله آراء سياسية معارضة للنظام والسلطة في المغرب، وكان يؤيد حزب العدالة والتنمية رغم اختلافه معه أيديولوجيًا. عينه الملك محمد السادس في اللجنة الاستشارية الخاصة بالنموذج التنموي في ديسمبر 2019، بعد خفوت دعمه للحكومة منذ 2017.
انسحاب رؤوس الأموال البارزة المؤيدة للحزب كان انسحابا منطقيًا، في ظل عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة للحكومة، أو سيطرة على أي قطاعات استراتيجية بالدولة تقدم لهم امتيازات اقتصادية خاصة بصفتهم داعمين له. وكان واضحًا للغاية أن الاستثمار في مشروع حزب العدالة والتنمية هو استثمار غير واضح المعالم، ولن يحقق مكاسب على المدى الطويل أو القصير.
كما أن الحزب ظل يقدم رسائل واضحة تؤكد تبعيته لأجندة سياسات القصر حتى ولو كان الثمن هو خسارة قواعده الأساسية الداخلية. تمثلت تلك الرسائل مثلًا في القرارات المجحفة التي اتخذتها الحكومة بخصوص القطاع التعليمي، والتي أثارت غضب قيادات مجالس الحزب وقواعده المنتمية لذلك القطاع الحيوي، سواء كانوا موظفين في وزارات التعليم أو أساتذة تعليم عالٍ وابتدائي. أو القرارات الاقتصادية القاسية الأخرى مثل رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية، وعدم تفعيل إعلان الحقوق الاجتماعية، وعدم تفعيل المبالغ الموعودة للفئات الفقيرة المحتاجة للدعم، وعدم توفر دعم للعاملين بقطاعات العمل غير المهيكلة كالعمال، ووقف صرف الأجور لموظفي القطاع العام عن الأيام التي أضربوا فيها، ومراجعة نظام التقاعد بشكل حد من مكاسب الموظفين المتقاعدين. كل ذلك أثّر في القاعدة الشعبية للحزب المعتمدة على الطبقة المتوسطة والطبقات الأدنى (ف.ع).
تصادم عنيف بين «المرجعية الحزبية» وما يفرضه الواقع المغربي
اتسم الخطاب السياسي للحزب مع صعوده للحكم بالشعبوية الدينية، حيث بُنى على مجموعة من الثوابت الدينية والاجتماعية التي ترتبط بالهوية العروبية، والتي تتفق مع القاعدة الشعبية للحزب.
وقد كوّن ذلك الخطاب شكل العلاقة الأساسية للحزب بالجمهور العام، وبقواعده الخاصة قبل حراك 20 فبراير. وزادت مساحته ومشروعيته في ظل فترة حكومة بنكيران، كما تمثل تأثيره في جعل الجمهور متحمسًا للإصلاح الفوري الذي يعتمد الهوية العربية الإسلامية عمادًا أساسيًا له. تلك الخصائص الخطابية التي ساهمت في صعود نجم الحزب جعلت أيضًا طريقه ذا اتجاه واحد، لا يمكن التراجع عن مرتكزاته لأي سبب مهما كان، كما قيد القرارات السياسية والاجتماعية للحزب بسياق مضمونه.
حتى أن الحزب في وصف علاقته مع القصر الملكي بعد تولي الحكومة عمل على التعزيز من الصورة الدينية للمنظومة الملكية، ليفتح مساحة أوسع لخطاب إسلامي دعوي يربط الخطط الإصلاحية بوعود لا أطر أو مواقيت محددة لها.
لذلك كانت قرارات الحكومة بـ«فرنسة التعليم»، والتطبيع مع إسرائيل، وتقنين القنب الهندي، قرارات دفع ثمنها الحزب بسبب خطابه السياسي غير المرن، الذي لم يدرك البنية الاجتماعية والقومية والاقتصادية للمغرب. وبالطبع، كان لها تكلفة كبيرة بخسارة الحزب شعبيته ومصداقيته لدى قواعده وأنصاره من الناخبين.
فقرار «فرنسة» التعليم [يقضي باعتماد اللغة الفرنسية في جميع المراحل التعليمية لتدريس العلوم والمواد التقنية]، هو قرار انتزعته النخب السياسية والاجتماعية المقربة من القصر الملكي. بعد فشل مشروع الحكومة والحزب بتعريب التعليم بشكل كامل على الرغم من كونه مدعومًا من الحكومة والتيارات الإسلامية، والاصطفاف الشعبي حوله، وأدى لتعميق مشاكل المنظومة التعليمية. (ف.ع)
وذلك لأن الحزب، رغم انتماء قياداته وقواعده للمنظومة التعليمية، سواء كعاملين أو طلاب، لم يبحث بشكل جاد في المشاكل اللغوية الخاصة بعلاقة المواطن المغربي بالمنظومة التعليمية. واستعاض عن ذلك بحلول أحادية الرؤية تحاول إزاحة لغة مقابل لغة أخرى، متعاميًا عن الأزمة الخاصة بالهوية اللغوية التي تبدأ منذ التحاق الطالب بالمراحل الأولى من التعليم. أولًا باصطدامه بلغة عربية فصحى تختلف تمامًا عن المغربية الدارجة التي يتحدثها (اللغة الأمازيغية في أغلب المناطق الجغرافية بالمغرب، أو الأمازيغية المختلطة بألفاظ عربية). ثم بعد ذلك احتياجه للغة الفرنسية التي لم تكن تُقدم له في مراحل التعليم ما قبل الجامعية، وهي المتطلب الأهم الذي يساعده على الترقي الاجتماعي والاقتصادي، نظرًا لاعتمادها بشكل غير رسمي بالإدارات الحكومية، وبالمجالات الاقتصادية الهامة، ولكن يكتشف أيضًا أنها ليست باللغة الغنية تقنيًا وعلميًا، لذلك يتوجب عليه دراسة اللغة الإنجليزية.
مع تلك المتاهات والمراحل المرهقة التي تفرض على المواطن، وفقر الكفاءات التدريسية بالمدارس الحكومية، واستبعاد فرضية أن تكون اللغة المغربية الأم هي هي لغة التعليم، وذلك لأسباب سياسية واجتماعية، ولوجود اختلافات تقنية بين لهجات المناطق الجغرافية المختلفة، تبدو حلول فرض اللغة العربية الفصحى أو حتى الفرنسية، محاولات ترقيع ينتصر فيها الخيار القادر على تقديم نفسه كوسيلة فعالة للترقي الاقتصادي والاجتماعي، وهو في تلك الحالة خيار اللغة الفرنسية.
أما اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، والتي وقعها العثماني في 10 ديسمبر 2020، فقد حملت إشكالية كبيرة صعَّبت من موقف الحزب. فالتوقيع على الاتفاقية أتى مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، التي تقع في محل نزاع بين الجزائر والمغرب. وقضية الصحراء المغربية ونسبتها للمغرب، هو أمر قومي له أهميته الكبرى للهوية الوطنية.(م.ب)
لذلك، على مستوى الرأي العام، كان الشارع المغربي نفسه منقسمًا بين من تعامل مع الاتفاقية كإجراء مفيد للمغرب عزز موقفها في نزاع ملكية الصحراء المغربية، وبين من اعتبره تنازلًا في قضية محورية تربطهم مع الشعب الفلسطيني لا يمكن السكوت عنه بأي شكل من الأشكال.(م.ب)
ما عزز من ضيق موقف الحزب هو استغلاله للقضية الفلسطينية ورمزية المسجد الأقصى للدعاية لموقفه السياسي. وذلك جعله في مرمى نيران المنتمين لمشروعه الإسلامي العروبي، والتي تشكل القضية الفلسطينية فيه محورًا رئيسيًا، والجمهور العام من الشعب المغربي المعارض لاتفاقية التطبيع.
والقرار الأخير كان تقنين القنب الهندي (الحشيش)، وهي نبتة قديمة بالمغرب، لا يستوي الوصم الاجتماعي تجاه مستهلكيها بمستهلكي المخدرات الصلبة مثل الهيروين والكوكايين.(م.ب)
ولذلك القرار أهمية اقتصادية ضخمة، خاصة مع الظروف الاقتصادية السيئة المضاعفة بسبب انتشار وباء فيروس كورونا عام 2020. لأنه سيساهم في انتعاش الاقتصاد المغربي، سواء على مستوى الواردات المالية للحكومة، أو اتحادات الموزعين والوسطاء، أو الفلاحين. فالنبتة التي ينتج عنها الحشيش وتزدهر زراعتها بالمناطق الشمالية مثل مدينة شفشاون، يباع الكيلو منها عن طريق الفلاح بسعر 500 دولار، بينما يمكن أن يصل سعرها عن طريق الموزعين في المدن الأوروبية المشرعة لاستهلاكه عشرة آلاف دولار. وتأتي 60% من مادة الحشيش المُستهَلكة في أوروبا من شمال المغرب.
لكن، الحزب وضع نفسه أمام غضب الجمهور العام وخاصة الفلاحين، الذين يمثلون قطاعًا حيويًا بالمجتمع المغربي. بتأخيره ذلك القرار أربعة أعوام، بعد رفضه طرح الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة لمشروع قانون مماثل في البرلمان، وكان ذلك في الفترة الحكومية الأولى (2011-2016). وهو ما جعل موافقتهم عليه في الفترة الحكومية الثانية، ومع كل التغييرات التي ساهم فيها القصر الملكي في تشكيل الحكومة، يظهر كقرار مُرر دون رغبة الحزب، وبمخالفة أيديولوجيته.
«الكوفيد» ثم «أخنوش»، كيف كانت الضربة قاضية؟
ولا يمكن بالطبع إغفال تأثير انتشار وباء كوفيد-19، والذي أتت توابعه الاقتصادية كضربة قصمت ظهر الحكومة والمواطن، حيث تضاعف أثر كل القرارات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة، رغم الصرف الجزئي للدعم المباشر لحوالي خمسة ملايين أسرة (أي أكثر من نصف التعداد السكاني المغربي). وذلك نظرًا للإغلاق التام لجميع الأنشطة الاقتصادية لمدة زادت عن شهرين، بعدها استمرت الدولة في الحد من إمكانيات النشاط الاقتصادي، وهو الأمر الذي لا يزال مستمرًا حتى اليوم.(ف.ع)
وتلك الإجراءات أدت لفقدان 589 ألف موظف وعامل وظائفهم. وتقلص الدخل الإجمالي العام بالمغرب إلى 8.3% حسب البيان الرسمي للدولة، و8% حسب العديد من الخبراء والمؤسسات الدولية. وتبعات ذلك، كانت ترك شريحة كبيرة في قطاعات متنوعة من قطاعات العمل، دون وظائف، ودون دعم اجتماعي أو تغطية صحية، وهذا أظهر التفاوت الطبقي داخل المغرب.

أيضًا، استغلت الدولة موجة كورونا لتكبيل المجال العام والتأثير على قدرة جميع النشطاء السياسيين. هذا بالإضافة إلى إغلاق فضاءات عامة مثل المساجد بشكل كامل، وهي المساحات التي كان يلتقي فيها النشطاء الإسلاميين والمتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية. وقد أدانت لجنة حقوق الإنسان بجنيف التابعة للأمم المتحدة مجموعة من الدول التي حاصرت الحريات بحجة الجائحة، وذكرت على رأسها المغرب.
كما وضعت وزارة الداخلية قبل الانتخابات التشريعية -في 8 سبتمبر لهذا العام على خلفية وباء كورونا- قواعد وشروط للحملات الانتخابية. بموجبها لا يسمح لأي حزب بالقيام بلقاءات مكثفة، أو جولات خطابية، فقط الاكتفاء بلقاءات وجولات بسيطة.(أ.ب)
مع كل تلك العوامل، كان الوقت قد حان لوجه سياسي جديد يحل محل «العدالة والتنمية» في تشكيل الحكومة، وهو «التجمع الوطني للأحرار» برئاسة عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري (حتى التشكيل الحكومي الجديد)، والأمين العام للحزب. كما أنه مالك مجموعة «أكوا»، أحد أهم المجموعات الاقتصادية بالمغرب في مجال توزيع الطاقة، وتضاعفت ثروته من 1.7 مليار دولار في يناير، إلى 3.5 مليار دولار في أكتوبر 2020، حسب مجلة فوربس.
وكان من أسباب ذلك التضخم الملفت في ثرواته قرار الحكومة بالتخلي عن دورها في تحديد أسعار المواد البترولية بالسوق، وترك تلك المسألة لمنافسة الشركات، بعد أن كانت تلك المواد تحدد أسعارها من قبل الحكومة بقرار وزاري كل 15 يومًا. وهو ما جعل شركة «أكوا» (أحد أبرز المسيطرين على سوق المحروقات بنسبة تفوق 60% منذ توقيف مركز «لاسامير» لتكرير البترول، المركز الوحيد لتكرير المواد البترولية بالمغرب في 2015، وهو التوقف الذي جعل الاقتصاد المغربي يتحول لاستيراد المواد المكررة مباشرة عوضًا عن تكريرها محليًا) تصبح أكبر المستفيدين من ذلك القرار اقتصاديًا.
حشد الأمين العام (البيزنس مان) كل الإمكانيات ليضمن فوز الحزب بالأكثرية البرلمانية، بنشاط مكثف ولافت للحزب بداية من المرحلة الأولية للتحضير للسباق الانتخابي، وجمع وحشد للعديد من النخب والكفاءات العاملة بمجالات مؤثرة على الرأي العام، حيث استقطب الحزب نشطاء سياسيين، ورجال الأعمال الراغبين بالعمل في مجال السياسة.(أ.ب)
كما قام الحزب بتوسيع النطاق الجغرافي الذي يعمل على الدعاية به، ليشمل دوائر في المدن والقرى، وحتى المناطق النائية التي يصعب الوصول إليها. وقدم نفسه كما قدم «التنمية والعدالة» أنفسهم منذ عشرة أعوام؛ البديل الذي سيحسن الأوضاع الاقتصادية، بوعود تبدو أكثر منطقية للجمهور، خاصة حين تأتي على لسان حزب ينتمي له العديد من رجال الأعمال البارزين في المغرب. أيضًا أنفق الحزب أكثر من 270 ألف دولار أمريكي على الدعاية الإلكترونية بمواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الخاصة بالإعلانات، مقابل ألف دولار أنفقها حزب العدالة والتنمية.(أ.ب)
لم يكن ذلك فقط العائق الضخم الوحيد أمام «العدالة والتنمية»، فقد عرف لأول مرة الشارع السياسي المغربي بفضلهم مصطلح «التصويت العقابي»، الذي دعت له العديد من الأحزاب وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، مطالبين الجمهور بالتصويت ضد حزب العدالة والتنمية، إما لصالحه هو أو لصالح أي حزب آخر. وقد تبنى العديد من السياسيين، والنشطاء المستقلين المهتمين بالشارع المغربي وأوضاعه ذلك المصطلح ونشروه.(أ.ب)
كما ساهم في إضعاف موقف «العدالة والتنمية» في الانتخابات هجوم التنسيقيات المهنية عليه، التي تكّونت نتيجة القرارات الاقتصادية المجحفة تجاه القطاعات الوظيفية العامة، مثل تنسيقيات أساتذة الجامعات، تنسيقيات أساتذة المدارس، تنسيقيات حاملي الشهادات، تنسيقيات طلبة الهندسة، تنسيقيات طلبة الطب. وتلك التنسيقيات لاقت دعمًا نقابيًا كاملًا، رغم أنها لا تحمل صفة رسمية.(أ.ب)
لا يوجد مرتاح لنتيجة الانتخابات التشريعية أكثر من القصر الملكي، بوجود شخص يدين لهم بالولاء على رأس السلطة، يستطيع القصر من خلاله السيطرة على مناطق الضوء والظل في المساحات السياسية، بهيمنة مطلقة للمال الملكي ومال المقربين من الدولة على الاقتصاد والمجتمع، فهم الخيار الأفضل لتمرير النموذج التنموي الذي طرحه القصر الملكي (خطة تنمية 2030) في ظل وضع اقتصادي عصيب كالذي تشهده المغرب حاليًا.(ف.ع) (م.ب)
لذلك، فإن عودة عبد الإله بنكيران للأمانة العامة لحزب التنمية والعدالة في ظل كل تلك المشاكل والخسارات التي تعرض لها الحزب؛ على المستوى السياسي أو الاقتصادي، أو حتى على مستوى علاقته بالدولة أو أزمات هيكله الداخلي، تجعل هدفه الرئيسي والأهم هو العودة كلاعب قوي في مساحة المعارضة (المساحة التي أدار ملفها بصفته أمينًا عامًا للحزب عام 2008)، دون طموحات قريبة المدى في ما يتعلق بتشكيل القرار السياسي المغربي للدولة، إن كان على مستوى البرلمان، أو الانضمام للحكومة.
هوامش:
1 نشير لرأيه بـ «ف.ع»
2 نشير لرأيه بـ «أ.ب»
3 يشار لرأيه بـ «م.ب»
آراء أخرى
قطع الطريق على «25 يناير»
«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»
انتخابات «النواب».. كفانا الله شر الغفلة
«الدعوة إلى إجراء انتخابات قبل المدة التي حددها النص الدستوري بنحو شهرين تُنذر ببطلان المجلس المقبل»
العنصرية الأمريكية كفكرة مؤسِسِة: انتفاضة ووباء وانتخابات (1-2)
«من المخطط أن تشهد الولايات المتحدة في نوفمبر القادم انتخابات رئاسية وبرلمانية على كامل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وبينما ينتظر الشعب الأمريكي -والعالم…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد