تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

لماذا أستبعد حربًا باردة جديدة؟

عبد العظيم حماد
4 دقيقة قراءة
لماذا أستبعد حربًا باردة جديدة؟

من المهم وسط استغراقنا في شؤوننا الداخلية والإقليمية أن نبقي عينًا مفتوحة على التطورات العالمية، خصوصًا عند قمة النظام الدولي، بما أننا من أكثر الدول والأقاليم تأثرًا بالمتغيرات العالمية. وبما أننا ندرك أنه يوجد تداخل من طرف دولي أو أكثر في كل تلك القضايا المحلية والإقليمية، التي تستغرق تفكيرنا وجهدنا ومواردنا البحثية والسياسية. والأمثلة لا تُحصى، فمنها حقوق الإنسان والسد الإثيوبي ودور إسرائيل في الإقليم، ومشروعات الغاز، والأوضاع في السودان واليمن وسوريا والعراق وليبيا، والعلاقات الخليجية الإيرانية والملف النووي الإيراني.. إلخ.

وقد تكرر مؤخرًا تفسير بعض التطورات الإقليمية بتداخل الصراع على النفوذ الاستراتيجي والمصالح الاقتصادية بين كل من الولايات المتحدة والصين، باعتبار أن الأخيرة هي القطب الدولي الصاعد بقوة للمنافسة مع القوى العظمى الوحيدة (حتى إشعار آخر)، أي الولايات المتحدة الأمريكية، مع انحياز روسيا في أغلب الأحيان للموقف الصيني. ومما عزز هذا الاتجاه تزايد الكتابات في الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي عن بوادر حرب باردة جديدة على قمة العالم بين أمريكا والعملاق الصيني، وذلك في أعقاب الاتفاق الأمريكي البريطاني الأسترالي على تكوين التجمع أو التكتل الاستراتيجي المسمى بـ «تكتل أوكوس».

الشواهد على تداخل هذا الصراع الدولي في قضايا الإقليم والقضايا المصرية عديدة، وإذا كان أحدثها إحباط الصين منفردة أو بالتعاون مع روسيا، أو الأخيرة منفردة، كل مشروعات القرارات التي تدين العنف ضد المتظاهرين السلميين في السودان منذ بدأ التحرك الشعبي ضد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وحتى اليوم. ومنها استمرار التعاون على أوسع نطاق مع إيران من جانب كل من الصين وروسيا. ومنها لجوء كل من مصر وتركيا إلى عقد صفقات تسليح كبيرة واستراتيجية مع روسيا، كلما صعب أو استحال شراء أنواع محددة من الأسلحة من الولايات المتحدة، سواء لأسباب استراتيجية أمريكية أو لأسباب نابعة من سياسات الضغط على حكومتي البلدين في ملفات حقوق الإنسان بالنسبة لمصر، أو النزاع في بحر إيجة بالنسبة لتركيا. وفي مقدمة هذه الشواهد قطعًا التدخلات الروسية في الحرب الأهلية في كل من سوريا وليبيا، ومساندة الصين في مجلس الأمن للموقف الروسي في القضيتين.

لكن هل يعني كل ذلك فعلًا أن العالم على شفا حرب باردة جديدة تكرر نمط الحرب الباردة السابقة، والتي استمرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي؟ والتي أوقفت العالم مرتين على حافة حرب نووية، أولاهما في برلين  وثانيتهما في كوبا. والتي أتاحت للدول المتوسطة والصغيرة الحاصلة توًا على استقلالها الوطني مساحة واسعة للتحرك بين المعسكرين الشرقي والغربي، والانتفاع بالمعونات الاقتصادية والعسكرية السوفيتية مثلما كانت حال مصر والهند وبقية جمهوريات الضباط العربية كسوريا والعراق وليبيا والجزائر، ثم اليمن الجنوبية والصومال وإثيوبيا؟

في تقديري أن الاجابة هي بالنفي القاطع. لماذا؟

الصين بدأت نموها الاقتصادي اعتمادًا على التصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية واستيراد أو سرقة التكنولوجيا منها، ولا تزال مهتمة بالحفاظ على هذه الأسواق. في حين كان السوفيت معنيين بتحدي النمط الغربي الرأسمالي في التنمية والإنتاج والاستهلاك، بل وبإثبات التفوق عليه، ومن ثم كانوا ملتزمين بما سموه الاكتفاء الذاتي، الذي ينفي الحاجة أصلًا للتعاون الاقتصادي مع الغرب الرأسمالي.

الاتحاد السوفيتي كان له حلفاء وأنصار أقوياء في العالم، بل وفي قلب أوروبا، حيث الأحزاب الشيوعية كانت محتفظة بزخمها وجاذبيتها لقطاع ضخم من المثقفين والطبقات العاملة، في حين لا يجذب النموذج الصيني شخصًا واحدًا في الغرب أو في مكان آخر. أما في العالم، فقد كانت حركة التحرر الوطني في العالم الثالث (وهو تحرر من المستعمرين الغربيين الرأسماليين) حليفًا طبيعيًا للسوفييت حاملي لواء الثورة العالمية ضد الإمبريالية المستغلة، وكانت حركة عدم الانحياز في مدلولها النهائي هي رفض لسياسة الأحلاف الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي، وهذا ما لا يتوافر للصين عشر معشاره.

كذلك كانت دول شرق أوروبا ووسطها دائرة بالكامل في الفلك السوفيتي، وبالتالي كان أمن أوروبا الغربية دائمًا مهددًا، في حين أن جميع جيران الصين يتوجسون منها، ليس اليابان فقط ولكن أيضًا الهند واندونيسيا واستراليا، وعشرات الدول الصغيرة الأخرى. وهؤلاء حلفاء فعليون أو محتملون للولايات المتحدة.

والأهم من هذا كله، هل الصين راغبةً في تأجيج صراع كهذا؟ وما مصلحتها فيه؟ وهل تستطيع تحمل كلفته الاقتصادية التي كانت من أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي؟ ولماذا أصلًا تفعل ذلك ما دامت مصالحها العليا غير مهددة، وما دام يمكن تنظيم التنافس والتعاون بينها وبين الولايات المتحدة؟ سيما وأن الولايات المتحدة تدرك أن الحفاظ على مكانتها فوق قمة العالم رهن بتحديث قواها الإنتاجية، وبمزيد من التفوق التكنولوجي، وبترميم الصدوع الآخذة في الاتساع داخل مجتمعها وديمقراطيتها. وبالتعاون مع القوى الرافضة للفاشية العنصرية في أوروبا في مواجهة ذلك الصعود المتجدد للفاشية. وأخيرًا بحكمة إدراك قوانين التاريخ من جانب مفكريها ومراكزها البحثية، والتي مقتضاها أن التاريخ لا يعرف امبراطورية دامت إلى الأبد. ولن تكون الامبراطورية الأمريكية استثناءً من هذه الحتمية يومًا ما، حتى وإن كان لا يزال بعيدًا.

إذن، فمن المستبعد إن لم يكن من المستحيل العودة، إلى حقبة الحرب الباردة كما عرفناها، بما كان فيها من فرص وتحديات، وقصارى المتوقع لضباع العالم هو المكاسب أو الخسائر التكتيكية هنا وهناك من لعبة الأمم التقليدية.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).