كل الأسماء مستعارة.. كل الوقائع تدعي أنها الحقيقة (3-4)
مدخل إلى الذاكرة
هل يمكن أن نسمع أصوات المعركة بعد عشر سنوات من حدوثها؟
ها هو الدبيب الحي، يمشي تحت الجلد في استكانة مزيفة، يتعايش مع الحاضر ويتملق اللحظة الفائتة، أحيانًا في فخر، ثم يلعنها في غضب في مواقف أخرى، أمامنا لحظات عاشها عشرات الأطفال الذين شاركوا معركة «محمد محمود» الأولى التي جرت وقائعها في نوفمبر من عام الثورة 2011، نرصد اللحظة الرسمية كما سجلتها الأوراق، نسمع القليل من أصواتهم ونحاول رسم ملامحهم من الوصف المخل، يتحركون على الورق رغم ثبات الاتهامات العبثية وقدرتها على الفتك بعقل طفل قاصر يواجه سلطة شرسة بلا أهل أو محامٍ في أغلب التحقيقات، يقف 38 طفلًا بعضهم مصاب أمام جهات التحقيق التي نُصبت في خلفية حدث كبير يدور في الشوارع، على مسافة شارعين من محكمة عابدين التي شهدت وقائع أغلب التحقيقات، كانت آلة القتل تحصد ولا تكل، تنزف العيون وتذهب بنورها بلا رجعة، على مسافة شارعين من محكمة عابدين جرت وقائع لا يمكن أن تنكرها الأوراق الرسمية وإن حاولت.
منذ اللحظة الأولى التي أعدتُ فيها قراءة أوراق هذه القضية، أدركتُ أن العودة للوراء مثل السير عكس اتجاه الطريق، مكلفة وتُقشر طبقات من خداع الذاكرة، كيف يمكن قراءة قصة بعد عشر سنوات من حدوثها دون التفكير في مسار حياة أبطالها، كانوا صغارًا وصاروا شبابًا ورجالًا يخوضون الحياة الآن وتنوعت مصائرهم، هل تصالحوا مع هذه اللحظة أم تركوها في قاع الذاكرة لتُدفن في أحيائهم الفقيرة البعيدة التي جاء أغلبهم منها، كان أغلبهم بعيدين عن المركز، بعيدين عن مصر التي ترصدها عدسات مصورين العالم في هذه اللحظة، يتوق أغلبهم لرؤية الحدث كما عبّروا ببراءة في بعض التحقيقات، لكنهم حين أتوا لم يكن هناك مجال للفرجة الرخيصة والممازحة الطفولية الفتية، جاءوا أرض الأثمان المكلفة، الحكومة تنهار أمام سيطرة المجلس العسكري على مجريات الحكم ليبدأ عصر الضربات الموجعة للمسار الثوري، جماعة الإخوان المسلمين في حالة انتشاء سياسي، يستعدون لانتخابات التمكين، والمعارضة الثورية منقسمة بين المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأولى ودعم معركة الثوار على الأرض، حين جاء أطفال هذه المعركة أضحى لكل شيء ثمن، ولكل خطوة في شوارع هذه المدينة معنى ومسار معبد بالخطر.
هذه أقوال مجموعة من الأطفال، دخلوا التجربة وحدهم وخرجوا كذلك، بقيت تفاصيل ما جرى لهم بين هذه الأوراق لعشر سنوات، والآن تحاول الخروج.
وعلى مدار أربع حلقات تماثل الأيام الأربعة التي قضاها هؤلاء الأطفال في التحقيقات، ربما يمكننا فهم القبضة الغاشمة للسلطة، وربما كذلك تفاهتها.
كان اليوم السابق طويلًا وممتدًا، أرهق المتظاهرون، أصيب المئات وعاد آلاف إلى منازلهم لمتابعة مجريات الحياة خارج الميدان، فيما ظلت ساحة المعركة مفتوحة، حلت ساعة الخفوت.
في هذا اليوم، انفردت القوات الشرطية بمن تبقى في المواجهة، توسعت الشراسة ورمت بظلها الكئيب واستهدفت الأطباء في مقر عملهم، ألقت الشرطة حمم من قنابل الغاز على المستشفى الميداني، اختنق المصابون والمسعفون ومن بينهم الدكتورة رانيا فؤاد، حاول المتظاهرون إخراجها من سحابة الغاز، لكن هجوم قوات الشرطة المتواصل حال دون ذلك، حتى لفظت أنفاسها مع من حاولت إسعافهم.
كان هذا اليوم أشبه بحملة انتقامية موسعة ردًا على مواجهات اليوم الفائت وردًا على الشعارات الواضحة التي رفعها الميدان ضد المجلس العسكري والإخوان، قتل أربعة شهداء جدد ليصل العدد إلى 36، تدفق عشرات المصابين للمستشفيات المحيطة بالميدان، ومع ارتفاع كل أصوات الرصاص، صمتت كل الأجهزة الرسمية، وخرج المجلس العسكري في رسالة إلكترونية ينفي أن تكون قوات الجيش شاركت في عمليات القتل، لكنهم انتظروا وشاهدوا حتي تأكل الضباع النسور الصغيرة، في هذا اليوم لمح واحد من المصابين ضحكة الضابط الذي فقأ عينه من ثوان، شاهده يمرح بانتصاره، سحبوه رفاقه بعين تتقطر إلى المستشفى يواجه حياته المقبلة بعين زجاجية.
خرجت الاستغاثات لمحاولة وقف الأحداث الرهيبة، حضر لأرض محمد محمود وفد من شيوخ الأزهر لإقامة هدنة عاجلة، ثم كسرت الشرطة الهدنة وأمطرت الشارع بمن فيه بالغاز رغم انسحاب الغالبية العظمى من المتظاهرين إلى الميدان، نظم طلاب المدارس مسيرات تضامن انتهت بانضمامهم إلى المعركة القائمة وإصابتهم واعتقال بعضهم.
حار شباب الحركات السياسية والأحزاب في التعامل مع الموقف المتصاعد، لم يكن هناك سبيلًا سوى الدعوة إلى مليونية جديدة في الجمعة القادمة، للتأكيد على المطالب الأساسية في انتقال الحكم لهيئات ومجموعات مدنية ووقف المحاكمات العسكرية للمدنيين بالإضافة إلى مطالب الثورة الاساسية في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، والتمسك بضرورة حساب القتلة الذين يتمددون وحدهم في خلايا الحكم ويخرجون إلى الشوارع يمارسون لعبة الموت كوسيلة وحيدة للدفاع عن الدولة.
مجدي
كان مجدي شاهدًا على لحظة دقيقة وعنيفة، لحظة من اللحظات المتكررة لاقتحام المستشفى الميدانى بجامع عباد الرحمن، هذه الزاوية المختبئة داخل أحد الممرات في تعريجة معمارية تصل محمد محمود بالميدان مباشرة، أقامها الصنايعية وحرفيين محلات وسط البلد كمصلى بجوار أعمالهم، تحولت منذ جمعة الغضب إلى مستشفى ميداني أثناء الاشتباكات، وظلت تلعب هذا الدور لفترة. حاول المتظاهرون إقامة بعض المستشفيات الميدانية فى دور العبادة المحيطة بالميدان مثل جامع عمر مكرم وكنيسة قصر الدوبارة، في محاولة يائسة لحماية المصابين، ربما ذهب الفتى لهذا المكان ظناً منه أنه مكان آمن، ربما كان يريد أن يلعب دورًا يختلف عن الاشتباك مع القوات الشرطية، التي لم ترحمه أيضًا رغم وجوده في مسجد يتخذ صفة المستشفى في حالة الاشتباكات.
يتضح من قصة مجدى، أن القوات الشرطية التي تم تشريسها على مدار أيام كانت مستعدة أحيانا لاقتحام أعشاش النمل إذا طلب منهم ذلك، ففى أيام الاشتباكات الأخيرة، كانت الاعتداءات التي يمارسونها ضد المتظاهرين هيستيرية، فالقوات محرومة من النوم الجيد لأيام وجائعة ومنعت من الإجازات.
حضر مجدي إلى الميدان بهدف إسعاف المصابين والتزم الوقوف في جامع عباد الرحمن، حتى اقتحمت القوات المسجد وهاج المكان، حاول البعض الهروب، كانت من بينهم سيدة كبيرة في السن سقطت على الأرض، حاول مجدي إنقاذها فألقت القوات القبض عليه مع مجموعة أخرى من داخل المستشفي الميداني، وهجم عليه عساكر الأمن المركزي وبدات حفلة الاعتداءات بالعصي السوداء.
لم يكن الوصف الذى حملته الأوراق حول جسد الصبي يحتمل كل ما ذكره من اعتداءات، كان نحيلًا متوسط القامة، سرق منه الجاكيت الذي كان يرتديه، قضى التحقيق مرتديًا تيشيرت نصف كم في برد نوفمبر، كان التيشيرت مكتوب عليه كلمة «master»!
«س/ من الذي أحدث بك إصابات بمسجد التحرير وبأى شيء؟
ج/ قوات الأمن المركزي وضربوني بعصايا سوداء.
س/ ما هو وصف الأداة المستخدمة في الاعتداء عليك؟
ج/ هي عصايا سوداء وطولها حوالى متر.
س/ وما هي عدد الضربات التي كالت إليك من الأمن المركزي؟
ج/ حوالى 13 ضربة.
س/ وأين استقرت تلك الضربات؟
ج/ هم ضربوني في جسمي كله بس اللي وجعني اللي جت في كوعى الشمال.
س/ ماهى متجهك حال قيام قوات الأمن المركزي بالاعتداء عليك؟
ج/ أنا كان وشى ليهم.
س/ ما هي المسافة التي كانت بينك وبين القوات؟
ج/ هو *** مفيش مسافة بيني وبينهم وكان في واحد منهم مسكني تحت باطه وضربني بالعصايا.
س/ وذلك الشخص معروف لديك وهل يوجد بينك وبينه ثمة خلافات؟
ج/ لا هو عسكري لبس اللبس بتاعهم الميري وانا معرفوش ومفيش خلافات.
س/ ما هو *** ذلك الشخص من جراء ذلك التعدي؟
ج/ هو ضربني بعصاية سوداء وكانت متر.
س/ وكيف دفعت عن ذلك التعدي؟
ج/ هما كانو بيضربو الناس كلها عشان يفضو الميدان.»
سليمان
لا تزال ضواحي الجيزة مرفأ يحط فيه شباب الأقاليم الشمالية والجنوبية عند ترحالهم للعمل في العاصمة، يأتون عبر وسطاء يشغلونهم بملاليم، يقضون نهارهم كسريحة، يمشطون شوارع المدينة لجلب الرزق ويقضون الليل مع عمالة معدمة في شقق مكدسة، بعض التجار الكبار ينظمون شبكة لاستقطاب شباب وأطفال الفلاحين والصعايدة ويتحكمون في مصادر أرزاقهم، فلا يمكن للغريب الانتشار في المدينة دون غطاء أو حماية، على الأقل في فترة الاقتحام الأولى، فمن لا يخاف من ناس هذه المدينة!
سليمان واحدا من هؤلاء، يعيش في شارع المحطة في الجيزة، منتقلًا من محل ميلاده في مركز بركة السبع التابعة لمحافظة المنوفية، يعمل كبائع متجول أي «عامل سريح» لبعض الأدوات المنزلية، يبيع الأطباق والأكواب البلاستيكية المصنوعة في مصانع بير السلم المنتشرة في شقوق الطرق الريفية وعلى أطراف المدن.
وصفت الأوراق سليمان بكونه فتى متوسط الطول وقوي البنيان، أسمر اللون ذو شعر أسود ناعم طويل، يرتدي بنطلون من القماش الرمادي مخطط باللون الأسود وتيشيرت باذنجاني نصف كم، لم نفهم بعد سر غرام القوات الشرطية بسرقة معاطف الأطفال والشباب أثناء القبض عليهم!
القصة التي يرويها سليمان أنه أثناء مروره بجوار وزارة الداخلية صباح يوم الثلاثاء، بينما كان يذهب لشراء سخان كهربائي من محل بجوار الوزارة، وقف ليشاهد حركة المشاة المتعطلة ثم انتظر حتى تهدأ الأمور، وأثناء مروره ألقي القبض عليه، يتولاه ضابطًا لإيداعه الكشك الخشبي الذي جاء ذكره في عدد من شهادات الأطفال باعتباره فرعًا لوجبات التعذيب الجاهزة في لاظوغلي! وأثناء الطريق للكشك الملعون، كان الضابط يأمر عساكره بالاعتداء على سليمان، يشخط فيهم ويقول لهم: خد حقك، فيقوم المجند بصفع سليمان بكل ما يستدعي من قوة ليثبت للضابط همته وشجاعته! حتي وصل سليمان للكشك المذكور، ليتم تنفيض جيوبه وركنه بجوار باقي الضحايا لساعات حتى انتصاف الليل، عرض سليمان على النيابة فجر يوم الأربعاء 23 نوفمبر، بعد مرور أكثر من 15 ساعة على وجوده محشورًا فى الكشك الخشبي.
«س/ حدد لنا ما بك من إصابات؟
ج/ أنا رجلي الشمال وارمة.
س/ وما سبب حدوث تلك الإصابة؟
ج/ ساعة لما الضابط مسكني كان قاعد بيقول للناس بتاعة الأمن المركزى تعالو خدو حقكم فواحد منهم ضربني بالجزمة بتاعته في رجلي فورمت.
س/ وكم ضربة ضربها لك محدث إصابتك؟
ج / هى ضربة واحدة.
س/ وهل استخدم أي أدوات فى أحداثها؟
ج/ لا.
س/ وأين استقرت تلك الضربة التي سددها؟
ج/ هى جت في سمانة رجلي الشمال.
س/ وما هو تعليقك لعدم وجود آثار ظاهرة بساقك اليسرى حال مناظرتنا لك؟
ج/ هى إصابة بسيطة مش جامدة وهي عبارة عن تورم في الرجل مش أكثر.
س/ هل تتهم أي شخص؟
ج/ أنا بتهم عسكري الأمن المركزي اللي ضربني.
س/ وما هو اسمه؟
ج/ معرفش.
س/ وما قصده من التعدي عليك؟
ج/ هو كان عاوز يضربنى.
س/ هل ترغب في عرضك على مصلحة الطب الشرعي؟
ج/ لا.»
سيد
غاب صديقه نبيل عن أهله وبيته منذ يومين، غالبًا منذ بداية أحداث محمد محمود، عاش الاثنان في شوارع الزاوية الحمراء، المنطقة الهجينة التي تكونت في الثمانينيات بعد أول موجة تفريغ عمراني لسكان عشش الترجمان وبولاق في عهد الرئيس السادات لبناء موقف الترجمان الموجود الآن، والذي يظل شاهدًا على فشل عمليات نقل الباعة الجائلين من الوكالة ووسط البلد، الدولة قررت التخلص من بعض الفقراء الذين يسكنون وسط المدينة إلى منطقة زراعية في طريق الخروج من القاهرة في اتجاه الدلتا، كانت الزاوية الحمراء تتبع حي شبرا الخيمة ثم استقلت بعد الامتداد العمراني الكاسح، لتصبح حيًا عشوائيًا جديدا خلق من بطون أحياء عشوائية قديمة.
ذهب سيد إلى التحرير بعد أن استغاثت به والدة صديقه نبيل المختفي عن البيت، الفتى المتوسط البنية قمحي البشرة الذي لم يكمل عامه السادس عشر، كرر خطاوي صديقه إلى نفس المكان البعيد عن مناطق سكنهم، مسافة تكفي لأن يفكر في المخاطر المتوقعة من زيارة كهذه، خاصة مع غياب نبيل وعدم ظهوره منذ يومين.
في حوالي التاسعة من صباح الثلاثاء، قبض على سيد، غير واضح المكان الذي ألقي القبض عليه منه، لكنه عرض فجر الأربعاء دون محامي كالعادة، لكن وكيل النيابة أصر على وضع ملحوظة في التحقيقات في أنهم ارسلوا مندوبًا لغرفة المحامين الموجودة بسراي النيابة في الثانية فجرًا ولم يجدوا محام للدفاع عن سيد، ثم انتهت الملاحظة!
لم تشر التحقيقات لوضع سيد إن كان طالبًا أو عاملًا، لكنه سأل مثل جميع القصر عن اسم والدته للتأكد من هويته فيما بعد، وأثناء إحالة القضية في المرحلة التالية.
سأل المحقق سيد عن سبب تواجده في المكان الذي لم تحدده التحقيقات، رد بأنه ذهب لهذه المنطقة لأنه علم بوجود مصابين وجرحى هناك فتوقع أن يجد نبيل بينهم، لكنه لم يكن موجودًا أيضًا، لكن سيد يؤكد أنه لم يذهب صوب وزارة الداخلية ولم يلقى القبض عليه بجوارها كما تشير الاتهامات.
«س/ ما قولك فيما سطره الضابط ذكي أحمد مدير إدارة مباحث القاهرة بمحضره المؤرخ في 22- 11- 2011 بأن أثناء تواجده بخدمة تأمين مقر وزارة الداخلية بالاشتراك مع قوات اﻷمن المركزي والتعاون مع القوات المسلحة قام بضبطك من ضمن مجموعة من المتظاهرين متواجدين بمنطقة وزارة الداخلية وقمت برشق القوات بالحجارة والزجاج والمولوتوف، محاولين اقتحام مبنى الوزارة حيث تم ضبطك؟
ج/ محصلش أنا مرحتش عند الوزارة.
س/ ما تعليلك لما سطره سالف الذكر؟
ج/ أنا معرفش ولكن هو ممكن يكون افتكر إني عملت كدة.
س/ وما سبب قيامك بالبحث عن صديقك في ذلك المكان؟
ج/ هو علشان كان في مصابين هناك فأنا رحت علشان أشوف صديقي من ضمنهم.
س/ هل لديك سوابق؟
ج/ لأ.
س/ هل تم ضبطك في قضايا مماثلة؟
ج/ لأ.
س/ هل توجد علاقة أو خلافات بينك وبين سالف الذكر؟
ج/ لأ.
س/ أنت متهم باستعمال القوة والعنف ضد أشخاص مكلفين بخدمة عامة وهم أفراد القوات المسلحة وذلك لحملهم بغير حق على الامتناع عن عمل من أعمال وظيفتهم ولم تبلغ بذلك مقصدك وكان ذلك بالتعدي عليهم بالضرب باستخدام الحجارة وزجاجات المولوتوف؟
ج/ محصلش الكلام ده وأنا مرحتش عند الوزارة.
س/ كما انك متهم بعدم حملك تحقيق شخصية وقد بلغت أكثر من ستة عشر عامًا ومن رعايا جمهورية مصر العربية؟
ج/ أنا لسة مطلعتش بطاقة.»
عليوة
تطلع عليوة إلى الشاشات، شاهد ما يقدمه رجال الموتوسيكلات في ميدان التحرير، كانوا أكثر مرونة من سيارات الإسعاف ويحظون بثقة الجميع، لم ينس المتظاهرون يومًا، أن سيارات الإسعاف استخدمت في أكثر اللحظات دموية في نقل بعض الأسلحة خلال اشتباكات جمعة الغضب حين حوصر الجنود بلا ذخيرة أمام المتظاهرين، صار الجميع عزل في مواجهة اللحظة، بعد هرب القيادات في لحظة الانسحاب الأمني!
ركب عليوة الموتوسيكل، بصحبة شخص حافظ على عدم ذكر اسمه في التحقيقات، خرج الاثنان من مصر القديمة قاصدين التحرير للانضمام لفرق الإسعاف الشعبي، لكن حين وصلوا كانت القوات الشرطية تنفذ إحدى الهجمات على المتظاهرين، حاولوا تجنب التدافع لكن واحد من الجنود قبض على عليوة بينما نجح سائق الموتوسيكل في الإفلات من نفس المصير، الاثنان تركا الموتوسيكل يواجه مصيره أيضًا.
عليوة يعمل صنايعي على ماكينة قطع أخشاب في ورشة نجارة في حي مصر القديمة، حيث يعيش، يمتلك جسدًا نحيفًا لم يساعده على مواجهة الاعتداءات ومراسم التعذيب المكررة مع المقبوض عليهم، ذهب عليوة إلى تحقيق النيابة التي ناظرته وسجلت إصابته بالكدمات المتفرقة في جسده، ذهب عليوة حافى القدمين يواجه اتهامات بالاعتداء على القوات الشرطية!
قبض على عليوة فجر الثلاثاء، تم إيداعه الكشك الخشبي ثم نقل إلى أحد معسكرات الأمن المركزي ومن هناك نقل مع آخرين لتحقيق النيابة في اليوم التالي.
خلال هذا الوقت، تعرض عليوة لتحقيق في أحد معسكرات الأمن المركزي، واللافت أنه أصر على أقواله في تحقيق النيابة وأنه حضر لدعم المصابين الذين رأهم يحتاجون المساعدة، رغم أن الخوف يبدو شبحًا بديهيًا أمام قاصر عمره 16 عامًا ولم يستصدر بطاقة شخصية حينها، كان عليوة في سن أصغر حين نفذت مصر القديمة المعركة الممتدة لساعات حتى المساء في جمعة الغضب لفتح الطريق أمام آلاف المتظاهرين القادمين من المعادي وطرة وحلوان الذين حاولوا الوصول للتحرير عبر شارع كورنيش النيل، يمرون عبر منطقته أولًا، إذا نجحت مصر القديمة، كمعبر لآلاف القادمين من بعيد، وهو ما حدث.
«س/ وهل دار بينك وبين مجري القبض عليك ثمة حوار؟
ج/ هم شتموني وضربوني ولكن ماتكلموش معايا.
س/ ومن الذي قام بضبطك آنذاك تحديدًا؟
ج/ هم الشرطة اللي قبضت عليا بس أنا معرفش أسماء حد فيهم.
س/ وما هو عدد ووصف ملقيي القبض عليك تحديدًا؟
ج/ هم عساكر من الشرطة بس أنا معرفش عددهم لأنهم كانوا كتير.
س/ وهل وقفت على شخص أيا منهم؟
ج/ لا انا معرفش أساميهم.
س/ وما هو الإجراء الذي اتخذوه حيالك؟
ج/ هم بعد ما قبضوا عليا خدوني على الكشك وبعديها على معسكر الأمن المركزي.
س/ هل قاموا بتفتيشك؟
ج/ أيوة.
س/ وما الذي أسفر عن ذلك التفتيش؟
ج/ هم أخدوا مني عدتين موبايل والفلوس ومحفظتي.
س/ من القائم بتفتيشك؟
ج/ هم اللي مسكوني وأنا معرفهمش.
س/ وما هو قصد القائم المتعدي عليك آنذاك؟
ج/ هما كانوا فاكريني إني واقف مع الناس المتظاهرين وبشارك معاهم في المظاهرات.
س/ وكيف استبان لك ذلك القصد؟
ج/ علشان هم عملوا كدا مع الناس اللي كانت واقفة في التحرير.
س/ هل ترغب في عرضك على مصلحة الطب الشرعي؟
ج/ لا ، أنا عايز أمشي مش عايز اتعرض على مصلحة الطب الشرعي.»
هلال
كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف فجر يوم 23 نوفمبر، حين فتحت النيابة تحقيقها مع هلال، خط سكرتير الجلسة في حالة تداعي، هناك عقوبة تنتظر من يحاول مراجعة هذا الخط، لكن لا يوجد صعوبة في استكشاف مواطن الأذى والتنكيل الذي لحق بحق هذا الطفل. أوراق المحضر لم تتعد أربع ورقات، ورغم أن التحقيق لم يضم محضرًا منفصلًا بالإصابات والاعتداءات، إلا انها مرقت رغم التحقيق المختزل.
وصل هلال الميدان في إطار عمله كبائع متجول، يبيع الكمامات للمتظاهرين الذين يواجهون قنابل الغاز خلال أيام الاشتباكات، لم يكن هلال وحده مكلفًا بمهمة عمل في الأيام الخطرة بالميدان، هناك عشرات الباعة الجائلين الذين قدموا للعمل في هذه الظروف، لا يمكن التكهن إذا كان قراره الشخصي أو قرار من يعمل لديه هلال هو الذي دفعه وغيره من الباعة الأطفال، المهم أنه وخلال هذه الفترة كان هناك من يقرأ احتياجات الجمهور المشتبك مع الشرطة، وهناك من ينفذ مشتبكًا مع اللحظة ويواجه العقبات.
انهي هلال يوم العمل مما يعني أنه باع كل الكمامات التي كانت في حوزته، كان ذلك ظهر يوم 22 نوفمبر، لحظة احتشاد المتظاهرين في مليونية الثلاثاء، وأثناء خروجه من المنطقة المحيطة، دخل في شارع بالخطأ، تبين بعد ذلك أنه كمين على الأغلب، حيث واجه منفردا مجموعة من عساكر الأمن المركزي الذين قبضوا عليه بعد ضربه بالعصي السوداء، ضربوه على قدمه ثم جرجروه إلى الكشك الخشبي سيئ السمعة والموجود بجوار وزارة الداخلية، وهناك اعتدى عليه ضابط شرطة بالبوكس في وجهه، كما تلقى بعض الضربات على جسده وتم إيداعه الكشك حتى وصل للنيابة.
اتهم هلال بعدم حمل بطاقة، قال إنه لم يصدرها بعد، كان شابًا طويلا قمحي البشرة، ذو شارب خفيف، ومن الواضح أنه حظى بقدر قليل من التعليم، وجدنا توقيع غير واضح المعالم على أقواله، جاء هلال قادمًا من شوارع حى المرج، المنطقة الريفية المطلة برأسها على محافظة القليوبية واشتهرت بزراعة النخيل، بني فيها فيلات واستراحات للميسورين مثل فيلا زينب الوكيل زوجة النحاس باشا، ثم تحولت أحد قصورها إلى منفى دائم لمحمد نجيب أول رئيس عسكري في جمهورية الضباط، ومنذ الثمانينيات، نقل إليها أفواج من فقراء المدينة في محاولة مستمرة لدفعهم نحو الأطراف.
«س/ وما قولك فيما هو منسوب إليك من أنك متهم بعدم حيازتك تحقيق شخصية حال كونك من رعايا جمهورية مصر العربية؟
ج/ أنا مطلعتش بطاقة.
س/ ما الذي حدث إذا وما هي ظروف ضبطك واحضارك؟
ج/ اللى حصل أن أنا كنت ببيع كمامات للناس في ميدان التحرير وبعد ما خلصت وجيت أمشي كدة جيت ***عامة ***** فرحت مكان تاني علشان ***** وبعد كدة لما خلصت مشيت ودخلت الشارع اللي بمشي فىه كل مرة ولقيت بعد كدة عساكر ماسكين عصيان ولابسين خوذة وضربوني على رجليه من غير أي إصابات وبعد كدة خدوني على كشك وبعد كدة لقيت ضابط جه ضربني بالبوكس وضربني وركبني على عريبة الترحيلات وبعد كدة جيت على النيابة.
س/ متى وأين حدث ذلك تحديدًا؟
ج/ الكلام ده حصل 22/11/2011 حوالي الساعة 12 ظهرًا في شارع متفرع من شارع التحرير وشارع محمد محمود.
س/ ما مناسبة تواجدك في الزمان والمكان سالفي الذكر؟
ج/ أنا شغال هناك بائع متجول كمامات.
س/ ومن كان برفقتك آنذاك؟
ج/ أنا كنت لوحدي.»
رجب
هذه القصة لديها فرادة ومنحى مختلف، الطفل فيها يقدم أوصافًا للأشياء، لا يوجد أسماء، توجد وقائع غير مرتبطة بالحدث العام، وربما للمفارقة، سقطت القصة في الإطار الزمني لاشتباكات صباح مليونية الثلاثاء.
يعيش رجب في حى الشرابية الشعبي بشرق القاهرة، يصف نفسه بأنه عامل مقاولات، ذهب صباحًا إلى كوبري قصر النيل ناحية الأوبرا لمقابلة شقيقه ليحصل منه على شيء هام، وأثناء عودته في الطريق المتجه إلى ميدان التحرير، يرى مجموعة تجري على الكوبري وخلفها مجموعة ترتدي الأسود كما وصف ولا يعرف من هؤلاء، ثم يضطر أن يجري مع الفارين خوفًا من المشهد القادم نحوه، يجري حتى ألقي القبض عليه.
يسأله المحقق ماذا يفعل أخيك في هذا الوقت وهذا المكان، كانت إجابته أن شقيقه يعمل عسكري في القوات البحرية في الجيش وهذا هو مكان خدمته، وهو الذي اتصل به واستدعاه للمكان.
تعرض رجب للاعتداء عليه من قبل المجموعة التي ترتدي الأسود، قلبت جيوبه وحصلوا على أمواله التى قدرها في المحضر بألف جنيه، سأله المحقق من أين لك بالمبلغ، فقال أعطاه لي ولدي، تابع المحقق السؤال، لماذا يحمل هذا المبلغ، فرد بثقة : أنا متعود أشيل فلوس كتير!
تعرض رجب للإيذاء في يديه على وجه الخصوص، غالبًا أثناء حمايته لأغراضه مثل النقود والتليفون الغالي الثمن الذي أثبت قيمته في محضر التحقيق، وكذلك كتفه وظهره وطلب عرضه على الطب الشرعي، استطاع رجب في التحقيق الإضافي التحدث عن مرتكبي الاعتداءات في حقه عندما سأله المحقق: هل كانوا أفراد من الشرطة ورد بالإيجاب.
كان رجب متوسط البنية، قمحى اللون وشعره أسود، حليق الذقن. يرتدي تيشيرت رمادي فى أحمر وبنطلون جينز كحلي اللون، وكوتشى أبيض، محرر المحضر ضد هذا الطفل عميد شرطة يعمل بإدارة مباحث الآداب في القاهرة!
«س/ كيف تم ضبطك؟
ج/ وأنا راجع ناحية ميدان التحرير لقيت ناس بتجري فجريت معاهم.
س/ وما سبب قيامهم بالعدو؟
ج/ أنا معرفش.
س/ ما سبب قيامك بالعدو برفقتهم؟
ج/ أنا قلت أكيد في حاجة جاية وراهم.
س/ من الذي قام بضبطك؟
ج/ ناس لابسة أسود معرفش شغالة إيه.
س/ وما سبب قيامهم بضبطك؟
ج/ معرفش.
س/ هل قام أيا منهم بالتعدي عليك؟
ج/ أيوة هما ضربوني.
س/ هل تتهمهم بالتعدي عليك؟
ج/ أيوة.
س/ ذكرت بأقوالك قيام مجموعة من الأشخاص بالاستيلاء على بعض المنقولات الخاصة بك. صف لنا كيفية حدوث تلك الواقعة؟
ج/ هما لما مسكوني فتشوني وأخدوا مني الحاجات اللي كانت معايا.
س/ حدد لنا تلك المنقولات؟
ج/ مبلغ 1000 جنيه وتليفوني المحمول.
س/ من أين تحصلت على المبلغ المشار إليه؟
ج/ من أبويا.
س/ وما مناسبة قيامك بالاحتفاظ به؟
ج/ أنا على طول معايا فلوس كتير.
س/ صف لنا الهاتف المحمول الذي تم الاستيلاء عليه؟
ج/ تليفوني نوكيا N95 أسود اللون بخطين ورقمهم ************ & ****************
س/ وكم يقدر ثمنه؟
ج/ هو كان بـ 2500 جنيه.»
تعود حقوق النص الأصلي لشركة الذاكرة والمعرفة للدراسات والأبحاث. وشارك عماد مبارك، المحامي والحقوقي، بمجهود توثيقي كبير. إتمام هذا النص لم يكن ممكنًا بدونه.
آراء أخرى
كل الأسماء مستعارة.. كل الوقائع تدعي أنها الحقيقة (1-4)
« قراءة في تحقيقات «أطفال محمد محمود» »
قد تؤلمنا الذاكرة، لكنها لن تقتلنا أبدًا
«الهدف ليس سرد الحقيقة، وإنما طرح وقائع وروايات مختلفة، كل منها يمثل حقيقةً لصاحبها.»
لهذا سُجِنَت آية حجازي
«التهمة: القدرة على التنظيم _____________ ما الذي يدفع نظامًا سياسيًا، مهما بلغ من قسوة، لاعتقال صاحبة جمعية تهتم بقضية أطفال الشوارع؟ على افتراض صحة التهم الموجهة…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد