كافكا على الشاطئ
دائمًا ما أعيد تذكير نفسي بأن ما أتعرض له من ملاحقة هو الأكثر خفة، إذا ما قورن بأشكال الملاحقة التي يتعرض لها، في المتوسط، المشتبكون مع العمل العام في مصر. فأنا لم أقض في السجن أكثر من «خمس دقائق»، كما يقول لي زميلي مازحًا باستخدام وحدات قياس الزمن المعمول بها في السجون المصرية. وعلى الرغم من أن العيش تحت طائلة قضايا الإرهاب يعرضك دومًا لهذا النوع من المصادفات التعيسة التي تعرضت لها الأسبوع الماضي، فعلى الأقل عندي من يتدخل وينقذ الموقف الذي ينتهي بإخلاء سبيلي. ولكن بعد الاعتراف بالمزايا السياسية والاجتماعية، والحمد لله على نعمه الكثيرة، فأنا على الأقل أستطيع أن أجزم بشيء من الثقة أنني الوحيد في مصر -ربما في التاريخ- الذي ينفرد برقم قياسي في عدد مرات الاعتقال من على الشاطئ. أو للدقة في سياق قضاء إجازة على البحر (حيث أن المرة الأولى كانت حرفيًا على الشاطئ، أما الثانية فكانت على الطريق الساحلي).
قبل يومين من القبض علي، كنتُ أنا وبعض الأصدقاء نتحدث في أمر ما لا أتذكره، ثم أخذنا الحديث إلى كافكا. تقول الأسطورة إن أي نقاش يتطرق إلى كافكا لا بد أن ينتهي بإصرار واحد على الأقل من أطراف الحديث على أن واقعنا المعاصر/ حياته الخاصة كافكاوية أكثر من روايات كافكا نفسها. في هذه المرة كنت أنا هو الشخص الذي ارتكب خطيئة ابتذال مصطلح الكافكاوية، ولكنني دافعت عن مقاربتي بعدة أمثلة من العالم الكافكاوي الخاص بقضايا الإرهاب.
أمضيت خمس سنوات أحاول الطعن على قرار دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات القاهرة بتجميد حساباتي ومنعي من التصرف في أموالي (يتيح قانون الإجراءات الجنائية للمتضرر الطعن على هذا النوع من القرارات كل ثلاثة أشهر). ولكن المحكمة تطلب مذكرة معلومات من نيابة أمن الدولة العليا للتأكد فيما يبدو من أن القرار ما زال ساري المفعول. طلبت المحكمة هذا البيان لأول مرة بعد أشهر قليلة من القرار الذي أصدرته بنفسها، في ديسمبر 2020، بتجميد حساباتي، والذي لم أعرف ملابساته أبدًا لأنني لم يُسمح لي ولا لمحاميّ بالاطلاع عليه. منذ ذلك الوقت، تنتظر المحكمة خطاب النيابة الذي لا يأتي أبدًا. ولهذا لم أحصل أبدًا -لا أنا ولا زملائي في القضية الذين يخضعون لنفس الإجراءات- على جلسة فقط للنظر في طلبنا بالطعن على قرار المحكمة المستمرّ مفعوله منذ خمس سنوات. دوائر مكافحة الإرهاب تتعامل مع متهمين أبديين، فلا يهم عامل الوقت على أي حال.
في صيف 2021، تصادف أن أعدت قراءة رواية «المحاكمة» المسؤولة بشكل رئيسي عن ارتباط اسم كافكا بالكوابيس البيروقراطية. كنت في إجازة على شاطئ البحر المتوسط. شعرت بألفة شديدة بيني وبين جوزيف كـ -بطل الرواية الكافكاوي الأصلي- وشعرت أن هناك الكثير من التشابهات في حياتنا. لا بد أن هناك ما لا يقل عن 500 مليون إنسان على وجه الأرض يشعر بنفس الشيء. يحس جوزيف كـ بالانسحاق أمام بيروقراطية العدالة عندما يجد نفسه متهمًا بشيء لا يعرفه ولا يسمح له أبدًا بمعرفة ما هو. وكلما حاول تصحيح هذا الوضع العبثي باستخدام نفس أدوات القانون الحديث (توكيل محامٍ أو محاولة النفاذ بشكل مباشر لسلطات القضاء المسؤولة عن محاكمته) يفشل في الحصول على إجابات، فيتنامى إحساسه بالاختناق واللا يقين والذنب غير المبرر، في حالة من التغذية العكسية التي لا تتوقف. لم أتذكر موضوع جوزيف كـ وإعادة اكتشافي للرواية على الشاطئ إلا هذا الأسبوع، وأنا أحاول إقناع أصدقائي بأن الإحالة لكافكا في هذا السياق مبررة أدبيًا.
ثم، بعد 48 ساعة، قُبض علي للمرة الثانية من على الشاطئ. في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كملهاة.
في المرة الأولى، كنت، على الأقل، على معرفة بأسباب ملاحقتي واعتقالي التي انتهت بقضية انضمام إلى جماعة إرهابية، ذلك النوع من القضايا الذي يتسم بنصف عمر يُعادل نصف عمر عنصر البلوتونيوم 244. تصادف وقتها أنني كنت أقضي إجازة قصيرة في مدينة دهب. كانت الحملة الأمنية التي خرجت لضبطي وإحضاري انطلقت قبل يوم ونصف، بعد أن قُبض على زميلي بالعمل بالفعل قبلها بيومين، إلى أن تم توقيفي على الشاطئ، صباح أحد أيام نوفمبر 2020.
كنت على وشك تناول إفطاري عندما ظهر أمين الشرطة مطالبًا بإظهار بطاقة تحقيق الشخصية. شعرت بأسف شديد لأنه لم يتأخر عشر دقائق فقط، فلم أكن قد تناولت قضمة واحدة من باراتا البيض التي سأفتقدها لسنوات طويلة بعدها. تم اقتيادي لمقابلة ضابط قال لي إنه قادم رأسًا من مدينة الطور لضبطي. كان هناك إصرارٌ عجيبٌ على أنني هارب من العدالة لمجرد أنهم لم يجدوني في منزلي قبل يوم ونصف يوم. سألت الضابط وأنا أشير إلى لباس البحر والمكان المفتوح الذي قُبض علي فيه إذا كنت أبدو له كشخص يحاول الاختباء. قمت بتذكيره أيضًا بأنني لم يتم استدعائي من قبل السلطات القضائية لكي أهرب أساسًا. كل ما في الأمر أن مداهمة أمنية لمكان سكني فوجئت بأنني كنت أقضي إجازة في جنوب سيناء.
أما في هذه المرة فلم أكن على معرفة بأي تطورات أو أسباب محتملة لملاحقتي من جديد. تتابعت الأحداث بشكل سريالي، يتضح بأثر رجعي أنه لم يكن أكثر من مجموعة من الصدف السيئة، ولكنها ليست بالضرورة كلها من قبيل المصادفة. فالعيش تحت طائلة قانون الإرهاب يعرضك لأن تتحوّلَ أيُّ مصادفةٍ سيئة إلى أزمة قد تتسبب في تدمير حياتك. قد تجد نفسك موقوفًا في أحد الأكمنة الثابتة أو المتحركة التي تنتشر في القاهرة أو على الطرق السريعة. وقد يحدث في بعض الأحيان أن يقرر الضابط المسؤول عن الكمين الكشف عن بطاقة هويتك. في المرات القليلة التي واجهت هذا الموقف، احتجت إلى استخدام كل مهاراتي السياسية والتفاوضية، واستدعاء كل ما أملك من الرصيد الاجتماعي والطبقي الذي يساعد في تجنب أي تصعيد قد ينتج بالضرورة عن الكشف الإلكتروني عن البطاقات. وبعد سنوات من تجاوز هذه المطبات بخفة ورشاقة، قد تظن أن حياتك اكتسبت قدرًا من العادية وأنك أصقلت مهارات دبلوماسية لجان الشرطة للدرجة التي قد تنسى معها أنك مشتبه به في قضية إرهاب لا تنقضي ولا تحفظ التحقيقات فيها إلا بعد مرور عدة أزمنة جيولوجية. ولكن، من الطبيعي أن ينفد حظك في يوم من الأيام.
من العجيب أن تأتي هذه المرة على طريق الساحل الشمالي، الذي لا يشبه الطرق السريعة في محافظة جنوب سيناء، والتي تعودنا فيها على التوقيف المستمر. كمين لا يشبه الأكمنة العادية. سؤال عن الهويات ورُخص القيادة. ثم طلب تفتيش التليفون. اعتدت أن أرفض طلب تفتيش محادثاتي الخاصة إذا لم يكن مصحوبًا بأمر قضائي (أؤكد دومًا لرجال الشرطة بكل أدب ودبلوماسية أنني فقط ملتزم بالقانون الذي يقومون بإنفاذه). يوم الثلاثاء، وأنا في طريقي قبل منتصف الليل إلى مستشفى العلمين، رفضت بأدب فتح هاتفي. لم يعترض الضابط الذي تعامل معي بنفس القدر من الأدب واللياقة كذلك، ثم قال لي إنه سيقوم بالكشف على بطاقتي. طلبتُ منه بنفس الدرجة من اللياقة والأدب ألّا يطيل توقيفنا لأننا متجهون إلى مستشفى العلمين في هذه الساعة المتأخرة من الليل لأخذ بعض المتعلقات لمريض. ثم أنهى زميلُه في هذه اللحظة الموقف وناولنا أوراقنا وشكرنا وتأسف على الإزعاج. كل شيء يبدو هادئًا على الضفة الساحلية الشمالية.
أنا لست هاربًا من تنفيذ أي أحكام فلا يوجد ما يدعو للقلق بالضرورة من الكشف على بطاقتي. إلّا أنني في هذه المرة يبدو أنني اصطدمت بأحد الأكمنة المتقدمة التي تكشف عن ما هو أعمق من الأحكام التي تنتظر التنفيذ. ويبدو أن شخصًا ما قد انتبه للخطأ الذي ظن أنه ارتكبه بعد مروري من اللجنة التي تبعد 30 دقيقة عن المستشفى المتواجدة في مدينة العلمين، في نفس وقت وصول زيارة رسمية من رئيس الإمارات. فإذا بي أُغادر المستشفى، بعد حوالي ساعة أو أكثر، لأجد ثلاث سيارات تعترض الطريق بشكل سينمائي، وقوة هائلة من رجال الشرطة تنزل مهرولة من السيارات ليقوموا باقتيادي بالضرب من السيارة التي كان يقودها أخي. حدث كل شيء بسرعة شديدة لدرجة أنه من الصعب أن أتذكر من قام بماذا، فقد تم جذبي بعنف من داخل السيارة وتعصيب عيني بسرعة شديدة واقتيادي وأنا عاجز عن الرؤية عبر الطريق بالضرب والصفعات، ثم تكويمي داخل سيارة نصف نقل.
أدركت أن محاولة الحديث أو الاعتراض أو معرفة ما يحدث ستؤدي إلى مزيد من العنف، وأن الموضوع أكبر مما أتخيل، انتظرت اللحظة المناسبة، وحاولت أخذ نفسًا عميقًا والانفصال عن الأحداث، إلى حين أن أجد فرصة للحديث إلى ضابط مسؤول -فقط نجحت في استراق نظرة سريعة قبل تعصيب عيني لأتأكد أنهم تركوا أخي في سيارته. حمدت الله لأنه على الأقل سيقوم بإبلاغ زملائي لأنني، فيما يظهر من هذا التصعيد غير المسبوق، على وشك الاختفاء قليلًا.
معصوب العينين وبمعاملة خشنة وتهديدات انتقامية (وكأنني قمت بتغفيل الشرطة) تم اقتيادي من السيارة إلى قسم شرطة على بعد دقيقة واحدة -لا بد أنه قسم شرطة العلمين- وتفتيشي ومصادرة جميع متعلقاتي وإجباري على فتح هاتفي. لم أقاوم هذه المرة فأنا أفضِّل ألّا أتعرض للضرب المجاني الذي كان قد توقف بعد الدقائق الأولى. حاولت أن أفكر في الأسباب المحتملة لهذا التصعيد غير المتوقع. لماذا لم يتم استدعائي إلى نيابة أمن الدولة العليا إذا كنت مطلوبًا لسبب ما؟ إذا كانت هذه مصادفة مرتبطة بملابسات تواجد الكمين الغامض في هذا المكان، فلماذا تركوا أخي ولم يهتموا حتى باصطحابه مؤقتًا إلى قسم الشرطة؟ أصريت على أن أعرِّف الضباط الذين قاموا بتفتيشي بطبيعة عملي وسوابقي، ثم أخذت نفسًا عميقًا في محاولة للارتقاء مرة أخرى والتمتع بالثبات الانفعالي. أفكر في أن ضابطًا من ضباط المباحث الجنائية يتجول في ألبوم صوري الخاص على هاتفي ويتصفح نفس الصورة التي التقطها كل يوم لقطي وهو نائم فوق الغسيل أو متمددًا داخل المكتبة، ثم في المئات من الصور المكررة للقطط الأخرى التي أقابلها بشكل يومي في الشارع.
لم يستمر هذا الوضع طويلًا. بسرعة شديدة وأنا مُقيد «خلفي» تم اقتيادي إلى سيارة خاصة هذه المرة، لم تكن الغُماية معصوبة بشدة فكنت أستطيع أن أرى أين تخطوان قدماي. نفس مراسم الانتقال (ضابط على عجلة القيادة واثنين من أمناء الشرطة من القطعية العريضة على يميني ويساري) ولكن بدون أي حدة غير مبررة. تجاذبت أطراف الحديث مع الضابط الذي رفض الإفصاح، بطبيعة الحال، عن الجهاز الذي يعمل به أو المكان الذي نذهب إليه أو سبب اعتقالي. «قدامنا سكة طويلة أوي»، هكذا قال. لا بد أننا ذاهبون إلى القاهرة. ينفي ذلك ويحاول إسكاتي. الإسكندرية؟ إجابة بالنفي. السلوم؟ نفي ومحاولة لإسكاتي. أتحسس خطاي بحذر وأنا أُعيد محاولة جذب أطراف الحديث مع الضابط قائد المأمورية حتى لا أستفز الأمناء الذين لم يتوقفوا عن الشكوى للضابط من كلامي الكثير. لم يُمانع وإن استمر في محاولة إنهاء الحديث. أسكت أحيانًا ثم أطلب الكلمة. تفاوضت على كلبشتي أمامي بدلًا من خلفي لنصف الطريق تقريبًا. أمين الشرطة الذي قال لي اسمه حسن مُصر على أنني لا أستحق الكلبشة الأمامية. يُلمح لي أنهم مكلّفون بإحضاري إلى مكان ما، وأنهم انطلقوا في تلك المهمة منذ وقت مبكر، ويحمّلني المسؤولية عن يوم العمل الصعب الذي ينتظره بسببي. اعتدت هذا النوع من الـgaslighting من الأمناء تحديدًا، حتى أنني بدأت في التعاطف مع هذا المنطق. تذكرتُ فجأة مقالة، قرأتها قبل أسبوع، عن مصير السجناء الإيرانيين في سجن إيفين وقت أن قصفته إسرائيل وقتلت 79 شخصًا على الأقل من السجناء والحراس. أحد السجناء السياسيين السابقين ذهب إلى السجن ليطمئن على زوجته التي لم تزل محتجزة بنفس السجن. بالصدفة كان أول من قابله هو رئيس الحرس في العنبر الذي قضى فيه سنتين محبوسًا، وكان مغطى بطبقة من الرماد الذي نتج عن تدمير أحد المباني. لم يتمالك رئيس الحرس نفسه وقام بمعانقته والبكاء على كتفه، ولم يشعر السجين السابق بأي حنق أو غضب إزاء هذا الموقف. تجول قليلًا حتى عثر على ضابط آخر وحاول الاستفهام منه عن زوجته، انفجر الضابط في عصبية، ولامَ زوجته السجينة السياسية على أنه فقد زملاء له في القصف، فقط لأنهم مكلفون بحماية خارجين عن القانون من أمثالها. أتوقف عن السرحان في هذه الأمور الفلسفية وأعاود الكرة مع الضابط. بلهجة أقل خشونة يقول لي الضابط أنه لا يثق بي لكي يكلبشني أمامي بدلًا من خلفي. أؤكد له أنني سأكون على نفس مستوى العجز التام عن القيام بأي مفاجآت وأنا يداي مقيدة أمامي ومعصوب العينين، فأنا لست ساحرًا، كل ما في الأمر أنني لا أرغب في أن ينخلع كتفي. وافق الضابط بعد فترة من «الزن» مشكورًا، وأمر الأمناء بإعادة تقييدي في مقابل صمتي التام. شعر الأمين عضو اليسار والأمين عضو اليمين أن مسؤولية تأميني زادت بعد إعادة تغيير وضعي الاحتجازي، فقررا بشكل تلقائي أن يطبقا على صدري أكثر قليلًا. ما زال الوضع أريّح بكثير. وعدت الضابط أن ألتزم بالصمت. أستطيع الآن أن أنام قليلًا.
لا بد أننا كنّا على الطريق لما يقرب من ثلاث ساعات أو أقل قليلًا – ما يعني أننا إمّا في القاهرة أو في مرسى مطروح. السبب الوحيد الذي دفعني للشك في احتمالية انتقالي إلى مطروح، هو أنه في تجربتي في الاعتقال سابقًا تم اقتيادي إلى مقر الأمن الوطني بشرم الشيخ بدلًا من القاهرة. وأن أحد الضباط في مرحلة ما لمّح بذلك. وصلنا ثم تم اقتيادي إلى مكان بدا لي وكأنه قسم شرطة، حيث أننا صعدنا درجة واحدة فقط ولم أدخل إلى بناية عالية. تم تسليمي إلى قوة شرطة جديدة، ومشينا فترة وجيزة قبل أن أجد نفسي جالسًا على مقعد ثم تم رفع العصابة من على عيناي فوجدت نفسي في غرفة مكيفة ومؤثثة بشكل يجعلها أقرب للاستراحة من غرفة احتجاز.
قضيت ما يقل قليلًا عن العشر ساعات في هذا المكان. أحيانًا يدخل إلى غرفتي أحد الضباط، تغيروا أكثر من مرة، أتعجب من الوسامة البالغة للضباط صغيري السن حديثي العهد. أحيانًا يدخل جندي يحضر لي قهوة أو طعام وهو في حيرة من أمره. يرفض الضباط الإجابة عن أسئلتي (وهو ما أتوقعه بطبيعة الحال) ولكنهم يؤكدون على أنني سأعرف قريبًا كل شيء. يعاملونني بلطف مبالغ فيه كأنما فيه نوع من الاعتذار عن العنف الذي واجهته في قسم الشرطة بمدينة العلمين. يسألونني باستمرار إذا كنت في حاجة إلى شيء.. طعام أو حمام، ولكنهم لا يملكون إجابات على أسئلتي أو هكذا يقولون. يُصر أحد الضابط على أن أتناول شيئًا من الطعام. شرحت له أن أحد الأعراض الجانبية للاعتقال هو الفقدان المؤقت للشهية. لم يغادر قبل أن يحصل على وعد بأن أشاركهم في الإفطار على الأقل.
نمت ما يقرب من الساعتين، ثم عاودت محاولة استخراج أي معلومة من أي ضابط في الصباح. نفس الضابط، ثم مجموعة من الضباط الآخرين، يتحدثون بنفس اللباقة التي تترك الكثير من الاحتمالات مفتوحة. أحدهم قال لي أننا في مرسى مطروح. يختفي الضباط لساعة أو ساعتين. أستغل هذا الوقت لممارسة البحلقة والسقف وتمشيط ذهني وذاكرتي لمحاولة التفكير في دوافع القبض علي. ثم أسرح في الإحساس بالذنب والندم على أشياء لم أفعلها. الإحساس بالذنب الدائم المرتبط بأنك لا تعرف أصلًا الذنب الذي اقترفته هو أحد التيمات الرئيسية في أدب كافكا، الذي لا بد أن مُشرعي قوانين مكافحة الإرهاب في أغلب دول العالم يأخذونه كمصدر للإلهام. يداهمني إحساس بالذنب الشديد تجاه والدتي وأخي. أتذكر أنني على بعد يومين من حفل زفاف أحد أولاد أعمامي المقربين، وأنني سأتسبب في قدر لا بأس به من العكننة، كعادتي، على أسرتي الممتدة. ثم أفكر في زوجتي التي تحول حياتها إلى كابوس قانوني ممتد، دائمًا ما أعدها بأنه على وشك الانتهاء، ثم فجأة تكتشف أن خمس سنوات من اللايقين مروا ونحن فيما يبدو غافلين. أعدها بأنني متفائل بفرج قريب ثم أفاجئها بمصيبة جديدة. وها أنا على وشك أن أهاديها، في الذكرى الخامسة لزواجنا، بقضية إرهاب جديدة.
أعود إلى التفكير فيما سأقوله أمام النيابة. أتأمل في محتويات الغرفة. هناك مجموعة من اللوحات المطبوعة المعلقة على الحائط. تعجبني بشدة مجموعة من اللوحات التي تصور نسر وزارة الداخلية في أوضاع انقضاض مختلفة. أفكر في أنني في عالم موازي كنت سأسعى لاقتناء إحدى هذه اللوحات. لاحظت أن في الخلفية بحر، وأن النسر يبدو منقضًا على سمكة في عرض البحر. فكرت للحظة أن ربما تكون هذه تيمة الأعمال الفنية التي تُستخدم في أقسام ومباني الشرطة في المدن الساحلية. ربما أكون حقًا محتجزًا في مرسى مطروح. ولكن عندما أحضر لي أحد العساكر إفطارًا مكونًا من ثلاث شطائر من الفول والطعمية والبطاطس، في خبز بلدي حقيقي عالي الجودة من النوع الذي لا يمكن العثور عليه في أي مكان في الساحل الشمالي، أو في مدن محافظة مرسى مطروح، شككت في صحة هذه المعلومة. هناك عداء واضح لم أفهمه أبدًا بين مخابز محافظة مطروح والخبز البلدي. قد أكون محتجزًا في القاهرة إذن بالرغم من كل شيء. ما هو سر الإصرار في الإجابة عن سؤال واحد فقط بمعلومة خاطئة؟ ثم فجأة يدخل على الضابط الوسيم لطيف المعشري ليخبرني بأنهم سيقومون بنقلي الآن وأنني سأعرف كل شيء بعد عشر دقائق على الأكثر.
معصوب العينين مجددًا، أصعد السلم الهائل الذي يميز سيارة الترحيلات. أتنهد بملل، تحقيق وقضية جديدة. لعله خير. قد يؤذن هذا بخروجي على الأقل في هذه المرة. لست متأكدًا من الوقت الذي سأقضيه في سيارة الترحيلات. آخر مرة قضيت ما يقرب من عشر ساعات معصوب العينين ممددًا على مقعد حديدي. ولهذا قررت ألا أذهب إلى شواطئ بعيدة مرة ثانية. ولكن يبدو أن الضابط كان صادقًا معي هذه المرة، إذ أنني خرجت إلى مقر نيابة أمن الدولة في التجمع الخامس بعد نصف ساعة أو أقل. لم يستغرق الأمر كثيرًا قبل مثولي أمام نفس رئيس نيابة أمن الدولة العليا الذي قام بالتحقيق معي في المرة السابقة. اعتذرت له أنني بعد خمس سنوات أظهر أمامه مجددًا بلباس البحر، ووعدته أن أرتدي بدلة كاملة فقط إذا قاموا باستدعائي للتحقيق بدلاً من بهدلة القبض علي من على الشواطئ في المرة القادمة. إن شاء الله مافيش مرة قادمة. تحقيق قصير ثم إخلاء سبيل بضمان محل إقامتي. أفضل نتيجة يمكن أن تحصل عليها في نيابات أمن الدولة العليا. شعرت بالامتنان الذي تخلله إحساس بالأسف الشديد لأن محضر الضبط لم يحتوي، هذه المرة، إلّا على صورة لشجرة، في حين أن المرة السابقة تمحور التحقيق حول عملنا في «المبادرة المصرية» على عقوبة الإعدام وقانون مكافحة الإرهاب. يبدو أن هذا في المرة ظن مُعد محضر التحريات أن حسابي على الفيسبوك سيحتوي على مادة إثارية، لكنه لم يجد غير آخر منشور شاركته ونسيته منذ سنتين: ميم يتوسطه صورة لشجر. هكذا يعيد التاريخ نفسه. وبالرغم من كل ذلك فأنا ما زلت محسوبًا في عداد المحظوظين.
آراء أخرى
في مواجهة سؤال المثلية الجنسية: ما الدليل الأخلاقي للمواطن «العادي»؟
«ينام المواطن العادي مرتاح البال والضمير، بينما يتحوّل الوطن بالنسبة لغيره إلى سجن»
حرب الكلاب وتكسير العظام: القصة الكاملة لعمال «أسمنت تيتان»
«في السابع من يناير الماضي، وصلت بعثة تقييم الالتزام من مكتب المحقق/المستشار لشؤون التقيد بالأنظمة بالبنك الدولي CAO، إلى مصر، وبقيت حتى 13 يناير، بغرض إجراء…»
تدوينة: عن النظام الذي يعتبر عملنا هو تهمتنا
«سناء سألتني مرة لو ندمانة إني نزلت المظاهرة وبسبب دا إحنا في السجن، وقتها قلت لها على الأقل أنا مش محبوسة بتهمة زي "التمويل الأجنبي"، تهمة…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد