تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

كل الأسماء مستعارة.. كل الوقائع تدعي أنها الحقيقة (2-4)

رشا عزب
9 دقيقة قراءة
كل الأسماء مستعارة.. كل الوقائع تدعي أنها الحقيقة (2-4)

مدخل إلى الذاكرة 

هل يمكن أن نسمع أصوات المعركة بعد عشر سنوات من حدوثها؟ 

ها هو الدبيب الحي، يمشي تحت الجلد في استكانة مزيفة، يتعايش مع الحاضر ويتملق اللحظة الفائتة، أحيانًا في فخر، ثم يلعنها في غضب في مواقف أخرى، أمامنا لحظات عاشها عشرات الأطفال الذين شاركوا معركة «محمد محمود» الأولى التي جرت وقائعها في نوفمبر من عام الثورة 2011، نرصد اللحظة الرسمية كما سجلتها الأوراق، نسمع القليل من أصواتهم ونحاول رسم ملامحهم من الوصف المخل، يتحركون على الورق رغم ثبات الاتهامات العبثية وقدرتها على الفتك بعقل طفل قاصر يواجه سلطة شرسة بلا أهل أو محامٍ في أغلب التحقيقات، يقف 38 طفلًا بعضهم مصاب أمام جهات التحقيق التي نُصبت في خلفية حدث كبير يدور في الشوارع، على مسافة شارعين من محكمة عابدين التي شهدت وقائع أغلب التحقيقات، كانت آلة القتل تحصد ولا تكل، تنزف العيون وتذهب بنورها بلا رجعة، على مسافة شارعين من محكمة عابدين جرت وقائع لا يمكن أن تنكرها الأوراق الرسمية وإن حاولت. 

منذ اللحظة الأولى التي أعدتُ فيها قراءة أوراق هذه القضية، أدركتُ أن العودة للوراء مثل السير عكس اتجاه الطريق، مكلفة وتُقشر طبقات من خداع الذاكرة، كيف يمكن قراءة قصة بعد عشر سنوات من حدوثها دون التفكير في مسار حياة أبطالها، كانوا صغارًا وصاروا شبابًا ورجالًا يخوضون الحياة الآن وتنوعت مصائرهم، هل تصالحوا مع هذه اللحظة أم تركوها في قاع الذاكرة لتُدفن في أحيائهم الفقيرة البعيدة التي جاء أغلبهم منها، كان أغلبهم بعيدين عن المركز، بعيدين عن مصر التي ترصدها عدسات مصورين العالم في هذه اللحظة، يتوق أغلبهم لرؤية الحدث كما عبّروا ببراءة في بعض التحقيقات، لكنهم حين أتوا لم يكن هناك مجال للفرجة الرخيصة والممازحة الطفولية الفتية، جاءوا أرض الأثمان المكلفة، الحكومة تنهار أمام سيطرة المجلس العسكري على مجريات الحكم ليبدأ عصر الضربات الموجعة للمسار الثوري، جماعة الإخوان المسلمين في حالة انتشاء سياسي، يستعدون لانتخابات التمكين، والمعارضة الثورية منقسمة بين المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأولى ودعم معركة الثوار على الأرض، حين جاء أطفال هذه المعركة أضحى لكل شيء ثمن، ولكل خطوة في شوارع هذه المدينة معنى ومسار معبد بالخطر. 

هذه أقوال مجموعة من الأطفال، دخلوا التجربة وحدهم وخرجوا كذلك، بقيت تفاصيل ما جرى لهم بين هذه الأوراق لعشر سنوات، والآن تحاول الخروج.

وعلى مدار أربع حلقات تماثل الأيام الأربعة التي قضاها هؤلاء الأطفال في التحقيقات، ربما يمكننا فهم القبضة الغاشمة للسلطة، وربما كذلك تفاهتها.

كان طريق الإسعاف في هذا اليوم مثل وريد مكشوف، شق عميق في كتلة بشرية متلاحمة، الطريق مفتوح من مسجد عمر مكرم حيث المستشفى الميداني وحتى مدخل شارع محمد محمود، تتحرك فرق متطوعين على موتوسيكلات، تلتقط المصابين والشهداء وتعود، بينما يقف على الجانبين فى برودة نوفمبر، شهود المذبحة، يحمون الهواء في الممر الساخن، ينزعون عن أنفسهم صفات المتفرجين، نحن الشهود، رأينا النظرة الأخيرة لمن غربت سماواته.

كانت التصريحات الرسمية تشير إلى ضرورة التهدئة قبل الدعوة لمليونية «الإنقاذ» التي كان موعدها  هذا اليوم، لكن غضب المجلس العسكري كان واضحًا من نوع الهتافات التي يضج بها الميدان وجماهيره، كما سجلت شهادات صحفيّ النظام، حاولت قوات الشرطة صباح الثلاثاء دفع المتظاهرين بوابل من الغاز والسيطرة على أسوار الجامعة الأمريكية، لكن الأعداد المتوافدة على الميدان صدت الهجوم مرات عديدة ونقلت الاشتباكات إلى حدود شارع منصور وميدان الفلكي، شهد اليوم أكبر حصيلة إصابات، 690 شخصًا، وقتل شخصين بالرصاص الحي.

فى المساء، تم الإعلان عن أول خطاب للمشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري الحاكم وقتها، للتعليق على الأحداث بعد قبول استقالة الحكومة، عبّر المتظاهرون عن رفضهم لمحتوى الخطاب، رفعوا الأحذية كما فعلوا مع خطاب مبارك الثاني، تعرض الميدان لهجوم نوعي عبر غازات غير مرئية أصابت البعض بالتشنجات، أخلت الغازات قلب الميدان، لم يكن الخطاب سوى إعلان عن الفقرة الثانية من العصف والترويع، فشل الساسة وقادة المجلس العسكري في وقف اعتداءات الشرطة، وفشلت المجموعات السياسية في كبح تيارات الأدرينالين المستعدة لمواجهة الموت. 

كانت القشرة الخارجية للحدث تشير إلى صراع سياسي بين المجلس العسكري والحكومة المدنية بقيادة عصام شرف، بينما تقف مواقف جماعة الإخوان المسلمين على ناصية الصراع، يحاولون التقاط الغنائم الباقية من المعركة. كان الصراع على الأرض، له جذور أخرى، كانت المعركة بين استمرار الطغيان ومحاولة إيقافه، البعض يحاول صياغة أسطورته الخاصة في اللحظات العصية على الفهم، لم يختر الناس بدء هذه المعركة، البداية معروفة: قرار منفرد من المجلس العسكري دون الحكومة بفض اعتصام أهالي الشهداء ظهر 19 نوفمبر، لكنهم اختاروا أن يكونوا داخل المعركة، أن يحملوا جواز عبورها، ربما حل الندم بعد سلسلة من هزائم لم تكن في الحسبان، لكن حينها لم يكن هناك سوى غواية للصمود والتعري الكامل أمام الخطر وذوبان الوعي الفردي فى الفيض الأبيض، مع اشتداد المعارك في الليل، كانوا يقطعون النور عن منطقة الاشتباكات، يتحرك الجميع في ظلام محسوس على أضواء الحرائق أو كشافات الليزر الأخضر التي راجت حينها باعتبارها من أدوات المعركة، في هذا الليل الطويل، كان صوت الجموع راسخًا في شوارع مهزومة، فمن ينسى! 

إبراهيم 

تنتهي الوردية في المصنع ثم تبدأ الحياة كما اختارها إبراهيم، عامل في سن السادسة عشر، انصرف عن التعليم مضطرًا ويتعلم صنعة، بصمة عقلة اصبع صغيرة فى ذيل أوراق التحقيقات على أقوله، تعرفنا أن إبراهيم لا يجيد فك الخط. 

 تمتلئ مصانع شبرا الخيمة بسنابل خضراء يشبهون إبراهيم، عمالة غير مرخصة، تجني قوتها باليومية ودون غطاء تأميني لأن القانون الرسمي يمنع عمالة الأطفال، لكن القانون لن يطعمهم ولن يفيد بطونهم العفية التي لن تجد ما تفرمه مع طلعة كل شمس. 

مع نهاية الثلاثاء، ينزح إبراهيم مع صحبته إلى ما أطلق عليه «أرض التحرير» لمشاهدة ما يجري دون المشاركة فيما يحدث كما شدد في أقواله، حيث توقع أن الاشتباكات تهدأ في المساء. ينتصف الليل، يعود أصدقاؤه ويقرر إبراهيم البقاء قليلًا، وفي لحظة الخروج من الميدان، ينادي عليه شخص ثم يسحبه إلى عساكر الأمن المركزي ويقبضون عليه فجر الثلاثاء، حاول إقناعهم أنه لا ينتمي للناس بتوع التحرير، لكنه وجد نفسه يسقط على الأرض، وتبدأ العصيان الخشبية الطائشة في دورها ، ضربات متتالية على رأسه وقدمه وظهره، يجرجر مكومًا إلى سيارة الترحيلات التي أخذته إلى مكان غير معلوم بالنسبة له، ثم وصل إلى غرفة التحقيق. أين يذهب إبراهيم بعد دورية المصنع؟ يذهب للسجن! 

هل يختلف المصير في أرض التحرير عن أرض شبرا الخيمة؟ حين قررت صحبة إبراهيم النزول، لم يكن وصل لسن إصدار البطاقة الشخصية، يحمل في محفظته شهادة ميلاده، وعلى ما يبدو أن «محمد محمود» لم تكن ساحة المواجهة الأولى، فقد عاشوا على أرضهم في معركة امتدت لساعات في شارع الحبيبي بجوار قسم شبرا ثان، أمام مسجد الصوالحة الذي خرجت منه المظاهرات، أو الشارع الجديد حيث تبدأ غالبية المسيرات في محاولة للوصول تحت كوبري المؤسسة وهي المنطقة التي تمركزت فيها قوات الأمن لمحاولة منع مسيرة شبرا الخيمة للوصول للتحرير، قُتل 25 متظاهرًا وأُصيب العشرات في أحداث جمعة الغضب، شاهد إبراهيم وجيله كيف يترجل الموت بين شوارعهم الضيقة، سكك مفتوحة للهلاك، لكنها شكلت وسمًا آخر لحياة حاولوا تذوقها للمرة الأولى كما فعلت الملايين. 

س: ما تفصيل حدوث إصابتك؟

ج: زي ما قلت لحضرتك تعدي قوات الأمن المركزي بالضرب عليا باستخدام العصى الخشب وخدت خبطة في راسي بين عيني وضربة تانية في رجلي اليمين وخدت عدد من الضربات في ظهري.

س: ما هي الإصابات التي بك؟ ومن الذي أحدثها؟ وما هي الأداة المستخدمة في إحداثها؟

ج: أنا عندي إصابة بمقدمة رأسي بين عينيا *** عصايا، وعندي إصابة برجلي اليمين بضربة عصايا وخدت عدد من الضربات في ضهري بالعصيان.

س: وكم ضربة تلقيتها تقريبا؟

ج: **** في راسي وواحدة في رجلي وضربات متعددة بضهري ماقدرش أحدد

س: ومن تحديدًا قام بإحداث إصابتك وما الأداة المستخدمة في إحداثها؟

ج: اللي ضربني عساكر الأمن المركزي وضربوني بالعصا الخشب اللي معاهم

س: وما هي طبيعة الأرض التي كنت تقف عليها آنذاك؟

ج: أرض الشارع الأسفلتية.

س: وما هي حالة الضوء والرؤية آنذاك؟

ج: الشارع كان ضلمة والرؤية مش واضحة.

حسن 

لا يمكن التكهن بالمكان الذي يعيش فيه حسن الآن، ربما محته يد التطوير الثقيلة ضمن ما محت، الأوراق تشير إلى أنه من سكان بولاق أبوالعلا، نسبة إلى مسجد السلطان أبوالعلا مؤلف القلوب وحبيب المحرومين، السلطان يقبع شاهدًا وحيدًا، تعرض للتفريغ العمراني، والآن يتجه للنظر نحو عمارات حديثة ذات نوافذ زجاجية زرقاء، رحل المريدون وجاء المستثمرون.

يقول حسن إنه اضطر للنزول لوسط البلد بسبب خوفه على ابن خالته الذي نزل المظاهرات المندلعة حول وزارة الداخلية، قرر أن ينزل للبحث عنه وإرجاعه إلى البيت، حين وصل إلى التحرير شاهد المتظاهرين يرمون المولتوف والحجارة على قوات الأمن بينما القوات ترد بالغاز المسيل للدموع. تطور دور حسن من البحث عن ابن خالته للعب دور فيما يجري، قال إنه حاول أن يقف في الصفوف الأولى للتفريق بين المتظاهرين وقوات الأمن ولحماية قوات الأمن أيضًا، ثم شعر بالخطر على نفسه فقرر أن يبتعد قليلًا، ثم نفذت قوات الأمن هجمة على المتظاهرين وأخذوه معهم بالخطأ اعتقادًا منهم أنه يقوم بعمل زجاجات المولوتوف مع المتظاهرين.

حسن، شاب طويل البنية قمحي اللون، يرتدي بنطلون جينز أزرق وجاكيت أسود وكوتشي أسود، سنه المثبت في الأوراق 17 عامًا، ولذلك كان من بين الاتهامات عدم حيازته بطاقة شخصية، قال إنه فقدها في رحلته القصيرة إلى التحرير.

أُلقى القبض على حسن الساعة الثالثة فجر الثلاثاء، عُرض على النيابة في العاشرة من مساء نفس اليوم مع عدد من الأطفال القُصر. هذا اليوم كان الأقل في أعداد الأطفال المقبوض عليهم، ربما خففت آلاف المتضامنين في مليونية الثلاثاء وطأة السعار الأمني في حملات القبض المستمرة، كذلك انضم شباب الأولتراس الأهلاوي والزملكاوي ومارسوا ألعابهم فى إنهاك القوات الشرطية، فتحوا مسامًا في عقلية الضرب في المليان، أن يدرك الباشا أن هناك طرقًا لمواجهة المتظاهرين دون قتلهم ودون أنه يتحول إلى «جدع» لأنه استطاع فقئ عيون المتظاهرين باحترافية! 

أُلقي القبض على حسن بينما كان مغشيًا عليه بعد تلقيه ضربتين موجعتين على رأسه، استفاق وهو داخل سيارة الترحيلات، استفاق على آلام مبرحة من استمرار الاعتداءات عليه حتى بعدما سقط بين أيديهم. حضر حسن تحقيق النيابة وآثار الاعتداءات ظاهرة من الرأس حتى القدمين، ولم يهتم بعرضه على الطب الشرعي لأنه عُرض على أحد المستشفيات واستمر حبسه رغم حالته. 

س: متى وأين حدث ذلك؟

ج: النهاردة 22/11/2011 الساعة 3 الفجر أمام وزارة الداخلية.

س: ومن كان برفقتك؟

ج: كنت لوحدي.

س: وما مناسبة تواجدك؟

ج: أنا كنت رايح أشوف ابن خالتي.

س: ومن الذي قام بالتعدي عليك؟

ج: عساكر الأمن المركزي بس معرفش مين فيهم.

س: كيف وقفت على صفة سالف الذكر؟

ج: كانوا لابسين أسود لبس الأمن المركزي وواقفين وزارة الداخلية.

س: وما سبب قيامهم بالتعدي عليك؟

ج: هما كانوا عايزين يقبضوا على حد فقبضو علينا ********

س: وما هي واجهتك من القائم بالتعدي عليك؟

ج: كان حواليا من كل ناحية وماكنتش عارف الضرب جاي منين.

س: وهل ثمة أدوات استخدمت في التعدي عليك؟

ج: أيوة، عصى الأمن المركزي.

س: كم ضربة كانت لك؟

ج: ماحستش غير بضربتين وبعدها أغمى عليا وبصيت لقيت وجع في جسمي.

س: أين استقرت تلك الضربات؟

ج: الضربتين كانوا في دماغي بس لما فقت لقيت ضربات في ضهري وإيدي الشمال.

س: هل حاولت رد التعدي الواقع عليك؟

ج: لا.

س: وما الذي حال دون ذلك؟

ج: هم أكتر مني وماقدرش عليه.

تعود حقوق النص الأصلي لشركة الذاكرة والمعرفة للدراسات والأبحاث. وشارك عماد مبارك، المحامي والحقوقي، بمجهود توثيقي كبير. إتمام هذا النص لم يكن ممكنًا بدونه.

عن الكاتب

رشا عزب

رشا عزب: صحفية وكاتبة مصرية. حاصلة على بكالوريوس الإعلام التربوي من جامعة القاهرة عام 2004. نشرت مقالاتها في عدد من المواقع مثل «المدن»، «كسرة»، و«صوت هولندا»

آراء أخرى

رأي
طاهر المعتز بالله

لهذا سُجِنَت آية حجازي

«التهمة: القدرة على التنظيم _____________ ما الذي يدفع نظامًا سياسيًا، مهما بلغ من قسوة، لاعتقال صاحبة جمعية تهتم بقضية أطفال الشوارع؟ على افتراض صحة التهم الموجهة…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).