تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

انتخابات «النواب».. كفانا الله شر الغفلة

محمد سعد عبد الحفيظ
6 دقيقة قراءة
انتخابات «النواب».. كفانا الله شر الغفلة
انتخابات مجلس الشيوخ 2020 تصوير: مدى مصر

على طريقة «الغفلة»، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمني لانتخابات مجلس النواب، وهي ذات الطريقة التي استخدمتها في الإعلان عن جدول انتخابات شقيقه الأصغر مجلس الشيوخ. و«الغفلة» هي المفاجأة، ويقال «على حين غفلة» أو «على حين غرة»، بمعنى على غير انتظار أو هو غير منتظر، كما ورد في معجم المعاني، وفي اللغة الدارجة يقال «فلان غفل فلان»، أي فاجأه أو باغته بأمر غير متوقع.

وتستخدم «الغفلة» أو «المباغتة» في المعارك والمنافسات بهدف إرباك الخصوم وتشتيت انتباهم، لكن العملية الانتخابية، ورغم أنها معركة تنافسية، إلا أن إجراءاتها تخضع لأحكام الدساتير والقوانين والأعراف التي استقرت سلفًا منذ أن عرفت البشرية طريقها إلى صناديق الاقتراع، ولا يمكن أن تُجرى على طريقة «اخطف واجري»، كما حدث في انتخابات «الشيوخ» التي انتهت جولتها الثانية قبل أيام.

بحسب المادة 106 من دستور 2014، الذي وافق عليه نحو 98% ممن لهم حق الاقتراع، فإن «مدة عضوية مجلس النواب خمس سنوات ميلادية، تبدأ من تاريخ أول اجتماع له، وتُجرى انتخاب المجلس الجديد خلال الستين يومًا السابقة على انتهاء مدته». الجلسة الأولى لمجلس النواب الحالي انعقدت في 10 يناير عام 2016، وبالتالي فمدته القانونية تنتهي في 9 يناير المقبل، إذن انتخابات «النواب» يجب أن تُجرى بعد 9 نوفمبر المقبل أي قبل نهاية مدة المجلس بـ 60 يومًا بحسب الدستور.

الهيئة الوطنية للانتخابات أعلنت في المؤتمر الصحفي المفاجئ الذي عقدته قبل أيام عن فتح باب الترشح لانتخابات «النواب» من 17 سبتمبر الجاري إلى 26 من ذات الشهر، على أن يُجرى الاقتراع في محافظات المرحلة الأولى بالداخل يومي 24 و25 أكتوبر المقبل، وفي الخارج أيام 21 و22 و23 أكتوبر، وتعلن نتيجة المرحلة الأولى في الأول من نوفمبر، وتُجرى إعادة المرحلة الأولى في الداخل يومي 23 و24 نوفمبر، والخارج أيام 21 و22 و23، وتعلن النتيجة النهائية في 30 نوفمبر.

أما المرحلة الثانية، فيُجرى التصويت في الخارج أيام 4 و5 و6 وفي الداخل يومي 7 و8 نوفمبر، وتعلن النتيجة في 15 نوفمبر، وتُجرى انتخابات إعادة المرحلة الثانية بالداخل يومي 7 و8 ديسمبر، وبالخارج أيام 5 و6 و7 ديسمبر، على أن تعلن النتيجة النهائية في 14 ديسمبر، أي قبل نهاية مدة البرلمان الحالي بنحو شهر تقريبًا.

الدعوة إلى إجراء انتخابات «النواب» قبل المدة التي حددها النص الدستوري بنحو شهرين تُنذر ببطلان المجلس المقبل، بحسب عدد من الساسة والقانونيين، الذين أكدوا أن أي حديث عن أن المادة 106 من الدستور «تنظيمية» فقط، ولا يترتب عليها أي بطلان، ما هو إلا محاولة لـ«تأييف» مواد الدستور لتناسب مقاس تكتل انتخابي بعينه، وحرمان باقي الأحزاب والكتل من ترتيب أوراقها لخوض المعترك الانتخابي.

وبحسب ما أشار خبير قانوني في تفسير المسألة، فإن اللجنة كانت يمكن أن تتلافى هذا المأزق وتحصن إجراءاتها لو حددت جدولًا زمنيًا يُراعى فيه أن تُجرى عملية الاقتراع في المرحلة الأولى بعد 9 نوفمبر، حتى لا نواجه بأزمة «عدم دستورية.. هذا إن كنا لا نزال نقيم للدستور ومواده أي اعتبار، ولا نتعامل معه على أنه تحفة يجب الاحتفاظ بها على رف النيش».

بعيدًا عن مواد الدستور الذي وضع على الرف قبل أن تنتهي الأفراح المصاحبة للتصويت عليه، وتم استدعاؤه قبل عامين لإعادة تفصيله على مقاس السلطة فيما عرف بـ«التعديلات الدستورية»، فالأعراف النيابية والانتخابية التي استقر عليها العالم تقضي بأن يكون موعد الانتخابات معروف ومحدد سلفًا لكل الأطراف.

حتى نظام الرئيس الراحل حسني مبارك لم يخرج عن تلك الأعراف، فالانتخابات خلال هذا العصر كان لها جدول محدد ومعروف لجميع أطراف العملية الانتخابية، حتى يتمكن كل طرف من إعداد نفسه وترتيب أوراقه، فمهندس انتخابات ذاك الزمن كان معنيًا بالشكل، وحريصًا على إخراج مشهد محبوك، أحزاب مشروعة تشارك الحزب الوطني الحاكم في حوارات واجتماعات، وتعلن عن موقفها سواء بالمشاركة أو المقاطعة، وجماعة «محظورة» تعقد صفقات من تحت المائدة، ومرشحون يجوبون الأحياء والقرى يستطلعوا رأي كتلهم الانتخابية، وصحف وقنوات خاصة ترصد وتتابع وتجري مناظرات وتستعرض برامج حتى وإن كانت وهمية. وبغض النظر عن النتائج، كان هناك من يصر على تقديم طبخة تراعي الحد الأدنى من القبول.

أما الآن وبعد التغييرات التي طفت على السطح في السنوات القليلة الماضية، والتي أُعلن فيها عن موت السياسة لأنها «مجرد كلام»، بحسب ما يعتقد أهل الحل والعقد الجدد، بدا أن مهندس العملية الانتخابية غير معني بكل التكتيكات الانتخابية التي تراعي الشكل والإخراج، فأصدر قراره بأن تنتهي المباراة قبل أن تبدأ، ممارسًا استراتيجية «التغفيل» في التعامل مع كل من رفض الانضواء تحت لواء السلطة وأجهزتها، وعلى المتضرر أن «يخبط دماغه في أعرض حائط».

في الجلسة الأخيرة من دور الانعقاد الخامس من عمر مجلس النواب الحالي، أعلن الدكتور علي عبدالعال، رئيس المجلس، عن «جلسة عامة للبرلمان فى بداية أكتوبر لبداية دور الانعقاد السادس من عمر المجلس»، وهو ما فهم منه ضمنًا أن البرلمان مستمر، وأن الانتخابات لن تبدأ إلا في موعدها الدستوري في العاشر من نوفمبر، وعليه لم يشرع المرشحون ولا الأحزاب في ترتيب صفوفهم وإعداد قوائمهم أو إعادة النظر في برامجهم.

بحسب ما تم تداوله حينها في أوساط نيابية وسياسية، كانت هناك نية لمد فترة المجلس الحالي، وبالتالي هناك فسحة من الوقت للتشاور لبناء تحالفات، وبالفعل جرى الحديث عن قائمة انتخابية تضم أحزاب معارضة لمواجهة القائمة التي يقودها حزب مستقبل وطن، وشرع حزب المحافظين في إجراء مشاورات مع عدد من أحزاب المعارضة للتنسيق والاتفاق على تلك القائمة، وبالتوازي أجرى اللواء طارق المهدي، عضو المجلس العسكري السابق، مشاورات مماثلة لتشكيل قائمة أخرى تضم عددًا من النواب والمرشحين المحتملين، وأُطلق على القائمة المنتظرة «تيار المشاركة المسؤولة».

ووفقًا لمصادر في حزب المحافظين جرت مناقشات خلال الساعات الأخيرة لتوحيد الجهود، وتواصلت قيادات «المحافظين» مع اللواء المهدي لتشكيل قائمة واحدة، وحضر تلك المشاورات الدكتور حسام بدراوي، مؤسس حزب الاتحاد، لكن يبدو أن تلك المحاولات لن تسفر عن بناء قائمة متماسكة مستوفاة للشروط، فالجدول الزمني المباغت للانتخابات لن يسعف أحدًا، لا معارضة ولا موالاة.

في المقابل، انتهى حزب مستقبل وطن، الذي قاد التحالف الوحيد في انتخابات «الشيوخ» ونال فيها نصيب الأسد، من لَم شمل الأحزاب التي قررت الانضواء تحت لوائه وأعلنوا تدشين «القائمة الوطنية من أجل مصر» بمشاركة 12 حزبًا و«تنسيقية شباب» لخوض انتخابات «النواب».

استغل «مستقبل وطن» النجاح الكبير الذي حققته «القائمة الوطنية من أجل مصر» في انتخابات «الشيوخ»، بحسب ما أعلن نائب رئيس الحزب، أشرف رشاد، في الاجتماع الذي شاركت فيه أحزاب القائمة قبل أيام، وقرر تكرار التجربة التي جمعت المعارضة والموالاة وحازت «ثقة المواطن المصري في الشيوخ» لتخوض ذات القائمة معركة «النواب».

المواطن المصري مَضرب المثل السابق، هجر انتخابات «الشيوخ» ورفض المشاركة في «العرس الديمقراطي» المصنوع داخل الغرف المغلقة، فلم يذهب إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى سوى 14% من إجمالي الناخبين، وفي جولة الإعادة تحولت انتخابات «الشيوخ» إلى انتخابات سرية، لم يهتم المواطن بمعرفة موعدها أو المرشحين المشاركين فيها، وهو ما سيدخلها التاريخ من أوسع أبوابه باعتبارها ظاهرة نادرة تستحق الدراسة والتحليل.

لم يشهد التاريخ السياسي ظاهرة جمع الأضداد في قائمة انتخابية واحدة بالأمر المباشر، قد تتحالف بعض الأحزاب التي تتمايز برامجها وتوجهاتها، لكن الأسباب والأهداف تكون معلنة سلفًا، وعادة ما تنتهي تلك التحالفات بعد انتهاء العملية الانتخابية، ولم يرصد التاريخ أيضًا عملية انتخابية بلا برامج معلنة ولا منافسة بين قوائم مختلفة إلا ما ندر، أما الحديث عن أن جمع هذا الشتات هو رسالة موجهة إلى «أهل الشر الذين تصوروا أن اجتماعنا مستحيل»، فما هو إلا محاولة لتسجيل هدف في مباراة افتراضية مع خصم لم يعد له وجود على أرض الملعب.

الإصرار على استكمال المشهد بذات الطريقة، وتغفيل الوطن والمواطن بإجراء انتخابات لا يراعى فيها الشكل ولا المضمون، وإخراج السياسة من معادلة الحكم والاعتماد على الأمن في إدارة كل الملفات، هو شكل من أشكال الغفلة المتعمدة، أي الغيبة والسهو المقصود، ولن نفيق منه جميعًا إلا بـ« شيء‏ ‏من‏ ‏الفوضى ‏كي ‏يفيق‏ ‏الغافل‏ ‏من‏ ‏غفلته»، كما نوه الأديب الراحل نجيب محفوظ في أصداء سيرته الذاتية.

كفانا الله جميعًا شر الغفلة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
محمد سعد عبد الحفيظ

قطع الطريق على «25 يناير»

«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).